الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مشاهير أهل الفتوى في هذا العصر من الصحابة رضي الله عنهم:
ترجمة ابن عباس:
هم كثيرون تقدَّم بعضهم بتراجمهم، ويأتي في الترجمة بعد هذه سرد عدد وافر منهم، وهنا نذكر تراجم أربعة منهم مشاهير على سبيل التبرك؛ لتعلم أن هذا العصر كان بهم مزدانًا، وهم أحق أن يقدموا قبل التابعين السابقين، بل الأولان منهم أحق أن يقدَّما على كثير من الصحابة السابقين، كما يعلم من تراجمهم، لكنا تسامحنا في الترتيب، وفي مثل ذلك لا يناقش لبيب.
الإمام أبو العباس عبد الله بن عباس:
فهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، انتهت إليه الرياسة في الفتوى والتفسير بعد عصر الخلفاء ببركة دعائه صلى الله عليه وسلم حيث قال:"اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل"1، قال ابن حزم: هو أكثر الصحابة فتيا على الإطلاق.
وقد جمع فتاويه أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن الخليفة المأمون، أحد أئمة الإسلام في العلم والحديث في عشرين مجلدًا2، وهو عندي أحق من يصدق عليه حديث:"عالم قريش الذي يملأ الأرض علمًا" وإن كان الحديث متكلمًا فيه3، وانظر إلى تلاميذه الذين تخرجوا به: كعكرمة مولاه4، وسعيد ابن جبير، ومجاهد5، وعطاء6، وكريب7 مولاه أيضًا،....
1 متفق عليه: البخاري في الوضوء واللفظ له "1/ 47"، ومسلم في فضائل الصحابة "7/ 158".
2 ت سنة 342 هـ، انظر الأعلام للزركلي "7/ 339".
3 انظر المقاصد الحسنة للسخاوي "1/ 198".
4 عكرمة البربري أبو عبد الله المدني.
5 ابن جبر المكي أبو الحجاج.
6 ابن أبي رباح أبو محمد المكي.
7 ابن أبي مسلم الهاشمي مولاهم أبو رشدين.
وأبي الشعثاء1، وطاوس2، وسعيد بن المسيب، وكثير غيرهم.
كلهم ملأوا الأرض علمًا ونورًا وفقهًا وتفسيرًا، وكانوا صفوة أهل الأرض في زمنهم رضي الله عنهم، وهو معدود أيضًا من المكثرين في رواية الحديث، فقد روى "1660" حديثًا، لكن الذي رواه منها سماعًا "25"، والباقي عن الصحابة، كذا قال البزدوي3، ونوزع في ذلك.
وعلى كل حالٍ فإن جلّ مروياته عن كبار الصحابة كعمر وزيد وأمثالهما، قال ابن عباس: لما مات النبي صلى الله عليه وسلم، قلت لرجل من الأنصار: هلمَّ بنا نسأل الصحابة، فإنهم اليوم كثير، قال: واعجبًا لك، أترى الناس يحتاجون إليك؟ قال: فترك ذلك وأقلبت أسأل.
قال: إن كان ليبلغني الحديث عن رجل فآتي بابه وهو قائل، فأتوسَّد رداءي على بابه يسفي الريح علي من التراب، فيخرج فيراني فيقول: يا ابن عم رسول الله، ما جاء بك، هلا أرسلت إلي فآتيك، فأقول: لا، أنا أحق أن آتيك، فأسأله عن الحديث، فعاش الرجل الأنصاري حتى رأني وقد اجتمع الناس حولي يسألوني فقال: هذا الفتى كان أعقل مني.
ويعد أول من فسَّر القرآن، ولذلك يقال له ترجمان القرآن، وقد فسَّره غيره قبله كعمر وعلي، لكن في زمن ابن عباس بدأ اختلاط اللغة، واحتاج القرآن للمفسِّر، فتكلَّم في ذلك ابن عباس كثيرًا واستعان عليه بكثرة ما روى من السُّنَّة وأشعار العرب الذين نزل بلغتهم، وأظن أنه أوّل من أخذ تفسير القرآن من الشعر العربي وأمثالهم وخطبهم.
وروي عنه تفسير مطبوع بأسانيد معروفة في فهارس العلماء، قال أبو جعفر النحاس في معاني القرآن بإسناده إلى أحمد بن حنبل، قال: بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة، لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدًا
1 جابر بن زيد الأزدي.
2 ابن كيسان اليماني.
3 فخر الإسلام علي بن محمد بن الحسين، من أئمة الحنفية، ت سنة 482هـ.
ما كان كثيرًا.
قال في فتح الباري: وهذه النسحة كانت عند أبي صالح كاتب الليث، رواها عن معاوية بن صالح، عن ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، وهي عند البخاري عن أبي صالح، وقد اعتمد عليها كثيرًا في صحيحه، وهي عند الطبري وابن أبي حاتم وابن المنذر بوسائط بينهم وبين أبي صالح، من أول سورة الحج.
فإذا أنصفنا جزمنا بأن ابن عباس هو واضع علم التفسير ومخرجه من العدم، وأول من ألّف فيه قبل مالك وغيره، فهو حَبْر الأمة، وهو ممن ظهر فيه النبوغ العربي في هذا العصر بأكثر معانيه علمًا وفصاحة وكمالًا.
وألمعيته يُضْرَبُ بها المثل، كما قال الحريري في المقالة السابعة: إذًا ألمعيتي ألمعية ابن عباس، وفراستي فراسة إلياس، قال عطاء: ما رأيت أكرم من مجلس ابن عباس؛ أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشعر عنده، يصدرهم كلهم من وادٍ واسع، قال مسروق1: إذا رأيت ابن عباس قلت أجمل الناس، فإذا نطق قلت: أفصح الناس، فإذا تحدث قلت: أعلم الناس.
قال ابن المديني2: إن ابن عباس وان مسعود وزيد بن ثابت كان لكلٍّ منهم أتباع في الفقه يدون في علمهم وفيتاهم قولهم. نقله السخاوي في شرح ألفية العراقي، وتوفي بالطائف حوالي سنة 68 ثمان وستين3.
1 ابن الأجدع.
2 علي بن عبد الله.
3 الإمام أبو العباس عبد الله بن عباس: مروج الذهب "3/ 370"، وأسد الغابة "3/ 524"، تهذيب الأسماء "1/ 1/ 312"، تاريخ الإسلام "2/ 304"، والعبر "1/ 36"، وتهذيب التهذيب "2/ 265"، ومرآة الجنان "1/ 130"، والبداية والنهاية "8/ 90"، العقد الثمين "5/ 309".