الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقال أبو سعيد الخدري: كان أبو بكر أعلمنا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال له عمر: رأينا لرأيك تبع.
أجمعت الأمة أنه المعني بقوله تعالى: {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى} 1، قال الفخر الرازي: إذا ضمَّت هذه الآية لقوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} 2 أنتج لنا ذلك أنه أفضل الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم، توفى سنة "13" ثلاث عشرة3.
1 الليل: 17.
2 الحجرات: 13.
3 ترجمة أبي بكر في الإصابة "4/ 169"، والاستيعاب "3/ 963"، وأسد الغاية "3/ 205".
ترجمة أبو حفص سيدنا عمر بن الخطاب القرشي العدوي:
الخليفة الثاني بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فيه عليه السلام فيما رواه الترمذي وحسنه:"لو كان بعدي نبي لكان عمر"، وفي لفظ:"لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر"4، وأسلم بعد البعثة بنحو ست سنين، وله من العمر ست وعشرون سنة، وهو مكمل أربعين رجلًا في الإسلام وبضع عشرة امرأة، أسلم ببركة دعاء رسول الله الذي قال:"اللهم أعزَّ الإسلام بأحب الرجلين إليك، عمر بن الخطاب، أو عمرو بن هشام" 5 يعني: أبا جهل، وهو الذي وافق ربه بضعة عشر موضعًا، فهو الذي قال: لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى،
4 الترمذي: "5/ 619"، وقال: حديث حسن غريب، لا نعرفه إلّا من حديث مشرح بن عاهان، أما قوله:"لو لم أبعث فيكم لبعث عمر". فليس في الترمذي، قال الصغاني: موضوع: انظر كشف الخفا "2/ 231"، واللآليء المصنوعة "1/ 302".
5 رواه الترمذي عن ابن عمر وفيه قال: وكان أحبهما إليه عمر، قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب "5/ 617"، وروى عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم قال:"اللهم أعز الإسلام بأبي جهل أو بعمر" قال: فأصبح فغدا عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم. قال الترمذي: حديث غريب من هذا الوجه.
وأخرج ابن ماجه في المقدمة عن عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب خاصة" وفي إسناده ضعف.
فنزلت الآية بوفقه، وهو الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت نساءك أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب، فهو السب في الحجاب في الإسلام.
وهو الذي قال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا. فنزل تحريمه.
وهو الذي أشار بقتل أسارى بدر، وخالفه غيره، فنزل القرآن بتصويب رأيه، وكم لذلك من نظير.
وترجمة هذا السيد الجليل والخليفة الأعظم لا تفي بها هذه النتفة فلها أسفار، فسيدنا عمر كما له الفضل على الأمة سياسة، وفتحًا وعدلًا، واستقامة، وقيامًا بنشر الدين، والنفوذ الإسلامي، والعلم، والأمن، والتهذيب، وتنظيم دولة الإسلام العظمى في الأقطار الشاسعة، وضبط إدارتها التي استعار جلها عن دولة الفرس التي محقها برأيه وتدبيره وسيفه ودهائه، وما كان ليانف من اقتباس إدارة بلاده عن أمة أبادها سيفه لسعة فكره، وما كان ليجعل سياسته محض التقليد الجامد، وقصر كل شيء على الدين، ولو لم يكن من الدين، بل كان ينظر مصلحة الدنيا والدين معًا، فلقد أشار عليه الوليد بن هشام بأن يدون الدواوين وينظَّم جنده على نسق ما كان عند الروم في الشام، ففعل ولم يستنكف أن يأخذ ذلك عنهم، ولا جمد على أنه بدعة، بل نظر مصلحة الإسلام، وهكذا فعل في ضرب الخراج، كما يأتي في اجتهاده، وغير ذلك مما يطول من محاسنه.
كذلك خدم الأمة بفكرة ورأيه وعلمه وصحيح إدراكه واجتهاد في أحكام أصاب فيها روح الترشيع الإسلامي، وعين المصلحة العامة التي جاءت الشريعة بحفظها، ويأتي بعض فروع من اجتهاده تبين لك ذلك، ولو أن عمر فسح له في الأجل واطَّلع على تنظيم أصول الشورى، ومجلس النواب، الذي كان عند أمة الرومان قبله، ونظام ديموقراطيتهم لنظَّم الإسلام على ذلك النمط، ولو أنه أتيح له ذلك ما كان يتأتى لأمة أن يبقى في المعمور إلا وانتظمت في جامعته، لكن روم الشام ومصر الذين استولى عليهم كانت الشورى ذهبت منهم، ولم تكن كتب
الرومان معرَّبة لديه حتى يعرف تلك الأصول المهمة، ولعدم الشورى المنتظمة في الإسلام وقع ما وقع في الفتن والحروب بعد عمر، ليقضي الله أمره، ولا أزال أقول: إنه كان يجول في فكر عمر شيء من ذلك بدليل تنظيمه لمجلس شورى الخلافة، التي جعلها بين الستة، وما جعله من نظام ذلك المجلس وهو في النزع؛ إذا عيَّن أعضاءه العالمين والشرفيين والرئيس وكيفية التصويت، والأغلبية، وإذا وقعت المساواة كان الترجيح للرئيس أو الجهة التي فيها عبد الرحمن بن عوف، إلى غير ذلك مما يطول، ويدل أنه صدار عن فكر عظيم، وتدبير عميق، فلو ترك مجلسًا على ذلك النظام مستديمًا للجامعة الإسلامية لما وقع الإسلام في مهاوي الاستبداد والاستبعاد التي عاناها منذ ثلاثة عشر قرنًا، ولكل أجل كتاب.
من كلام عمر: القوة في العمل أن لا تؤخر عمل اليوم الغد، والأمانة ألا تخالف سريرة علانية، واتقو الله عز وجل فإنما التقوى بالتوقي، ومن يتق الله يقه.
وقيل له: فلان فاضل لا يعرف من الشر شيئًا، قال: ذاك أوقع له فيه.
قال ابن مسعود: علماء الأرض ثلاثة: فرجل بالشام لعله يعني به أبا الدرداء، وواحد بالكوفة يعني نفسه، وواحد بالمدينة، فأما هذان فيسألان الذي بالمدينة والذي لا يسألهما.
وقال الشعبي: إذا اختلفت الناس فخذوا بما قال عمر.
وقال ابن مسعود لما دفن عمر: ذُهِبَ اليوم بتسعة أعشار العلم.
وقال الشعبي: قضاة هذه الأمة: عمر، وعليّ، وزيد بن ثابت، وأبو موسى.
نقل هذه الآثار في أعلام الموقعين1.
وقال علي: ما كنا نبعد ان السكينة تنطق على لسان عمر.
1 "1/ 14-20".
وقال ابن مسعود:" ما عبدنا الله جهرة حتى أسلم عمر.
وقال فيه عليه السلام: "اللهم اجعل الحق على لسان عمر وقلبه"1.
وقال عليه السلام: "بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن فشربت حتى رأيت الريّ يخرج من أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر" قالوا: فما أولت ذاك يا رسول الله؟ قال: "العلم"2.
وقال عليه السلام: "بينا أنا نائم والناس يعرضون علي وعليهم قمص، فمنها ما يبلغ إلى الثدي، ومنها دون ذلك، وعرض عليّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره" قالوا: فما أوَّلت ذلك يا رسول الله قال: "الدين"3.
ومن دينه أنه خطب يومًا فقال: أيها الناس، ألا تسمعون؟ فقال سلمان: لا نسمع، فقال عمر: ولم يا أبا عبد الله؟ قال: إنك قسمت علينا ثوبًا ثوبًا، وعليك ثوبان، فقال: لا تعجل، ونادى ولده عبد الله، فقال: نشدتك الله الثوب الذي ائتزرت به أهو ثوبك؟ قال: اللهم نعم. فقال سلمان: أما الأن فقل نسمع4.
وقد توفي وعليه دين ستة وثمانون ألفًا، أوصى ولده أن يبيع داره ويقضيها، فباع الدار المعروفة بدار قضاء دين عمر وقضاها، وهي التي صارت تعرف بدار القضاء، وسأل يومًا سلمان: أملك أنا أم خليفة؟ فقال له: إن جبيت من أرض المسلمين درهمًا ووضعته في غير حقه فملك، رواه الطبري5.
وهو أول قاضٍ في الإسلام ولي بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ولاه أبوبكر وقال له: اقض بين الناس فإني في شغل6، وكان عمر أمهر مجتهد ومفتٍ في الأمة بعد نبيها
1 الذي ثبت ما رواه الترمذي عن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه""5/ 617".
2 متفق عليه: البخاري "5/ 13"، ومسلم "7/ 112".
3 متفق عليه: البخاري "5/ 15"، ومسلم "7/ 112".
4 لا أدري إن كان لهذه القصة ساق تستند إليها، وقد ذكرها ابن قتيبة في عيون الأخبار "1/ 55".
5 تاريخ الطبري "4/ 211".
6 انظر الاستيعاب "3/ 1150".