الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نذمه، ولا نقول به.
وإنما نقول نحن: إن العقل يمكنه أن يدرك حسن الأحكام التي سنَّها الشرع وقبَّح ما نهى عنه، ثم يعتبر ويقيس الحسن الذي اشتمل على مصلحة الواجب فيوجبه، والقبيح المشتمل على مفسدة الحرام فيحرمه، ولا نقول: إنه جامد لا ينظر في شيء، والله يقول:{أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا} 1، ويقول:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} 2، ويقول:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} 3، و {لِأُولِي النُّهَى} 4 ويقول:{وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} 5.
1 الأعراف: 184، والروم:8.
2 الحجر: 75.
3 لعله يعني آية آل عمران: 190، ونصها:{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} ، ووردت صيغة أخرى في سورة الزمر: 21 {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} .
4 طه: 54، 128.
5 النساء: 83.
الحيل عند الحنفية:
ومن أصول أبي حنيفة باب الحيل، ويسمونه: المخارج من المضايق.
وهو التحليل على إسقاط حكم شرعي أو قبله إلى حكم آخر، وذلك لأن الله سبحانه أوجب أشياء إما مطلقة من غير قيد ولا ترتيب على سبب؛ كوجوب الصلاة والصوم وحرمة الزنى والربا، أو على سبب؛ كالزكاة والكفَّارة وتحريم المطلقة وتحريم الانتفاع بالمغصوب، فإذا تسبب المكلف في إسقاط الوجوب عن نفسه، أو إباحة المحرم عليه بوجه من وجوه التسبب حتى يصير الواجب غير واجب في الظاهر، أو المحرَّم حلالًا في الظاهر أيضًا، فهذا التسبب يسمى حيلة.
كما لو دخل رمضان فأنشأ السفر ليأكل، أو كان له مال فوهبه قبل الحول تخلصًا من الزكاة، أو اغتصب جارية ثم ادَّعى موتها فقوِّمت عليه، وأدَّى ثمنها لأجل أن يتوصَّل إلى وطئها، وأمثال ذلك.
وقد عابه الكل على أبي حنيفة حتى بعض من يقول بالرأي، ورد عليه
البخاري كثيرًا، وعقد لها كتابًا في الجامع الصحيح وعناه بقوله: وقال بعض الناس: قالوا إن أحكام الله شرعت لجلب مصالح إلينا أو دفع مضار، ومن أمحل المحال أن يشرع من الحيل ما يسقط شيئًا أوجبه، ويحل شيئًا حرَّمه، ولعن فاعله، آذنه بالحرب كالربا، ويسوغ التوصل إليه بأدنى حلية. ولو أن المريض تحيَّل فأكل ما نهى عنه الطبيب لكان ساعيًا في ضرر بدنه، وعُدَّ سفيها مفرطًا.
ومن أكثر الناس ردًّا للحيل الحنابلة، ثم المالكية، لأنهم يقولون بسد الذرائع، وهو أصل مناقض للحيل تمام المناقضة، والحق أنه لا حقَّ لهم في الإنكار لأصلها، فإنَّ لها أصلًا في الشريعة جملة التوسعة التي فتحها الله على عباده.
قال تعالى لنبيه أيوب عليه السلام: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} 1 إذ حلف أن يضرب زوجه مائة سوط، فأمره أن يجمع مائة من شماريخ ويجعلها ضغثًا، ويضربها مرة واحدة، فكأنه ضربها مائة سوط، فذلك تحلة أيمانه، قال تعالى:{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} 2، وقال تعالى:{فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} 3، وقال عليه السلام:"حتى تذوق عسيلتها وتذوق عسيلتك" 4، ولعن من أفرط في التحيل فقال:"لعن الله المحلِّلَ والمحلَّل له" 5، وفي الصحيحين قال عليه السلام لبلال:"بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبًا" 6، والجمع نوع من تمر خيبر رديء، والجنيب نوع جيد، ولم
1 ص: 44.
2 الطلاق: 2.
3 البقر ة: 230.
4 البخاري واللفظ له "7/ 55"، وانظر سنن أبي داود "2/ 294"، والنسائي "6/ 119"، وابن ماجه "1/ 621".
5 رواه علي بن أبي طالب وابن عباس، وانظر: سنن أبي داود "2/ 227"، والترمذي "3/ 218"، والنسائي "6/ 121"، وابن ماجه "2/ 622".
6 الذي في الصحيحين البخاري "3/ 102"، ومسلم "5/ 47"، حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلًا على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أكل تمر خيبر هكذا"؟ قال: لا والله يا رسوله الله -صلى اله عليه وسلم- إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" لا تفعل، بع الجميع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبًا" ، وفي رواية عند مسلم أنه صلى الله عليه وسلم بعث أخا بني عدي الأنصاري فاستعمله على خيبر.... وذكر الحديث، وأما حديث بلال فأخرجه مسلم عن أبي سعيد "5/ 48"، ولكن بغير هذا السياق، قال رواية الحديث: سمعت أبا سعيد يقول: جاء بلال بتمر برني، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من أين هذا"؟ فقال بلال: تمر كان عندنا رديء، فبعت منه صاعين بصاع لمطعم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أوه عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر فبعه ببيع آخر، ثم اشتر به".
يفصِّل بين أن يكون البيع من رجلين أو رجل واحد، وحديث بريرة "هو لها صدقة ولنا هدية" 1، وقال لماعز لما أقرَّ بالزنى:"إبك جنون"؟ كما في الصحيح2، وقال للرجل الذي قال له: اقترفت حدًّا: "هل صليت معنا"؟ قال: نعم، قال:"فذلك كفارة ذنبك" كما في الصحيح3، فوجود أصل الحيل في الشريعة مما لا يشك فيه، ولا يخلو مذهب منه، ومن ذلك قول خليلنا: فإن فعلت المحلوف عليه حال بينونتها لم يلزم.
وقال الحنابلة: لو نصب شبكة قبل أن يحرم فوقع فيها صيد بعد الإحرام حلَّ له أكله، وما أشبهه بحيلة أهل السبت، لكن المعيب على بعض الحنفية القياس عليها، والاسترسال على أصل مذهبهم حتى أفتوا: من اشترى جارية وأراد وطأها من يومها بدون استبراء أن يتزوجها.
ونسب ابن ناجي4 في شرح المدونة الفتوى بها لمالك، وقد انتقدوا عليه نسبتها لمالك، وأفتوا السارق أن يدعي أن الدار داره، وصاحبها عبده، فيسقط الحد، ومن حلف أن يطلق امرأته أبدًا أن يقبِّل أمها فتحرم عليه، فأمثال هذه الفتاوى مستبشع في الدين معاب بلا شك.
كما أن الكتب التي ألفها الحنفية في الحيل من هذا النوع عيبت عليهم، وذمها العلماء أبلغ ذمٍّ؛ لأنها حيل ضعيفة المدرك، ويلزم منها انحلال الشريعة وإفساد نصوصها، ونحن نرى أن مثل هذه الحيل لا تُقْبَل حتى عند أصحاب الشرائع البشرية لما تؤدي إليه من الفساد.
وأيضًا لوجود ما يدل على النهي عن الاسترسال فيها؛ كلعن القرآن الذين
1 متفق عليه.
2 متفق عليه: البخاري في المحاربين "8/ 205"، ومسلم في الحدود "5/ 116".
3 البخاري في المحاربين "5/ 206".
4 قاسم بن عيسى بن ناجي التنوخي القيرواني.
تحيلوا للاصطياد في السبت1، ولعن السنة الذين حرمت عليهم الميتة فجمَّلوها وأكلوا ثمنها كما في أصح الصحيح2، فالحيلة إذا هدمت أصلًا شرعيًّا أو ناقضت مصلحة شرعيَّة حيلة ملغاة لا يجوز الترخيص فيها، وما ليست كذلك فلا تلغى، فالحيل ثلاثة أقسام: ملغاة بالاتفاق: كحيلة المنافق في إظهار الإسلام وإخفاء الكفر، وغير ملغاة اتفاقًا: كمن نطق بكلمة الكفر وقلبه مطئمن بالإيمان لحقن دمه، والثالث ما لم يتبيّن فيه بدليل قطعيٍّ إلحاقه بالأول ولا بالثاني، وفيه اضطربت أنظار النظار، وهو محل التنازع بين الحنفية وغيرهم، ولذلك فسمها الأئمة إلى الأحكام الخمسة، فمنها جائز وحرام ومندوب ومكروه وواجب، والحيلة الشرعية ما خلصت من المحرم ولم توقع في إثم، وانظر فتح الباري أول كتاب الحيل3، وموافقات الشاطبي آخر الربع الثاني4، وغيرهما.
وقد أطلت في ترجمة أبي حنيفة، ولكني في الحقيقة مقصر:
أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره
…
هو المسك ما كرَّرته يتضوَّع5
1 ذكر أهل السبت في خمسة مواضع في القرآن: سورة البقرة "65، 66"، وفي سورة النساء "154، 155"، وفي الأعراف "163"، وفي النحل "124"، أما ذكر لعنهم ففي النساء "47":{أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} .
2 متفق عليه: تقدَّم تخريجه.
3 فتح الباري "12/ 266" ط. الخشاب.
4 الموافقات "2/ 280".
5 هذا الفصل عن الإمام أبي حنيفة من أوضح الأدلة على إنصاف المؤلِّف ودقته العلمية، وله في الحافظ ابن عبد البر المالكي في كتابه "122-171" أسوة حسنة وسلف صالح، رحم الله الجميع وجزاهم خير الجزاء.
ترجمة ثالثهم الإمام أبو عمرو عبد الرحمن بن عمر بن يحمد 1 الأوزاعي:
إمام أهل الشام في زمنه بلا مدافعة ولا مخالفة، كان يسكن دمشق خارج باب الفراديس، ثم تحوَّلَ إلى بيروت فسكنها مرابطًا إلى أن مات بها، وأصله من ولد سيبان -بفتح السين المهملة قبل الياء، وقال أبو زرعة2: أصله من سبي السند، وكان قد سكن في بني أوزاع بن مرثد، بطن في اليمن فنُسِبَ إليهم، الإمام العلم كان نهَّاءً عن المنكر لا يخاف في الله لومة لائم، قال النووي: قد انعقد الإجماع على جلالته وإمامته وعلوِّ مرتبته وكمال فضيلته، ومقالات السلف مشهورة كثيرة في ورعه وزهده وعبادته، وقيامه بالحق، وكثرة حديثه وفقهه وفصاحته، واتباعه للسنة، وإجلال أعيان أئمة زمانه من جميع الأقطار له، واعترافهم بمزيته، وروينا من غير وجه أنه أفتى في سبعين ألف مسألة.
كان يكره القياس ويقف مع السنة، روى عن كبار التابعين كعطاء3، وابن سيرين4، ومكحول5، وخلق، وروى عنه قتادة6، والزهري7، ويحيى بن أبي كثير، وهم تابعون، مع إنه هو من أتباع التابعين فقط، فهو من رواية الأكابر عن الأصاغر، كما روى عنهم هو، وأخذ عن مالك، كما أخذ مالك عنه أيضًا، قال إسحاق8: إذا اجتمع الأوزاعيّ والثوري ومالك على الأمر فهو السنة. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا فاضلًا خيرًا كثير الحديث والعلم والفقه، وهو من أئمة المذاهب المدونة، وعلى مذهبه كان أهل الأندلس أولًا لكثرة الداخلين إليها من الشام، وما غلب عليها مذهب مالك إلّا بعد المائتين، زمن بني أمية، وُلِدَ ببعلبك سنة "88" ثمان وثمانين، وتوفي سنة "157" سبع وخمسين ومائة9.
1 قال المؤلف رحمه الله: يحمد ضبطه في الأزهر -بضم والميم بينهما جاء ساكنة، وضبطه النووي بكسر الياء والميم جميعًا، نقله المسناوي في نصرة القبض، وفي القاموس، ويحمد كيمنع وكيعلم مضارع اعلم أبو قبيلة. اهـ منه.
2 الرازي عبيد الله بن عبد الكريم.
3 ابن أبي رباح.
4 محمد.
5 الشامي أبو عبد الله، أو أبو أيوب، أو أبو مسلم. تهذيب التهذيب "10/ 289".
6 ابن دعامة السدوسي.
7 محمد بن مسلم.
8 ابن إبراهيم بن مخلد "ابن راهويه".
9 أبو عمرو عبد الرحمن بن عمر بن يحمد الأوزاعي: أبو عمرو -الدمشقي، الشامي الأوزاعي- الهمداني. تاريخ أسماء الثقات "821"، تقريب التهذيب "1/ 493"، تهذيب التهذيب "6/ 238"، تهذيب الكمال "2/ 807"، الكاشف "2/ 179"، الخلاصة "2/ 146"، الطبقات الكبرى "7/ 488، 489، 336"، تراجم الأحبار "2/ 392"، لسان الميزان "7/ 283"، الأعلمي "21/ 95"، العبر "1/ 227".
ترجمة رابعهم الإمام سفيان 1 بن سعيد بن مسروق الثوري:
نسبة إلى ثور2 بن عبد مناة، قبيلة من مضر، أحد الأئمة الأعلام، وإمام الكوفة والعراق، من أتباع التابعين، قال فيه ابن عيينة3: ما رأيت أعلم بالحلال والحرام منه، وقال العجلي4: كان لا يسمع شيئًا إلا حفظه، وقال: ما استودعت قلبي شيئًا فخانني فيه. روى عن أعلام التابعين كالأسود بن يزيد، وزيد بن أسلم، وخلائق، وروى عنه من أشياخه الأعمش5، وابن عجلان6، ومن أقرانه شعبة7، ومالك، وقال ابن المبارك8: ما كتبت عن أفضل منه.
قيل: روى عن عشرين ألفًا، قال الخطيب9: كان الثوري إمامًا من أئمة المسلمين وعلمًا من أعلام الدين، مجمَعًا على إمامته مع الإتقان والضبط والحفظ والمعرفة والزهد والورع.
قال القعقاع بن حكيم: كنت عند المهدي وأتى سفيان الثوري، فلما دخل سلَّم عليه تسليم العامة ولم يسلم بالخلافة، والربيع قائم على رأسه متكئًا على سيفه يرقب أمره، فأقبل عليه المهدي بوجهٍ طلق وقال له: يا سفيان تفر منا ههنا وههنا، وتظن أنا لو أردناك بسوء لم نقدر عليك، فقد قدرنا عليك الآن، أفما تخشى أن نحكم فيك بهوانا.
قال سفين: إن تحكم فيَّ يحكم فيك ملك قادر يفرِّق بين الحق والباطل.
فقال له الربيع: يا أمير المؤمنين، ألهذا الجاهل أن يستقبلك بمثل هذا، ائذن لي أن أضرب عنقه، فقال له المهدي: اسكت، ويلك، وهل يريد هذا وأمثاله إلّا أن نقتلهم فنشقى بسعادتهم، اكتبوا عهده على قضاء الكوفة على أن لا يتعرَّض عليه
1 قال المؤلف رحمه الله: سفيان مثلث السين.
2 قال المؤلف رحمه الله: بفتح المثلثة.
3 سفيان.
4 أحمد بن عبد الله بن صالح.
5 سليمان بن مهران.
6 محمد.
7 ابن الحجاج.
8 عبد الله.
9 أحمد بن علي أبو بكر الخطيب.