الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تكاليف القرآن العظيم:
تمتاز تكاليف القرآن عن السنة بسهولتها ورفقها وإمكام القيام بها من غير مشقة.
قال تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} 1.
وقال: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} 2.
وقال: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا} 3.
وقال: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} 4.
وقال: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} 5. إلى غير ذلك.
وها أنت رأيت أن الله نهاهم عن السؤال لئلَّا ينزل التكليف، وإنما كثرت التكاليف واتسعت الشريعة بالسنة حيث أكثروا من السؤال.
بل كانوا إذا نزل حكم ثقيل في القرآن وسألوا التخفيف عنهم كقوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ} 6، فلما شقَّ عليهم التحرز عنه كليًّا نزل قوله تعالى:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ} 7. الآية. ولما نزل قوله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} 8 الآية.
شقَّ ذلك عليهم فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يقولوا: سمعنا وأطعنا، فنزل الله قول تعالى:{لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} كما في الصحيح9.
1 البقرة: 286.
2 البقرة: 185.
3 النساء: 28.
4 المائدة: 6.
5 الحج: 78.
6 الأنعام: 152.
7 البقرة: 220.
8 البقرة: 284.
9 انظر البخاري، كتاب التفسير "ج6/ 41".
وربما نزل التخفيف بدون سؤال، قال تعالى:{الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا} 1.
وربما نزل الحكم الذي لا بُدَّ منه وهو ثقيل تدريجًا؛ كحرمة الخمر، فإنه حُرِّمَ أولًا عند الصلاة، ثم حُرِّمَ كليًّا، ومن الأحكام التي نزلت تدريجًا الربا؛ حُرِّمَ أولًا كثيره، ثم حُرِّمَ كليًّا، وكل ذلك رفق ورحمة بالأمة، ولذلك جعلت الاستثناءات في الأحكام لهذا المعنى كقوله تعالى:{وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} 2، وقوله:{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} 3 وشرط القرآن الاستطاعة عمومًا فقال: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} 4، ثم نصَّ عليها فيما هو مظنة المشقة خصوصًا كقوله:{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} 5.
وقوع النسخ في القرآن:
قدمنا أن القرآن حجة بإجماع، فيشكل على ذلك مسألة النسخ فنقول:
النسخ: لغةً الإزالة والتبديل، وفي الشرع: رفع حكم شرعي بمثله مع تراخيه عنه، وهو جائز عقلًا بلا خلاف، واقع في الكتاب والسنة خلافًا لأبي مسلم الأصفهاني، وقد جهَّلوه في دعوى أنه لم يقع في القرآن.
وحكمة النسخ أن شرع الأحكام كثيرًا ما يكون لمقتضيات وقتية، فإذا تغيَّرت وناسب تغير الحكم لتغيرها رحمة وتخفيفًا من الحق سبحانه وتعالى، وقد لا تغير حال، ولكن يكون القصد التخفيف فقط، وقد يكون القصد التشديد في بعض الأحكام كنسخ فدية الصوم بتعين الصوم، وحيث أثبتت المعجزة صدق الرسول، فإن الله لا يُسْأَل عمَّا يفعل، ينسخ ما يشاء ويحكم ما يريد.
1 الأنفال: 66.
2 البقرة: 196.
3 البقرة: 196.
4 التغابن: 16.
5 آل عمران: 97.
أما حكمة بقاء تلاوة المنسوخ فهو التذكير بحكمة التخفيف والامتنان بتلك النعمة، واستحضار تلك السابقة، وثواب التلاوة، والتعبد والإعجاز وفوائد أدبية.
إذا علمت هذا، فالآية المنسوخة مهما وردت أخرى ناسخة لها، فذلك النسخ رفع لحكم الأولى على ما هو المختار، فالاحتجاج في الأحكام بالناسخ، أما المنسوخ فغير محتج به فيها، فهو مستثنى من الحجية بدليل قوله تعالى:{مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} 1، وقال تعالى:{مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي} 2، وقال تعالى:{وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} 3، وفي صحيح مسلم في الوضوء عن العلاء بن الشخير قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينسخ حديثه بعضه بعضًا، كما ينسخ القرآن بعضه بعضًا4.
فالنسخ وقع في القرآن بلا شك، بمعنى رفع حكم آية عن جميع محالها، والمتحقق من ذلك اثنتا عشرة آية أو نحوها.
الأولى: قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} 5 الآية. نسخها قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} 6 إلخ. آيات المواريث، وقيل إنها منسوخة بحديث "لا وصية لوارث" 7 إذا قيل بتواتره، وقيل: نسخها الإجماع، والتحقيق أن الأجماع لا يكون ناسخًا، وإنما الناسخ دليله، وأن الحديث المذكور ليس بناسخ، وأن الناسخ آيات الميراث حيث بينت ما يجب للوالدين
1 البقرة: 106.
2 يونس: 15.
3 النحل: 101.
4 مسلم في الحيض باب إنما الماء من الماء "1/ 185".
5 البقرة: 180.
6 النساء: 11، 12.
7 الحديث بهذا اللفظ رواه أبو داود "ج3/ 114" ط. التجاربة، والترمذي "ج4/ 434"، وابن ماجة "ج2/ 905" ط. الحلبي، كلهم عن أبي أمامة الباهلي، وبوَّب البخاري بهذا اللفظ فقال في الصحيح: باب لا وصية لوارث، ثم ذكر حديث ابن عباس بمعناه "ج4/ 4" ط. استنبول.
والأقربين، فلم يبق احتياج لوجوب الوصية، بل نسخ وجوب الوصية بقوله:{مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} إذ مفهوم يوصي به أنه إذا لم يوص بها فلا نفاد للوصية، نعم إطلاق لفظ وصية المتناول الوصية للوارث قيد بحديث "لا وصية لوارث" هكذا ظهر لي في الآيتين والحديث، وعليه فلم يبق هناك مثال يتحقق فيه نسخ القرآن بالسنة الآحاد، وإنما يوجد التقييد أو التخصيص أو التعميم وأمرها سهل. وكل منها واقع بالسنة، ومن ذلك حديث عبد الرحمن بن عوف في الصحيح1 أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر، فهو دال على تعميم آية الجزية من أهل الكتاب، وأن القيد بأهل الكتاب فيها خرج مخرج الغالب لنزولها في اليهود، وليس ذلك بنسخ.
الثانية: قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} 2 نسختها {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} 3.
الثالثة: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} 4 نسخ الوصية آية الميراث السابقة، ونسخ عدة الوفاة بالحول الآية قبلها {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} 5 وقدمت الناسخة على المنسوخة؛ لأن ترتيب آيات المصحف لم يكن على ترتيب النزول، بل هو بأمر خاص من رسول الله صلى الله عليه وسلم بإجماع.
الرابعة: قوله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} 6، نسختها آية:{لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} 7.
الخامسة: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} 8 نسختها آية: {وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} 9.
1 البخاري باب الجزية والموادعة مع أهل الحرب "ج4/ 177".
2 البقرة: 184، وفي المتواتر قراءة {مسكين} بالإفراد والجمع.
3 البقرة: 185.
4 البقرة: 240.
5 البقرة: 234.
6، 7 البقرة: 284، 286.
8 النساء: 33، والقراءة بالألف بعد العين متواترة.
9 الأحزاب: 6.
10 النساء: 15.
نسختها آية النور {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} 1 الآية مع آية الرجم التي نسخ لفظها وبقي حكمها، لكنه يؤول إلى نسخ القرآن بالسنة لعدم تواتر الناسخة الآن، وإن كانت متواتر في وقت الصحابة، أو يقال: نسخها دليل الإجماع؛ لأن الإجماع من الصحابة وعلماء الأمصار على رجم المحصن العالم العاقل المختار. ولم يخالف إلّا الخوارج والمعتزلة قالوا: لم نجده في القرآن، وأما ما في البخاري2 من أن عبد لله بن أبي أوفى سئل هل رجم النبي صلى الله عليه وسلم قبل نزول سورة النور أو بعدها فقال: لا أدري، فلا يلزم من عدم معرفته هو عدم اطِّلاع غيره، ففي الصحيح3 من حديث أبي هريرة وعقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي قال له: إن ابني كان عسيفًا على هذا، وزنى بزوجته:"إن على ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس على زوجة هذا، فإن أقرّت فارجمها" وقال عليّ: رجمت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصحيح4، وعن عمر رضي الله عنه أنه خطب الناس فقال:"إن الله بعث محمدًا بالحق، وأنزل عليه القرآن، فكان مما أنزل عليه الرجم" أخرجه البخاري5، وأخرج مسلم عن عباة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"خذوا عني، قد جعل الله لهنَّ سبيلًا، الثيب بالثيب جلد مائة والرجم"6.
السابعة: آية المائدة: {وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَام} 7 وآية القتال: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} 8 نسختها آية البقرة: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} 9، لكن يشكل عليه أن المائدة متأخرة في النزول عن البقرة، بل قال ابن عباس: إن المائدة آخر ما نزل، ويجاب بأنها آخر ما
1 النور: 6، 7، 8، 9، وهي آيات الملاعنة، أما آية الرجم التي أشار إليها، فهي قوله: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموها البتة
…
" وسيذكر المصنف بعد في حديث البخاري.
2 البخاري في المحاربين "ج8/ 204".
3 المصدر السابق "ج8/ 207"، ومسلم في الحدود "ج5/ 121".
4 البخاري في المحاربين "ج8/ 204".
5 المصدر السابق "ج8/ 209".
6 مسلم "ج5/ 115"، وأبو داود "ج4/ 144"، والترمذي "ج4/ 41"، وابن ماجة "ج2/ 853" وانظر تحقيق أحاديث الرجم في نيل الأوطار "7/ 86".
7 المائدة: 2.
8 التوبة: 5.
9 البقرة: 217.
نزل من السورة دون الآيات، فلا ينافي ذلك وجود المنسوخ فيها.
الثامنة: قوله تعالى في المائدة: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} 1 نسختها آية: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه} 2، وبه يرد قول أبي عبيدة عن الحسن ليس في المائدة منسوخ، وقاله عمر بن شرحبيل وعائشة وغيرهم.
التاسعة: قوله تعالى في المائدة: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُم} 3 نسختها آية: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} 4 ويرد عليه ما تقدَّمَ أيضًا، على أن بعض المالكية وأهل الظاهر وابن حنبل وكثيرًا من التابعين لا يقولون بنسخها، حكم بها أبو موسى الأشعري وغيره، وانظر بسط القول في هذه الآية في عدد "166" من الطرق الحكمية لابن القيم5.
العاشرة: قوله تعالى: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} 6 نسختها الآية بعدها: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} 7، ولفظ الآيتين خبر ولكن معناهما الأمر، بدليل أول الآية:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} فوقع التحديد للعدد الذي يجب الثبات والصبر للقائه، ولا يرخص في الفرار منه.
الحادية عشرة: قوله تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} 8 نسختها آيات العذر وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّة} 9.
الثانية عشرة: قوله: {إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} 10 نسختها الآية بعدها.
الثالثة عشرة: قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ
1 المائدة: 42.
2 المائدة: 49.
3 المائدة: 106.
4 الطلاق: 2.
5 ص "165-174" ط. العلمية بالمدينة المنورة.
6، 7 الانفال: 65، 66.
8 التوبة: 41.
9 التوبة: 122.
10 المجادلة: 12.
وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ} 1 نسختها الآية بعدها، وهي قوله تعالى:{فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى} 2 الآية. ويمكن النزاع في نسخ هذه الآية أيضًا؛ لأنها ليست بصريحة في وجوب التهجد على من معه حتى يكون نسخًا.
الرابعة عشرة: قوله تعالى: {الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} 3 نسخها عموم: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} 4 الأية.
وفي ذلك نزاع أيضًا إذ يحتمل أن تكون آية الزاني {لا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً} معناها: أن شأنه ذلك تنفيرًا، لا أنه حكم ونهي، فلا نسخ.
الخامسة عشرة: قوله تعالى: {لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْد} 5 الآية.
نسختها آية: {إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ} 6 الآية، وفيها نزاع أيضًا، فهذه الآيات قد تحقَّق النسخ في الجل منها إما بمعنى الإزالة أو التبديل، على أن البعض منها قد يمكن النزاع فيه والتخلص من النسخ كما سبق ولكنه قليل، وجميع ما ذكروا فيه النسخ مما سواه كله، إما من باب التخصيص، وهو إزالة الحكم عن بعض الأفراد دون بعض، أو من باب التقييد أو نحو ذلك، وكان الأقدمون كابن حزم يتسمحون فيسمونه نسخًا، كقوله:{وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} إلى قوله: {إِلَّا مَنْ تَاب} 7 فإنهم يقولون: إنها ناسخة قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} 8 الآية.
والحق أن لا نسخ، وأنما هو تخصيص؛ لأن الحكم لا زال باقيًا لبعض الأفراد، ومن هذا المعنى ما قاله ابن العربي من أن آية {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِين} نسخت مائة وأربعًا وعشرين آية فيها الصفح عن الكفار والتولي والإعراض والكف عنهم، قال: ومن العجب ان آية القتال نسخ آخرها وأولها، فإن ما ذكره في النسخ في آيات الصفح والكف غير متعيّن كما يعلم بالوقوف عليها في محلها.
وعلى كل حال، فإن المفسرين مهما رأوا منافاة ظاهرة آية لأخرى إلّا ويدعون
1، 2 المزمل:20.
3 النور: 3.
4 النور: 32.
5 الأحزاب: 52.
6 الأحزاب: 50.
7 الفرقان: 68، 69.
8 النساء: 93.
النسخ مجازفة، وليس بصواب، فالنسخ له شروط، منها عدم إمكان الجمع بين مدلولي الآيتين، وتواردهما على محل واحد، وبعبارة تحقق وجود الوحدات الثمان التي يشترطها المناطقة في التناقض، ومنها تحقيق التاريخ إما بنص صريح، أو بأن يجمعوا على العمل بالأحرى، كأكثر الآيات "15" السابقة، إلى غير ذلك من الشروط المبسوطة في محلها من الأصول وهي تقارب العشرة.
قال ابن الحصَّار: لا يعمل في النسخ إلّا بنقل صريح عن رسول الله أو عن صحابي يقول: آية كذا نسخت كذا؛ لأنهم عاينوا النزول، ولا يعمل بقول المفسرين من غير دليل، ولا بقول المجتهدين، فإن المجتهد قد يخطئ ويصيب؛ لأن النسخ يتضمَّن رفع حكم تقرر في زمنه صلى الله عليه وسلم، ويتضمن حرمة العمل به ونفيه عن الشريعة، فلا بُدَّ فيه من نقل بتواتر أو آحاد عدول. والمسألة طويلة الذيل وليس المحل محل بسطها، ولكن لما لخصته هنا قيمة لا يستهان به.
ثم النسخ أقسام: ما نسخ لفظه وبقي حكمه نحو: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله" وهي آية كانت في الأحزاب كما في الصحيح1، ومن نسخ لفظه وحكمه كعشر رضعات معلومات، وما نسخ حكمه وبقي لفظه كالآيات "15" السابقة.
والنسخ يكون نسخ قرآن بقرآن، وسنة بسنة، وسنة بقرآن، وقرآن بسنة متواترة لا بخبر واحد كما يأتي.
ولا نسخ بالعقل ولا بالإجماع؛ لأنه لا يكون إلّا بعده عليه السلام، ولا نسخ بعده، ولكن إجماعهم إن خالف نصًّا فقد تضمَّن ناسخًا وهو مستند الإجماع.
وهناك نوع آخر من النسخ، وهو إزالة الآية أو الآيات من القرآن لفظًا ومعنًى، أو لفظًا فقط، فتُنْسَى ولا تبقى مقروءة، وعلى هذا حمل قوله تعالى: {أَوْ
1 الذي في صحيح البخاري "ج8/ 209"، وفي مسلم "ج5/ 116" حديث عمر بن الخطاب، وذكر فيه آية الرجم ولم يذكر نصها، ولا السورة التي نزلت فيها، أما نص الآية فرواه أُبَيّ بن كعب، وأخرج حديثه ابن حبان في صحيحه، ورواه أبو أمامة بن سهل عن خالته العجماء، وأخرج حديثه أحمد والطبرني في الكبر "نيل الأوطار "ج7/ 91".
نُنْسِهَا} 1 في أحد القولين، ومنه حديث أبي موسى في صحيح مسلم2 أنه بعث إلى قراء البصرة فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرأوا القرآن فقال: أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم، فاتلوه ولا يطولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم، وإنا كنا نقرأ سورة كنَّا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها، غير أني فد حفظت منها: لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديًا ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب، وكنا نقرأ سورة كنا نشببها بإحدى المسبحات فأنسيتها، غير أني حفظت منها:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} فتكبت شهادة في أعناقكم فتسألون عنه يوم القيامة.
1 البقرة: 106.
2 مسلم في الزكاة: "ج3/ 100".