الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فردَّ منهم ولو كان أعلمهم فلا يقال فيه عمل، ولا يترك له الحديث الثابت، بل يتعيّن العمل بالحديث، ومن هذا قضية القبض، وهو وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة، ثبتت به الأحاديث الصحاح السالمة من الطعن في الموطأ وغيرها، وكل من وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإما نصَّ على القبض، أو سكت ولم يقل قبض ولا سدل، والساكت عنهما ليس بنص ولا ظاهر في السدل، فجاء بعض المتأخرين مستدلًا بأن عبد الله الكامل1 سدل ورام أن يجعله عملًا مدنيًّا وهيهات هيهات، وهذا سلاح استعمله متأخرو المالكية مهما لم يجدوا في الحديث مطعنًا، ادعوا العمل ولا ينبغي ذلك لهم في دين الله، فإن مالكًا ليس بمعصوم عن الخطأ ولا المدونة كمصحف منزل، وكم من حديث لم يعرف مالك وصح عند غيره، والإنصاف في دين الله أسلم من الاعتساف، ولو كان في ذلك عمل متقرر لنص عليه في الموطأ كعادته، فالعمل إذا نصَّ عليه في الموطأ أو المدونة أو نحوهما من الكتب الثابتة فعمل مقبول يستدل به المالكي بملء شدقيه، أما مجرد مخالفة مالك في المدونة أو غيرها للحديث فلا دليل فيه على العمل أصلًا، بل هي دعوى، وإلى الله الشكوى.
1 أبو سالم عبد الله الكامل الأمراني العلوي الحسني، ت 1321، ترجم له المؤلف في القسم الرابع في المالكية.
قول الصحابي:
اعلم أن عمل المدينة الاجتهادي لا النقلي له ارتباط وانبناء على العمل بقول الصحابي، فقد احتج به مالك كما سبق، وهو من أصول مذهبه، لكن إن صحَّ سنده وكان من أعلام الصحابة، كالخلفاء، أو معاذ، أو أُبَيّ، أو ابن عمر، أو ابن عباس، أو نظرائهم؛ لأنه يكون عند اجتهاد أو توقيف، ويشترط أن لا يخالف الحديث المرفوع الصالح للحجية، وإلّا فالحديث مقدَّم لا القياس، وقد بالغ الغزالي في المستصفى في الرد لهذا الأصل مستدلًا بأن الصحابة ليسوا محل العصمة ويجوز عليهم الغلط، فلا ينتج قولهم ما يقطع به في الحجية وأطال في ذلك، وهو كلام مردود، فإنا لم ندع العصمة لهم، ولا أن قولهم مما يقطع به، وإنما هو من جملة الأدلة الشرعية التي تفيد الظن؛ لأنه لا يكون من هؤلاء الأعلام إلا ما كان عن توقيف، وهذا واجب الاتباع، أو عن اجتهادهم واجتهادهم أولى بالصواب
من اجتهاد مَنْ بعدهم؛ لقربهم ومشاهدتهم وزيادة معرفتهم باللغة ومواقع الأوامر والنواهي، فلأن نقلدهم خير من أن يجتهد غيرهم بعدهم فنقلده، فالنفس تطمئن إليهم أكثر من غيرهم، وفي ذلك من تقليل الخلاف والآراء ما يخفى على أن الظاهر أن مالكًا بما ظهر له صحة اجتهادهم فيه لا مطقلًا، حتى يكون من التقليد المنهي عنه، فكأنه اعتبر أن قول الصحابي مرجَّح إذا تعارضت الأدلة والله أعلم.
وفي إعلام الموقعين أن الصحابي إذا لم يخالف صحابيًّا آخر، فإما أن تشتهر قوله في الصحابة أو لا يشتهر، فإن اشتهر فالذي عليه جماهير الطوائف من الفقهاء أنه إجماع وحجة.
وقالت طائفة منهم: هو حجة وليس بإجماع، وقالت شرذمة من المتكلمين وبعض الفقهاء المتأخرين لا يكون إجماعًا وإن لم يشتهر قوله، أو لم يعلم هل اشتهر أم لا، فاختلف الناس هل يكون حجة أم لا، فالذي عليه جمهور الأمة أنه حجة، هذا قول جمهور الحنفية صرَّح به محمد بن الحسن، وذكر عن أبي حنيفة وهو مذهب مالك وأصحابه، وتصرفه في موطئه دليل عليه، وهو قول إسحاق بن راهويه1 وأبي عبيد2، وهو منصوص الإمام أحمد في غير موضوع عنه، واختيار جمهور أصحابه، وهو منصوص الشافعي في القديم والجديد، أما القديم فأصحابه مقرون به، وأما الجديد فكثير منهم يحكي عنه فيه أنه ليس بحجة، وفي هذه الحكاية عنه نظر ظاهر جدًّا، فإنه لا يحفظ له في الجديد حرف واحد أن قول الصحابي ليس بحجة، وغاية تعلقهم أنه حكى أقوالًا لهم ثم خالفهم في الجديد، وهو ضعيف جدًّا؛ فمخالفته لما هو أقوى في نظره لا يدل على أنه لا يراه دليلًا من حيث الجملة، بل صرَّح في الجديد من رواية الربيع عنه بأنه حجة يجب المصير إليه، ثم نقل عن مدخل البيهقي نص الشافعي بذلك أيضًا، ويأتي في قواعد مذهب الشافعي.
ثم قال: وذهب بعض المتأخرين من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة إلى أنه ليس بحجة، وذهب الفقهاء إلى أنه حجة إن خالف القياس، ولو
1 ابن إبراهيم بن مخلد راهويه.
2 القاسم بن سلام.