الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، فقال له علي بن أبي طالب: إن من شرب سكر، ومن سكر هذى، ومن هذى افترى، فأرى أن يحدَّ حد المفتري -يعني ثمانين التي هي أدنى الحدود، ووافقوه على ذلك.
فقال عمر لرسول خالد: بلغ صاحبك ما قالوا: فضرب خالد ثمانين، وكان عمر يجلد ثمانين إذا أتاه الرجل القوي المنتهك في الشراب، وإذا أتي بالرجل الذي منه الزلة الضعيف ضربه أربعين، لكن في زمن عثمان رجع عليّ عن فكره، فكان يقول: لو مات أحد بحد الخمر لوديته؛ لأنه لم يكن فيه سنة، وإنما هو شيء صنعناه -يعني الزيادة على الأربعين، ولذلك قال عند حد عثمان للوليد بن المغيرة والى الكوفة لما شهد عليه أهلها بالشرب: حدَّ رسول الله أربعين، وحدَّ أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سنة. ثم حدَّه أربعين1.
ويعمل عمر أخذ مالك وأبو حنيفة رغمًا عن كون الحنفي لا يقول بالقياس في الحدود، مستندين لقول علي: وكلٌّ سنة. ورأوا فعل عمر كانعقاد الإجماع فلا ينقضه ما بعده.
1 مسلم "ج6/ 126"، وأبو داود "ج4/ 163"، وابن ماجه "ج2/ 585".
تدوين السنة:
تقدم أن أول تدوين للفقه هو تدوين القرآن؛ إذ كان صلى الله عليه وسلم يأمر بكتب كل ما ينزل عليه منه، فأما السنة فإن في صحيح مسلم أنه نهاهم عن كتبها وقال:"لا تكتبوا عني غير القرآن" 1، لكن النهي ليس مطلقًا، فالتحقيق أنه نهاهم أن لا يكتبوها ويجعلوها في بيته مع القرآن لئلَّا تختلط به، وأما من أراد أن يكتب لنفسه وأمِنَ من الاختلاط فإنه لم يمعنه، كما يثبت ذلك في الصحيح أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يكتبها2.
وروى أحمد أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم، هل يكتب كل ما يسمع منه عليه السلام،
1 مسلم في الزهد "ج8/ 229".
2 البخاري في العلم "ج1/ 38"، والترمذي "ج5/ 40".
فقال: "نعم، فإني لا أقول إلاحقًّا" 1، وقال في حجة الوداع:"اكتبوا لأبي شاه" 2، وكان عند علي بن أبي طالب صحيفة فيها العقل وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر، وفي رواية فإذا فيها المدينة حرم كما في الصحيحين3.
وروى النسائي أنه كان مكتوبًا فيها: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وهم يدٌ على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ألا لا يُقْتَلُ مؤمن بكافر، ولا ذو عهده في عهده، ومن أحدث حدثًا فعلى نفسه، أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين"4. وفي الصحيح عن ابن عباس، لما اشتدَّ بالنبي صلى الله عليه وسلم الوجع قال: "ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده" ، قال عمر: إن النبي غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا5، وفي الموطأ قال الزهري: قرأت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه على نجران، وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم في قطعة أدم، فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا بيان من الله وسوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} وكتب الآيات منها حتى بلغ {إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَاب} ، ثم كتب: هذا كتاب الجراح: في النفس مائة من الإبل، وفي العين خمسون، وفي اليد خمسون، وفي الرجل خمسون، وفي المأموية ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة فريضة، وفي الأصابع عشر عشر، وفي الأسنان خمس خمس، وفي الموضحة خمس" رواه مالك والنسائي وصححه ابن حبان6.
1 أحمد في مسنده. انظر الفتح الرباني للساعاتي "1/ 191".
2 البخاري في العمل "ج1/ 38"، وفي اللقطة "ج3/ 165"، وأبو داود في المناسك "ج2/ 212".
3 البخاري "ج1/ 38"، ومسلم "ج6/ 85"، في الأضاحي.
4 النسائي "ج8/ 18، 21".
5 البخاري في الاعتصام "ج9/ 137".
6 مالك في الموطأ "ج2/ 849"، والنسائي في القسامة "ج8/ 50، 51-54"، وقد أخرجه غيرهما، واختلف في صحة الكتاب، قال الحاكم: قد شهد عمر بن عبد العزيز، وإمام عصره الزهري بالصحة لهذا الكتاب. انظر نيل الأوتار، كتاب الدماء "ج7/ 18، 19".
ويصح أن تعتبر هذه الكتابة أول تدوين السنة التي هي من مواد الفقه، لكن ما كتبوا إلّا الشيء اليسير، لا سيما وما كتبه عبد الله بن عمرو بن العاص لم يظهر، إذ لم يعدوه من المكثرين الذي تجاوزوا الألف لاشتغاله بالسياسة مع والده ورحلته إلى مصر.
ولم تكن إذ ذاك دار علم، مع أن أبا هريرة قال: لم يكن أحد أكثر مني ملازمة للنبي صلى الله عليه وسلم إلّا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب1.
وعلى كل حالٍ فالقرآن تركه عليه السلام مكتوبًا مدونًا كله، أمَّا السنة فلم يبتدأ جمعها وتدوينها إلّا بعد مائة سنة من وفاته عليه السلام، كما يأتي تحريره، سوى ما كُتِبَ على عهده كما سبق، وكان يسيرًا، وإنما اتَّكلوا في السنة على حفظهم وسيلان أذهانهم ومضاء قرائحهم، والأميّ دائمًا يكون أحفظ من الكاتب، وكان سيدنا عمر همَّ يجمعها وكتبها واستخار الله في ذلك شهرًا، ثم خاف اشتغال الناس بها وترك القرآن، أو غير ذلك فرجع.
والحق يقال، لا شك أن تأخُّر كتبها تسبَّب عنه وقوع الاختلاف والاضطراب في كثير من الأحاديث وهو من أوجه تقديم القرآن عليها، زد على ذلك ما ابتليت به من وضع الزنادقة والرافضة وتعمدهم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأغراض سياسية واهية كما يأتي.
1 سبق تخريجه.