الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هل وقع القياس منه عليه السلام:
هذه المسألة مبنية على مسألة أعمَّ منها وهي: هل اجتهد عليه السلام، أم لم يجتهد، لعدم احتياجه إليه بالوحي، ولقوله تعالى:{إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} 1 والأصحُّ كما في جمع الجوامع أنه يجتهد، وأن اجتهاده لا يخطيء، وأنه يفوض إليه فيقال: احكم بما تشاء، ومما هو صريح في اجتهاد عليه السلام:
1-
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ} 2.
2-
ومن اجتهاده عليه السلام نزوله في بدر دون ماء، فقال له الخباب بن المنذر: هل بوحي أو برأي؟ فقال: برأي، لأنه رأى أن منعهم من الماء كمنع الحيوان منه، وتعذيب الحيوان به لا يجوز، وقد جبل على الشفقة صلى الله عليه وسلم، فقال الخباب: الرأي أن نمنعهم من الماء، يعني: لأن منعهم من الماء من مكيدة الحرب وأسباب النصر، والحربي ليس بمحترم حتى يكون منعه من الماء ممنوعًا، فذلك من القياس أيضًا أن يكون من الاستدلال الآتي:
3-
ومنه قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} 3، عوتب على الإذن لمن ظهر نفاقهم في التخلف عن تبوك ،ولا معنى لأن يعاتب عَمَّا نزل به وحي، وإنما هو اجتهاد.
4-
ومنه قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} 4 عوتب على استبقاء أسرى بدر بالفداء اجتهادًا، عملًا بعموم العفو والصفح المأمور به قبل نزول آيات القتال، وحملًا لآيات القتال على ما قبل الأسر، ولحاجة المسلمين إلى المال الذي يقويهم، وعملًا بمقتضى مكارم الأخلاق من العفو عند المقدرة.
5-
ومنه حديث الصحاح في صلاته عليه السلام على عبد الله بن أُبَيّ بن سلول المنافق، فقال له عمر: أتصلي عليه، وقد نهيت عن الصلاة عليهم؟
1 النجم: 4.
2 التحريم: 1.
3 التوبة: 43.
4 الأنفال: 67.
فنزل قوله تعالى: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} 1 الآية. ولعل مراد عمر بقوله: وقد نهيت، النهي عن الاستغفار في قوله تعالى:{مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} 2، فقاس الصلاة على الاستغفار، إما مساواةً أو أحروي، أو رأى أن الاستغفار داخل في صلاة الجنازة؛ لأنها دعاء فتناولها العموم، فنزل القرآن بتصويبه، أما قوله تعالى:{وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم} الآية. فإنما نزلت بعد سبب هذه القصة.
ومن التفويض له عليه السلام بأن يقال له احكم بما تشاء قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} 3، وحديث النسائي وغيره:"لقد هممت أن أنهى عن الغيلة 4 حتى ذكرت أن فارس والروم يصنعونه فلا يضر أولادهم5".
2-
ومنه أيضًا حديث الصحيح: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عن كل صلاة"6.
3-
ومنه أيضًا: حديث الصحيح: "لولا قومك حديثوا عهد بكفر لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم"7.
4-
ومنه أيضًا: حديث السائل عن الحج هل يجب كل عام؟ فقال عليه السلام: "لا، لو قلت: نعم لوجب ولم تقدروا عليه، دعوني ما تركتكم، فإنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم" وهو في الصحيح أيضًا8.
5-
ومنه حديث الصحيح في حرمة مكة حيث قال: "لا يعضد شجرها" فقام العباس وقال: "إلا الإذخر9.......................................
1 التوبة: 84.
2 التوبة: 113.
3 النساء:105.
4 الغيلة بكسر المعجمة، والغيال: إرضاع المرأة ولدها وقت الحمل.
5 النسائي في النكاح "ج6/ 88".
6 مسلم في الطهارة "ج1/ 151".
7 البخاري في الحج "ج2/ 179"، ومسلم "ج/ 97". 8
8سبق تخريجه ص29.
9 قال المؤلف رحمه الله: الإذخر -بكسر الهمزة فذال معجمة فخاء معجمة مكسورة: نبات معروف بالحجاز.
فقال عليه السلام: "إلا الإذخر"1.
6-
ومنه حديث الصحيح عن سلمة بن الأكوع قال: لما أمسوا يوم فتحوا خيبر أوقدوا النيران، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"على ما أوقدتم هذه النيران" قالوا: لحوم الحمر الإنسية، قال:"أهريقوا ما فيها واكسروا قدورها"، فقام رجل من القوم فقال: نهريق ما فيها ونعسلها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أو ذاك"2. غلظ أولًا عليهم بكسر القدور حسمًا للمادة، فلما سلموا الحكم وضع عنهم الإصر ورخَّص لهم في غسلها.
7-
ومن القياس قوله عليه السلام للمرأة التي قالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها، فقال:"أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته، أكان يجزي عنها" قالت: نعم، فقال:"فدين الله أحق أن يقضي".
والقصة في الصحيح3.
8-
وقوله للرجل الذي قال: أيقضي أحدنا شهوته ويؤجر عليها؟ فقال: "أرأيت لو وضعها في حرام أكان عليها وزر"؟ قال: نعم، قال:"فذكلك إذا وضعها في حلال كان له أجر"4.
9-
وقال: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب"5.
10-
وقال لعمر وقد قَبَّل امرأته وهو صائم: "أرأيت لو تمضمضت بماء"6.
11-
وقال للذي أنكر ولده الذي جاءت امرأته أسود: "هل لك من إبل
1 البخاري "3/ 18"، ومسلم "4/ 109".
2 البخاري في بدء الخلق "ج5/ 166"، ومسلم في الجهاد والسير "ج5/ 185".
3 البخاري "ج3/ 46"، ومسلم "ج3/ ص155".
4 سبق تخريجه ص22.
5 هذا اللفظ في مسلم "ج4/ 164"، وورد لفظ:"إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة" من حديث عمرة بنت عبد الرحمن في الصحيحين: البخاري "ج7/ 11"، ومسلم "ج4/ 162".
6 أبو داود "ج2/ 311".
حمر فيها أورق"؟ قال: نعم. قال: "فمن أين؟ " قال: لعله نزعه عرق.
قال: "وهذا لعله نزعه عرق"1.
وقد صنَّف الناصح الحنبلي في أقيسته -عليه السلام2، وهذه التي ذكرنا جلها في الصحاح، ولا يقال: إن ما وقع فيه العتاب لا معنى لحمله على الوحي، وبعضها أرشد فيه إلى التعليل، وما بيَّن تلك العلل إلا تنبيهًا على القياس وتشريعًا وتدريبًا، وإلا كان عبثًا وتطويلًا.
وقيل: إنه -عليه لسلام- لا يجتهد لقوله تعالى: {مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ} 3. وغير خفي أنه لا دليل في الآية على النفي؛ لأن المنفي تبديل القرآن، والاجتهاد ليس تبديلًا بل هو اتباع واستنباط من الوحي، وقيل: يجتهد في الآراء والحروب لا في الأحكام، والصواب أن اجتهاده عليه السلام لا يخطئ، وقيل بالإثبات، ولكن لا يقر على باطل، بل يقع التنبيه على الخطأ حينًا.
حكمة اجتهاده عليه السلام:
من حكمته تعليم الأمة وتدريبها على الاجتهاد في الأحكام، واستنباط الأحكام التي تناسب كل مكان وزمان، وعدم الجمود على ظواهر النصوص؛ لأن ذلك عائق عن الترقي والتطور في أطوار تناسب الزمان والمكان، ومن حكمة الخطأ في اجتهاده على القول به، وإن كان شاذًّا أن لا تتسرع الأمة بالتنديد على العلماء الذين يقع منهم الخطأ؛ لأن الاجتهاد عرضة لذلك؛ فإن وقعوا في التنديد والتشنيع والتهديد انقطع الاجتهاد، مع أنه من مصالح الشريعة التي هي عامة لكافة الأمم، والتي هي مستمرة لا تنسخ، ولا يعقل استمرارها إلا إذا كان يتغير الكثير من أحكامها بتغير الأحوال، ولا يخفى أن الاجتهاد مقام عظيم وفيه ثواب جسيم، فلمن أخطأ أجر واحد، ولمن أصاب أجران، كما في الصحيح4،
1 سبق تخريجه.
2 عبد الرحمن بن نجم الجزري السعدي العبادي، أبو الفرج ناصح الدين بن الحنبلي، ت ستة 634.
3 يونس: 15.
4 متفق عليه: البخاري في الاعتصام "ج9/ 132"، ومسلم في الأقضية "ج5/ 131".
فالقول بأنه عليه السلام لا يجتهد، يلزم عليه حرمانه عليه السلام من هذا المقام مع مخالفة الظواهر المتكاثرة، والظواهر إذا تكاثرت أفادت القطع.
القياس: هل دليل سمعي أو عقلي:
قالت المعتزلة: إن العقل له استقلال في استحسان الحسن، واستقباح القبيح، فيمكن أن يستقلَّ بتشريع الأحكام وإدراك الثواب والعقاب، وهو قول حائد عن الصواب، فإن الثواب والعقاب أمر غيبي تابع لرضى الرب وسخطه، ولا اطلاع عليه إلّا من قِبَلِ النبوة، ومن هذا فقد ادَّعى أن الإنسان يبصر في الظلام ويعقل وهو في الأرحام، نعم العقل يدرك حسن بعض ما هو حسن، وقيح بعض ما هو قبيح لا الكل، ويمدح على الأول ويذم على الثاني، فالحق أن القياس دليل سمعي ورد في القرآن والسنة كما تقدمت أدلته.
أصل القياس وأسرار التشريع:
إن الشريعة الإسلامي عامة لسائر الأمم والأزمان، ونظام للمجتمع العام، وما كان بهذه لمثابة فلا بُدَّ أن يكون منطبقًا على مصالح العباد، وراجعة إليهم وحدهم لا إليه تعالى؛ لأنه غنيٌّ عن العالمين.
لهذا كان أكثر أحكامها معقول المعنى، وقيل: كلها سواء في العبادات أو في المعاملات، وفي هذه أكثر وضوحًا؛ لأن القصد من تدخل الشرع في المعاملات صيانة الحقوق وحفظ المصالح، فلا بُدَّ من مراعاتها إذن في تلك الأحكام، قال تعالى:{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ} الآية1.
فالشريعة روعيت فيها المصالح العامة والخاصة وحقوق التملك والحرية الشخصية والفكرية، حتى إنها لم تكلفنا إلا باعتقاد ما سلمه العقل، وقد روعيت فيها النواميس الطبيعية والقانون الطبيعي الذي جعله الله لسعادة البشر وارتقائه.
جاء الدين بتأييد قانون الفطرة، أعني القانون الطبيعي الذي هو حفظ الذات المبنيّ على جلب اللذات ودفع الألم، فطرة الله التي فطر الناس عليها،
1 البقرة: 188.
إذ كل إنسان مجبول بفطرته على الجهاد في سبيل جلب المصلحة، أعني: اللذة، ودفع المفسدة وهي الألم. فجاء الشرع لتأييد ذلك، ولكن باعتدال بحيث لا يخرج إلى حب الذات، وهو عدم الاكتراث بصالح العموم، ثم أرشدنا إلى ما هي المصالح وما هي المضار، وإلى طريق الجلب والدفع؛ لأن الإنسان قد يغلط في الطرق الموصلة لها. فالشرع حكيم كالطبيب العارف بقوانين حفظ الصحة ودفع المرض، ودليل مرشد إلى ما هي اللذة الحقيقية، والطريق الحقيقي الموصل لجلبها فيأمر بها، ويرشد إلى القدر الذي لا يضر منها ليتناولها باعتدال؛ كإباحته الاكتساب، ونهيه عن الشره والجشع والغش والتدليس ونحوهما. وكإباحة التنعيم بالطيبات، ونهيه عن السرف، مثل الطبيب الذي ينهى عن الشبع خوف التخمة، ومرشد إلى ما هو الألم الحقيقي، والطريق الموصل إلى دفعه، وهذه المصالح هي حكم الأحكام المرتبة على العلل التي لأجلها شرع الحكم.
فمن أنكر القياس وزعم أن الشرع تعبدي كله، فقد عطَّل الحكمة ولم يفهم الشريعة حق فهمها، وجعلها شرع جمودًا وآصار، مع أنها موصوفة في القرآن بضد ذلك، قال تعالى:{وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} 1، ويأتي مزيد بسط لهذا في ترجمتي أبي حنيفة وداود الظاهري، فهو تكملة لما هنا، وكفى ما تقدَّم لنا في مسألة النسخ والحكمة التي شرع لأجلها، ففي ذلك إرشاد إلى أن الأحكام روعيت فيها المصالح الراجعة إلى سعادة الأمة في الدارين معًا، قال تعالى:{وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} 2، ولهذا كان كثير من أحكام المعاملات يتغير بتغير الأحوال وتطور الأمة، كما قال عمر بن عبد العزيز: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور. ومن هنا جاءت المصالح المرسلة وسد الذرائع وغيرهما مما يأتي، ولهذا نظر أولوا البصائر من علماء الشرع في الأحكام كي يجدو لها عاملًا، فما وجدوه بطريق النصِّ أو الإجماع أخذوه، وإلا استنبطوا من الاقتضاءات والإيماءات، والسبر والقسيم. والإخالة والمناسبة التي هي الملايمة للطبع بجلب لذة أو دفع أمل مما هو من مقاصد الشرع، التي تنقسم إلى ضروري وحاجي وتحسيني، فإن المصلحة باعتبار قوتها في ذاتها تنقسم إلى ما هو في رتبة الضرورات، وإلى ما هو في رتبة الحاجيات، وإلى ما يتعلق بالتحسينات،
1 الأعراف: 157.
2 القصص: 77.