الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المصالح المرسلة:
هي من جملة ما دخل في الاستدلال بل في الاستحسان منه، وتقدَّمَ تعريف المصلحلة في أصل القياس وأسرار التشريع، والمراد هنا مصلحة لم يشهد الشرع باعتبارها ولا إلغائها، وتقدَّمَ أنها أقسام ثلاثة: ضرورية، وحاجية، وتحسينة، والمراد هنا ما كان واقعًا في رتبة الضرورة، وهو المحافظة على الدين أو النفس أو العقل أو النسب أو المال أو العرض؛ لأن ما دون ذلك كله من الحاجيات أو التحسينات. وكل ما كان منها فلا يجوز الحكم بمجرده إن لم يعتضد بشهادة أصل إلا أن يجري مجرى الضرورات، فلا يبعد أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد وإن لم يشهد الشرع فهو كالاستحسان، أما إن اعتضد بأصل فهو قياس، ثم إن ما كان في رتبة الضرورات فلا يبعد أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد، وإن لم يشهد الشرع معين.
ومثاله: إن الكفار إذا تترَّسُرا بالأسرى المسلمين، وكان بحيث لو كفننا عنهم لغلبونا على دار الإسلام وقتلوا أهل القطر الإسلامي أو الجيش الذي هو الساعد المدافع، ويقتلون الأسرى أيضًا، ولو رميناهم لقتلنا الأسرى الذين لم يذنبوا، وهم معصوموا الدم، ولا دليل في الشرع يبيحه، فيجوز أن يقول قائل: الأسرى مقتولون على كل حال، فحفظ أهل القطر أقرب إلى مقصود الشرع؛ لأنا نعلم قطعًا أن قصده تقليل القتل، كما يقصد حسم سبيله عند الإمكان، وحيث لم نقدر على الحسم فقد قدرنا على التقليل، فهي مصلحة عُلِمَ بالضرورة أنها مقصود الشرع لا بأصل واحد معين، بل بأدلة خارجة عن الحصر، مع أن تحصيلها بهذه الطريق وهو قتل من لم يذنب غريب لم يشهد له أصل معين، لكنها توفرت فيها شروط: ضرورية، وقطعية، وكلية لأهل القطر كله بها قطعًا كما في جمع الجوامع.
فلو تترَّسُوا في قلعة فلا يجوز الرمي إذ ليس من الضروري فتح قلعة، وأيضًا
ليس حصول المصلحة فيها قطعيًّا، وكذلك جماعة في سفينة لو رمو ثلثهم لنجوا وإلا غرقوا كلهم، فهذه ليست كلية لانحصار عددهم، وليس كاستيصال كافة القطر، ولعدم تعين الثلث بعينة، بل على الشياع إلا بالقرعة، ولا أصل لها هنا فصبرهم واجب، وأما ما نقله إمام الحرمين عن مالك من أنه يجيز قتل الثلث من الأمة لاستصلاح الثلثين فقد أنكر نسبته إلى الإمام، كما في حواشي البناني على الزرقاني، وفي المصالح المرسلة نزاع كبير، نسبوا إلى مالك أنها من أصول مذهبه، والجمهور على خلافه، وقال الزركشي1: إن العلماء في جميع المذاهب يكتفون بمطلق المناسبة، ولا معنى للمصلحة المرسلة إلا ذلك، قال الخوارزمي2: هي المحافظة على مقصود الشرع بدفع المفاسد على الخلق.
ويشترط رابعًا أن يعلم كونها مقصوة للشرع بالكتاب أو السنة أو الإجماع، إلّا أنها لم يشهدلها أصل معين باعتبار، وإنما يعلم كونها مقصودة لا بدليل واحد بل بمجموع أدلة وقرائن أحوال وأمارات متفرقة، ومن أجل ذلك تسمَّى مصلحة مرسلة، ولا خلاف في اتباعها إلّا عندما تعارضها مصلحة أخرى، وعند ذلك يأتي الخلاف في ترجيح إحدى المصلحتين نظير ما تقدَّم في الاستحسان.
قال ابن دقيق العيد3: الذي لا يشك فيه أن لمالك ترجيحًا على غيره من الفقهاء في هذا النوع، ويليه ابن حنبل، ولا يكاد يخلو غيرهما من اعتباره في الجملة، ولا أنكر على من اعتبر أصل المصالح المرسلة، لكن تحقيقها محتاج إلى نظر سديد، والاسترسال فيه ربما يخرج عن الحد، وقد نسبوا إلى سيدنا عمر رضي الله عنه أنه قطع لسان الحطيئة بسب الهجو، فإن صح ذلك فإنه من باب العزم على المصالح المرسلة، وحمله على التهديد الرادع للمصلحة أولى من حمله على حقيقة القطع للمصلحة، وهذا يجر إلى النظر فيما يسمَّى مصلحة مرسلة، قال: وشاورني بعض القضاة في قطع أنملة شاهد، والغرض منعه عن الكتابة بسبب قطعها، وكل هذا منكرات عظيمة الموقع في الدين، واسترسال قبيح في أذى المسلمين.
1 سبقت ترجمته.
2 لعله أبو محمد منصور بن أحمد القاءاني الخوارزمي، ت سنة 775، تاج التراجم لابن قطلوبقا ص237، الأعلام "8/ 234".
3 تقي الدين محمد بن علي بن وهب، المعروف بابن دقيق العيد، ت سنة 702 هـ "الدرر الكامنة""4/ 210"، "طبقات الشافعية للسبكي""9/ 207".
قلت: ولا يبعد أن يخرج على ذلك:
1-
ما رواه مالك في الموطأ أن الضحاك ابن خليفة ساق خليجًا له حتى النهر الصغير من العريض، فأراد أن يمر به في أرض لمحمد بن مسلمة فأبى، فقال الضحاك: لم تمنعني وهو لك منفعة تشرب به أولًا وآخرًا ولا يضرك، فأبى، فكلَّم عمر رضي الله عنه فدعى محمد بن مسلمة فأمره أن يخلي سبيله فأبى، فقال عمر: لم تمنع أخاك ما ينفعه وهو لك نافع تشرب به أولًا وآخرًا، ولا يضرك، فقال محمد: لا والله، فقال عمر: والله ليمرنَّ ولو على بطنك1. وأمره عمر أن يجريه، فإذا تأمَّل المتأمل وجده اعتمد أصلًا عامًّا وهو إباحة النافع وحظر الضار، ولم يقله قياسًا على أصل معين، وغيره من المجتهدين لا يجبره على إجراء الماء؛ حيث عارضه أصل آخر وهو قوله عليه السلام: "لا يحل مال امريء مسلم إلّا عن طيب نفس" رواه الحاكم2 بإسناد على شرط الصحيحين في جله، وعلى شرط مسلم في بعضه، وأيضًا هذه المصلحة ليست في محل الضرروة فلا تعتبر، ويؤخذ من حكم عمر هذا أنه يبيح الصلاة في الدار المغصوبة، وقد أوسع الكلام فيها ابن ناجي3 في تاريخ معالم الإيمان.
2-
ومن ذلك أن علي بن أبي طالب قضى في رجل من رجل يريد قتله، فأمسكه له آخر حتى أدركه فقتله، وبقربه رجل ينظر إليهما وهو يقدر على تخليصه، لكن نظر إليه حتى قتله بأن يقتل القاتل ويحبس الممسك حتى يموت، ويفقأ عين الناظر الذي وقف ينظر ولم ينكر، فرأى تعزيز الناظر بفقإ عينه مصلحة للأمة. انظر عدد 50 من الطرق الحكمية4، إن كان هذا الحكم بالفقإ لم يأخذ به الفقهاء، كما أن الممسك يجب عليه عند المالكية القصاص لا الحبس؛ لأنه مباشر ووماليء على القتل.
3-
ومن ذلك تحريق عليّ -كرم الله وجهه- لقوم نسبوا إليه الألوهية، وثبت
1 الموطأ "2/ 746".
2 المستدرك "1/ 93" لفظه: "لا يحل لامريء من مال أخيه إلّا ما أعطاه عن طيب نفس".
3 قاسم بن عيسى بن ناجي التنوخي القيرواني، فقيه من قضاة القيروان، ت سنة 887هـ "معالم الإيمان""3/ 149"، ترجم له المؤلف في أوائل القسم الرابع.
4 ص50، ط. المكتبة العلمية بالمدينة المنورة 1391هـ.
ابن ابن عباس لم يرتض منه ذلك فرجع، ويمكن أن يخرج ذلك على أن عليًّا لم يطَّلع على أن التحريق بالنار منسوخ بقوله عليه السلام:"لا يحرق بالنار إلا الله"1.
4-
ومن زيادة عمر في حد الشرب من أربعين إلى ثمانين.
5-
ومن ذلك إفتاء عمر بن الخطاب بإيقاع طلاق الثلاث على من لفظه به في مرة واحدة، قال: لأن الناس استعجلوا أمرًا كان لهم فيه أناة، وذلك لما رأى من استرسالهم في ذلك، ولكن هذا بعد الزمن النبوي وإلّا ففي زمنه عليه السلام، وزمن أبي بكر، وثلاث سنين من خلافة عمر، كان الحكم بواحدة فقط، هكذا في أعلام الموقعين2. والحديث بذلك في الصحيحين لكن خالفه روايه ابن عباس، فقد روى عنه جلة أصحابة لزوم الثلاث، وأيضًا روى في المدونة عن أشهب عن القاسم بن عبد الله أن يحيى بن سعيد حدَّثه أن ابن شهاب حدَّثه أن ابن المسيب حدَّثه أن رجلًا من أسلم طلَّق امرأته على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث تطليقات، فقال له بعض أصحابه، إن لك عليها رجعة فانطلبت امرأته حتى وقفت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن زوجي طلقني ثلاث تطلقيات في كلمة واحدة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد بنت منه ولا ميراث بينكما" ، ونقل في المدونة بسند فيه ابن لهيعة عن ابن عمر وابن عباس أنهما أفتيا بذلك فانظره، وأثر ابن المسيب مرسل، ولكن مراسيله كلها صحاح مقبولة عند الكل.
6-
ومن ذلك تأبيده الحرمة على من تزوج امرأة في عدتها ودخل به زجرًا لأمثاله أن لا يفعلوا، ومعاملة له بنقيض قصده، وخالفه عليٌّ فكان لا يحكم بالتأبيد.
7-
ومن ذلك ما روي عن مالك من ضرب المتهم بالسرقة حتى يقر، لكن إن ثبت بينة وقوع سرقة منه من قبل، وأما المجهول الحال أو المعلوم الصلاح فلا تقبل عليه دعوى السرقة، بل يؤدَّب من ادعاها على صالح كما في المختصر، وكذا
1 في البخاري في الجهاد "4/ 75"، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: "إن النار لا يعذب بها إلا الله
…
الحديث" وفيه عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لا تعذبوا بعذاب الله".
2 "3/ 30".
على مجهول الحال، قالوا: إن لم يضرب عسر إظهار السرقات، لكن عارضت هذه المصلحة مصلحة المضروب؛ إذ ربما يكون بريئًا، وترك عقوبة مذنب خير من ظلم بريء، وما جعل الشرع اليمين إلّا لئلَّا تضيع المصلحة الأولى كليًّا، فقد يستخرج به المسروق، أمَّا إذا عارضها نصٌّ فتلغى عن مالك وغيره، ولذلك انتقد المالكية على يحيى بن يحيى الأندلسي1 لما أفتى الأمير عبد الرحمن الأموي حين وطء في نهار رمضان بتعين شهرين متتابعين، فقيل له: قد ضيَّقت عليه، هلَّا أفتيته بالعتق، فقال: إنه أمير يهون عليه العتق فيفطر كل يوم ويعتق. بأنها فتوى شاذة لأخذه بالمصلحة في مقابلة النص وذلك لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى تغيير حدود الشريعة بتغير الأحوال، فتنحل رابطة الدين وتنفصم العرى، وفي معناه من أفتى أميرًا مترفهًا سافر من المجاورة للبحر في سفينة أمينة بعدم قصر الصلاة لعدم المشقة، وليس بصحيح؛ لأن الشرع علَّق القصر على السفر، فيكفي أنه مظنة المشقة وهي غير منضبطة، ومثل ذلك السفر في السكة الحديدية والسيارة والمناطيد الجوية، فيسنُّ القصر في مسافته ولو قطعها في جزء يوم وأدركته الصلاة وهو في السفر، فلا يظن بالملكية أنهم يأخذون بالمصالح المعارضة بالنص، نعم إذا عارضتها مصلحة أخرى يجتهدون في تقديم ما يظهر لهم أنها أقوى كضرب المتهم كما سبق.
مسألة إرهاب المنكر حتى يقر:
في نيل الابتهاج في ترجمة حسن بن علي المسيلي قاضي بجاية إنه استناب حفيده فيها لمرضه، وكان له نبل فتحاكمت عنده أمرأتان، ادَّعت إحداهما على الأخرى أنها أعارتها حليًّا، وأنكرت الأخرى، فشدد على المنكرة وأوهمها حتى اعترفت، فلما حكى له حفيدة القصة فرحًا بما توصّل إليه من الحق، أنكر عليه أشد نكير وقال: إنما النبي صلى الله عليه وسلم قال: "البينة على المدعي، واليمين على من أنكر" 2، وأشهد بتأخيره.
1 هو يحيى بن يحيى بن بكير بن وسيلاس الليثي، أخذ عن مالك، وقدم الأندلس، وانتهت إليه الفتوى بها، وكان الأمير عبد الرحمن بن الحكم يبجله ويستشيره، وانظر القصة المشار إليها في ترجمته في "ترتيب المدراك للقاضي عياض""2/ 534".
2 هذا اللفظ رواه البيهقي في السنن، وقال النووي أنه حسن "كشف الخفا""1/ 342"، =
قال الشيخ بابا1: وهذا من ورعه ووقوفه مع ظاهر الشرع، وعلى هذا يجب أن يكون العمل، وهو مذهب مالك، وظاهر مذهب الشافعي تجويز مثل هذا، فإنه يرى أن القصد إنما هو الوصول إلى حقيقة الأمر بأي شيء وصل إليه حصل المقصود، ولهذا يجيزون قضاء الحكام بعلمهم، والحق خلاف لحديث:"فإنما أقضي على نحو ما أسمع"2 وساق قصة أخرى من هذا النمط وقعت لحاكم في الإسنكدرية فانظرها.
قلت: إن مسألة المسيلي في إرهاب المنكر يشهد لها قضية الجارة التي رضّ يهودي رأسها بحجر، وسألها النبي صلى الله عليه وسلم عمَّن فعل بها ذلك، فأشارت إليه وهي في الصحيح3، وفي بعض الرويات فبقي به حتى أقرَّ وأُقيم عليه القصاص، فلا خروج عن ظواهر النصوص في ذلك.
ثم إن مسألة حكم الحاكم بعلمه ليست مخصوصة بالشافعية بل الحنفية كذلك عندهم، ومن قال بذلك يلزمه القول بالمصالح، ولا إشكال كما قال أحمد بابا المذكور.
وقال الغزالي في المستصفى بعد أن مال إلى القول بالمصالح المرسلة في كثيرة من فروعها: إنها راجعة إلى حفظ مقاصد الشرع التي تعرف بالكتاب أو السنة أو الإجماع، فكل مصلحة لا ترجع إلى ذلك وكانت من المصالح الغريبة التي لا تلائم تصرفات الشرع فهي باطلة، ومن صار إليها فقد شرع. قال: وإذا فسَّرناها بالمحافظة على مقصد الشرع فلا وجه للخلاف في اتباعها، بل يجب القطع بكونها حجة، وحيث ذكرنا خلافًا فذلك عند تعارض مصلحتين، وعند ذلك
= وله أصل في الصحيح، فقد أخرج البخاري في الرهن "3/ 187" عن ابن عباس -رضي الله عنما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن اليمين على المدَّعَى عليه، وأخرجه مسلم في الأقضية "5/ 128"، وأخرج الترمذي من طرق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده:"البينة على المدعي، واليمين على المدَّعى عليه"، وقال: هذا حديث في إسناده مقال "5/ 617".
1 أحمد بابا بن أحمد التكروري التنبكتي، مؤرخ من أهل تنكبت في أفريقية الغربية، من مصنفاته "نيل الابتهاج بتطريز الديباج" في تراجم المالكية، ت. سنة 1036 هـ "الأعلام""1/ 98"، وترجم له المؤلف في القسم الرابع.
2 متفق عليه: البخاري في الحيل "8/ 32"، ومسلم في الأقضية "5/ 128".
3 متفق عليه: البخاري في الديات "9/ 5"، ومسلم في القسامة "5/ 103".
يجب ترجيح الأقوى.
واعلم أن المصالح المرسلة عند المالكية من جملة المخصصات، فقد قال مالك في المرأة إذا كان شريفة القدر: لا يلزمها إرضاع ولدها إن قبل ثدي غيرها، لمصلحة المحافظة على جمالها جريًا على عادة العرب في ذلك. وخصَّ بذلك عموم القرآن، صرح بذلك ابن العربي في الأحكام، ثم إني لم أقف على وقوع فتوى في العصر النبوي بالمصالح المرسلة.