المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌إرضاعه صلى الله تعالى عليه وسلم - خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم - جـ ١

[محمد أبو زهرة]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الأول

- ‌مقدمة

- ‌محمد رسول الله وخاتم النبيين

- ‌‌‌يا رسول الله:

- ‌يا رسول الله:

- ‌يا رسول الله:

- ‌يا رسول الله يا خير البشر:

- ‌ربى العظيم:

- ‌[تمهيد]

- ‌الاضطراب الفكرى:

- ‌المجوسية:

- ‌المانوية:

- ‌المزدكية:

- ‌البراهمة:

- ‌[طبقات الناس في عقيدة البراهمة في المجتمع الهندي]

- ‌الطبقة الأولي: هى أعلاها وهى طبقة البراهمة

- ‌الطبقة الثانية: طبقة الجند

- ‌الطبقة الثالثة: طبقة الزراع والتجار

- ‌الطبقة الرابعة:

- ‌هل للبرهمية أصل سماوى:

- ‌[الأدلة على سماوية الأصل البرهمي]

- ‌أولهما:

- ‌ثانيهما:

- ‌أولها:

- ‌الأمر الثانى:

- ‌ كتبهم

- ‌الأمر الثالث:

- ‌البوذية:

- ‌[مبادىء بوذا الخلقية]

- ‌[أقسام البوذيين]

- ‌(أحدهما) البوذيون الذين أخذوا أنفسهم بالتعاليم السابقة

- ‌(ثانيهما) البوذيون المدنيون، وأولئك لم يطبقوا المنهاج الشاق

- ‌الكونفوشيوسية:

- ‌عقيدة الصين القديمة:

- ‌وثنية اليونان والرومان:

- ‌مزج الفلسفة بالدين:

- ‌التثليث فى الفلسفة:

- ‌ويلاحظ أمران:

- ‌أولهما- أنه التقت الأفلاطونية الحديثة مع الدين

- ‌الأمر الثانى- أن شيخ هذه المدرسة هو أمنيوس المتوفى سنة 242 ميلادية

- ‌وبذلك نقول مقررين أمرين:

- ‌أولهما

- ‌ثانيهما

- ‌العرب

- ‌دخول الوثنية أرض العرب:

- ‌لم ينسوا الله فى وثنيتهم:

- ‌القلوب فارغة من إيمان:

- ‌أرض النبوة الأولي

- ‌إدريس عربى:

- ‌نوح عربى:

- ‌هود نبى الله كان عربيا:

- ‌صالح عربى:

- ‌إبراهيم أبو العرب المستعربة وإسماعيل:

- ‌بناء الكعبة:

- ‌شعيب ومدين:

- ‌موسى كلف الرسالة فى أرض العرب:

- ‌أرض العرب مأوى الفارين بدينهم:

- ‌النصرانية:

- ‌رجل صالح:

- ‌أصحاب الأخدود:

- ‌اختصاص الجزيرة العربية

- ‌[أسئلة]

- ‌[الجواب]

- ‌أولها:

- ‌الأمر الثانى:

- ‌الأمر الثالث:

- ‌[عناصر تبوئ العرب الصدارة في الدعوة إلى الحق]

- ‌العنصر الأول: قوة فى النفس تقاوم، ولا تستسلم

- ‌العنصر الثانى: صفاء نفسى وقوة مدارك

- ‌العنصر الثالث: الأنفة وألا يطيعوا فى ذلة

- ‌الله أعلم حيث يجعل رسالته

- ‌مكة المكرمة

- ‌أول بناء فى مكة المكرمة وبلوغها هذه المنزلة:

- ‌مكة المكرمة موطن تقديس لأجل الكعبة المشرفة:

- ‌‌‌المكانوالزمان

- ‌المكان

- ‌الزمان:

- ‌البشارات

- ‌ويستفاد من هذا الكلام أمران:

- ‌أولهما:

- ‌ثانيهما:

- ‌محمد فى التوراة:

- ‌محمد فى الإنجيل:

- ‌على فترة من الرسل:

- ‌الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌محمد من أوسط قريش نسبا

- ‌النسب الطاهر

- ‌ قصى

- ‌ عبد المطلب

- ‌[صفات عبد المطلب]

- ‌الأولى- الطيبة والسماحة

- ‌الثانية- أنه كان مباركا

- ‌الثالثة- عزيمته، وإصراره على ما يقوم به من خير

- ‌عبد الله

- ‌الأم

- ‌صفات سامية فى امنة:

- ‌الجنين المبارك

- ‌أصحاب الفيل

- ‌ولد الهدى

- ‌ولادته قبل وفاة أبيه:

- ‌ظواهر تعلن مكانته

- ‌تاريخ مولده:

- ‌إرهاصات النبوة يوم مولده:

- ‌إرضاعه صلى الله تعالى عليه وسلم

- ‌اخبار شق الصدر

- ‌سفر أمه به إلى يثرب:

- ‌موت الطهور امنة:

- ‌فى حضن عبد المطلب

- ‌فى كنف أبى طالب

- ‌إلى العمل

- ‌حماية الله تعالى

- ‌إلى التجارة

- ‌سفره مع عمه

- ‌ارهاص وبشارة بالنبوة:

- ‌محمد التاجر:

- ‌مشاركته فى الأمور الجامعة

- ‌حرب الفجار

- ‌حلف الفضول

- ‌الزواج

- ‌خديجة:

- ‌ارهاصات الرحلة

- ‌الإملاك:

- ‌أغناه الله وواساه

- ‌إعادة بناء الكعبة

- ‌بناء قريش

- ‌الحمس:

- ‌التكامل الإنسانى فى محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌1- وفور عقله

- ‌2- بلاغته

- ‌3- الخلق الكامل

- ‌[أ] الرفق

- ‌[ب] العفو:

- ‌[ج] اخلاقه خارقة للعادة:

- ‌هيبة:

- ‌العفو والتسامح:

- ‌حياؤه:

- ‌جوده عليه الصلاة والسلام:

- ‌الشفقة والرأفة والرحمة:

- ‌صدقه وأمانته وعفته صلى الله عليه وسلم:

- ‌الوفاء ورعاية العهد:

- ‌العابد

- ‌عبادته قبل البعثة:

- ‌عبادته بعد البعثة:

- ‌الزاهد

- ‌زهده قبل البعثة:

- ‌زهده بعد البعثة:

- ‌قوت الزاهد:

- ‌الصابر المصابر

- ‌[أقسام الصبر]

- ‌أولها- الصبر على النوازل

- ‌القسم الثانى: الصبر على الحرمان من الأهواء والشهوات وقمعها

- ‌القسم الثالث: الصبر على ما ينزل من نوازل

- ‌العادل

- ‌ بعد البعثة

- ‌الشجاع

- ‌بعد البعثة

- ‌شجاعة النبى عليه الصلاة والسلام فى ميدان القتال:

- ‌الرجل

- ‌ أمور:

- ‌أولها: جمال تكوينه الجسمانى

- ‌الأمر الثانى- أن قلبه الطاهر كان يشع على وجهه بالنور

- ‌الأمر الثالث- شدة جاذبيته صلى الله تعالى عليه وسلم

- ‌ خاتم النبوة

- ‌تقدمة صفات النبى صلى الله عليه وسلم

- ‌البشارات بالنبى المنتظر

- ‌ما كان يروج بين العرب من اخبار نبي يرسل

- ‌علم النبوة عند سلمان الفارسى قبل أن يلقاه:

- ‌يهود تخبر عن النبى [صلى الله عليه وسلم] المنتظر:

- ‌أخبار الكهان:

- ‌هل كان محمد عليه الصلاة والسلام يسمع اخبار الأحبار والرهبان والكهان

- ‌البعثة المحمدية

- ‌التجلى الأعظم

- ‌[التزام النبي ص بأمرين قبل أن يبعث]

- ‌أولهما

- ‌الأمر الثانى

- ‌التقى بالروح القدس:

- ‌قلق الزوجة الصالحة:

- ‌إلى ورقة بن نوفل:

- ‌فترة غياب روح القدس:

- ‌مدة الفترة:

- ‌الشهر الذى نزل فيه الوحى:

- ‌أول ما نزل من القران الكريم:

- ‌مراتب الوحى وشكله:

- ‌المرتبة الأولى:

- ‌والمرتبة الثانية

- ‌المرتبة الثالثة:

- ‌المرتبة الرابعة:

- ‌المرتبة الخامسة:

- ‌المرتبة السادسة:

- ‌ المرتبة السابعة

- ‌دعوة الحق

- ‌مراتب الدعوة:

- ‌الأولى النبوة:

- ‌المرتبة الثانية: إنذار العشيرة الأقربين

- ‌والمرتبة الثالثة: إنذار قومه

- ‌المرتبة الرابعة: عبر عنها ابن القيم بقوله

- ‌والمرتبة الخامسة: تبليغ الدعوة إلى غير العرب

- ‌أول من أسلم

- ‌الإسلام فى بيت النبوة:

- ‌إسلام على:

- ‌أول أسرة فى الإسلام:

- ‌النور يشرق من بيت النبوة

- ‌إسلام أبى بكر:

- ‌تتابع المخلصين:

- ‌فرضية الصلاة

- ‌وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين

- ‌بين أبى طالب وأبى لهب:

- ‌فاصدع بما تؤمر

- ‌[أقسام القلوب]

- ‌القسم الأول: القريب إلى الهداية

- ‌القسم الثانى: قوم امتلأت عقولهم بمعلومات سابقة

- ‌والقسم الثالث قسم غلبت عليه الضلالة

- ‌استجابة محمد صلى الله عليه وسلم لأمر ربه

- ‌السابقون السابقون

- ‌الاسلام يخرج إلى القبائل:

- ‌المناوأة

- ‌تلقى الناس للدعوة

- ‌الذين استجابوا لله والرسول

- ‌إسلام حمزة

- ‌اسلام عمر

- ‌بين عهدين

- ‌محاولة كفه عنهم بالاستمالة

- ‌لقاء أهل مكة المكرمة به لاستمالته:

- ‌جدلهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌الاستعانة باهل الكتاب

- ‌إسماعهم القران الكريم

- ‌الايذاء والفتنة

- ‌ايذاء الضعفاء:

- ‌بلال رضى الله عنه واخوانه:

- ‌ال ياسر رضى الله عنهم وغيرهم:

- ‌التهديد بالتشنيع:

- ‌مصابرة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم:

- ‌الاذى ينزل بشخص النبى عليه الصلاة والسلام:

- ‌مهابة محمد عليه الصلاة والسلام:

- ‌لماذا لم يرهبهم صلى الله عليه وسلم بهيبته:

- ‌الهجرة إلى الحبشة

- ‌متابعة الأولياء ومتابعة الأعداء:

- ‌خديعة:

- ‌النبي صلي الله عليه وسلم يناضل ويصابر فى مكة المكرمة

- ‌لقاؤهم بأبى طالب:

- ‌المقاطعة

- ‌الأرضة تمنع اسم الله تعالى من مواثيقهم:

- ‌الرسول صلى الله عليه وسلم مستمر فى دعوته

- ‌سعى فى نقض الصحيفة

- ‌نقض الصحيفة فعلا

- ‌انطلاق الدعوة الاسلامية:

- ‌عام الحزن

- ‌أبو طالب، وإيمانه

- ‌خديجة رضي الله عنها

- ‌ما كان بعد موت أبى طالب

- ‌حماية الله تعالي

- ‌المهابة مع المحبة

- ‌محمد عليه الصلاة والسلام فى الطائف

- ‌عداس والنبى صلى الله عليه وسلم:

- ‌دعاء، وعفو، وإجارة:

- ‌سماع الجن له:

- ‌فى جوار المطعم بن عدى

- ‌انشقاق القمر

- ‌الإسراء والمعراج

- ‌الإسراء بالجسم:

- ‌المعراج بالروح

- ‌الاسراء والمعراج فى صحاح السنة

- ‌انتشار الاسلام في البلاد العربية

- ‌وفد نصارى نجران:

- ‌عرض الرسول عليه الصلاة والسلام نفسه على القبائل

- ‌جماعات تقبل الواحدانية:

- ‌ما بين الروم والفرس:

- ‌التقاؤه صلى الله عليه وسلم بالأوس والخزرج

- ‌ابتداء الاتصال بأهل يثرب:

- ‌يوم بعاث:

- ‌بدء إسلام الأنصار

- ‌العقبة الأولى أو البيعة الأولى

- ‌مصعب بن عمير:

- ‌أول جمعة أقيمت بالمدينة المنورة:

- ‌العقبة الثانية

- ‌البيعة:

- ‌علم قريش بالبيعة:

- ‌ابتداء الهجرة

- ‌النبى صلى الله عليه وسلم يحرض المؤمنين على الهجرة:

- ‌الإذن للمؤمنين بالهجرة

- ‌هجرة النبى صلى الله عليه وسلم

- ‌ما اقترن بالهجرة المحمدية:

- ‌تنفيذ المؤامرة:

- ‌اجتمع المشركون فى العتمة:

- ‌النبى صلى الله عليه وسلم مع صاحبه إلي الهجرة وطريقهما:

- ‌فى غار ثور:

- ‌سراقة والسير إلى المدينة المنورة:

- ‌الركب يسير فى طريق وعر:

- ‌أم معبد:

- ‌خوارق أخرى:

- ‌وصول النبى صلى الله عليه وسلم إلى قباء

- ‌دخول المدينة

- ‌خطب لرسول الله صلي الله عليه وسلم

- ‌الخطبة التى رواها ابن جرير:

- ‌بناء مسجده عليه الصلاة والسلام

الفصل: ‌إرضاعه صلى الله تعالى عليه وسلم

‌إرضاعه صلى الله تعالى عليه وسلم

85-

الغذاء الأول للجنين بعد ولادته هو الرضاعة، والرضاعة تكون من الأم، لأن لبنها يسير مع نموه سيرا مطردا، فكلما كبر الغلام فى المهد كبرت دسامة اللبن، حتى يستغنى بالغذاء، ولذلك كانت الرضاعة من الأم أولى المطلوبات من الأمومة، فقد قال تعالى فيما شرع من أحكام: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ «1» فكان بمقتضى الفطرة أن تكون امنة الأم الرؤم هى التى تتولى إرضاعه. ولكن كان لابد من وجود من يعينها بلبنه، فقد أرضعته معها ثوبية وهى جارية لأبى لهب عم النبى صلى الله عليه وسلم، وقد ناوأه العداوة لما بعث رسولا ورحمة للعالمين، ولكن قد كان محبا لأخيه عبد الله، ولابنه النبى الكريم محمد، وكانت ثوبية أول من أعلم أبا لهب بولادة ابن أخيه محمد، فأعتقها لهذه البشرى الكريمة، وكان هذا له خيرا يحتسب، ولكن أخفاه كفره، وانضمامه إلى المخالفين المؤذين للنبى عليه الصلاة والسلام، وضعفاء المؤمنين.

أعانت ثوبية امنة فى إرضاعه، وقد أرضعت أيضا حمزة بن عبد المطلب، وقد كان هذا سببا من الأسباب التى من أجلها طلب عبد المطلب لمحمد المراضع.

وعلى ذلك نقول إن طلب المرضع للنبى عليه الصلاة والسلام من مراضع البادية له أسباب ثلاثة:

أولها: عدم كفاية لبن أمه لتغذيته، ولعل من بعض أسباب ذلك ما نالها من حزن دفين عميق صبرت عليه من غير تصبر، وهو موت زوجها الحبيب الطيب، ولم يزله ألم قريش كلها لوفاته وأ لم أبيه وأ لم إخوته، وإن خففته فإن المشاركة فى الأسى تخففه ولا تزيله.

ثانيها: أنه كان من عادة أشراف قريش أن يعطوا أولادهم للمراضع فى البادية، ولا يرضع نساؤهم، كما هو ظاهر الان في كبراء الحضر أو ذوو اليسار فيهم، فإنه لا يرضع نساؤهم الأولاد، وإن كانوا لا يرسلونهم إلى الريف.

ثالثها: أن الغلمان إذا رضعوا فى البادية اكتسبوا غذاء طيبا، وهواء ليس معكرا بما فى جو المدر، فأهل الوبر أقرب إلى الهواء النقى النظيف من أهل المدر.

(1) سورة البقرة: 233.

ص: 108

ولقد قال فى هذا صاحب الروض الأنف، وأما دفع قريش وغيرهم من أشراف العرب أولادهم إلى المراضع، فقد يكون ذلك لوجوه أحدها تفريغ النساء إلى الأزواج

وقد يكون ذلك منهم لينشأ الطفل فى الأعراب، فيكون أفصح للسانه، وأجلد لجسمه

وقد قال عليه الصلاة والسلام لأبى بكر حين قال له: ما رأيت أفصح منك يا رسول الله، فقال: وما يمنعنى وأنا من قريش، وأرضعت فى بنى سعد. فهذا ونحوه كان يحملهم على دفع الرضعاء إلى المراضع الأعرابيات، ليتربوا على تحمل الأجواء، ويتنسموا نسيم البادية، ويعرفوا عاداتها، ويخشوشنوا بخشونتها، ولا ينشئوا فى حلية المدينة، غير متعرضين لما تقتضيه الحياة من تحمل الأعباء، وما تفرضه مقتضياتها من شدائد ليكون منها الأشداء.

86-

جاءت المراضع إلى مكة من بنى سعد بن بكر يردن الرضعاء يرضعنهم. وكان من عادة العرب ألا تأخذ المرضع أجرا على الرضاعة، وإن كن يقبلن من ال الطفل الهدايا والرعاية. فتسد بعض حاجاتهم، ويرين من العار أن يكون لهن أجر منتظم، وسرى بينهم المثل السائر «تموت الحرة، ولا تأكل من ثديها» .

ومنهم كما جاء فى الروض الأنف من كن يقبلن الأجرة، إذا ألحت بهن الحاجة.

ولقد كان محمد يتيما لم يترك أبوه شيئا يعد ثروة، فقد ترك خمسة جمال، وبعض الشياه، وأمة اسمها أم أيمن التى حضنته بعد وفاة أمه الكريمة فكان يتيما فقيرا.

وقد حضرت المراضع ترجو أن يعهد إليهن بمن يرضعنه راجيات من هذه الرضاعة الهدايا أو رضخا من المال، لا أجرة يؤجرن بها أثداءهن، فإذا كن يرجون، فإنهن لا يرضعن إلا أولاد ذوى اليسار، ولذلك أعرضن عن اليتيم الفقير، وبذلك خرج كل المرضعات بطفل من ذوى اليسار، إلا حليمة بنت أبى ذؤيب، وكان زوجها معها، واسمه الحارث بن عبد العزى بن رفاعة.

وكانت المرضعات كما قال الواقدى عشرا كلهن عاد بالأولاد إلا حليمة، فلما رأتهن جميعا أخذن أطفالا، ولم يبق إلا اليتيم الطاهر محمد بن عبد الله، أخذته راجية الخير، وإن لم ترج العطاء، ولنتركها تحدثنا كيف قبلته، فإنها تصور لنا طيب نفسها، وما أفاضه الله تعالى عليها من خير بسبب بركة اليتيم الكريم، فهى تقول:

ص: 109

87-

«فى سنة شهباء لم تبق لنا شيئا خرجت على أتان لى قمراء معها شارف «1» . كانت والله ما تبض «2» . بقطرة، ولا ننام ليلتنا أجمع من صبينا الذى معنا من بكائه من الجوع، ما فى ثديى ما يغنيه، وما فى شارفنا ما يغذيه، ولكنا نرجو الغيث والفرج، فخرجت على أتانى تلك، فلقد أذمت «3» بالركب، حتى شق ذلك عليهم، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء فما معنا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتأباه إذا قيل لها إنه يتيم، وذلك أننا إنما كنا نرجو المعروف من أبى الصبى، فكنا نقول ما عسى أن تصنع أمه وجده!!

فما بقيت امرأة قدمت معى إلا أخذت رضيعا غيرى.

فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبى: والله إنى لأكره أن أرجع من بين صواحبى ولم اخذ رضيعا، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم، فلاخذنه.

قال: لا عليك أن تفعلى، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة.

قالت: فذهبت إليه فأخذته، وما حملنى على أخذه إلا أنى لم أجد غيره.

فلما أخذته رجعت إلى رحلي، فلما وضعته فى حجرى أقبل عليه ثدياى بما شاء من لبن، فشرب حتى روى، وشرب معه أخوه حتى روى، حتى ناما، وما كنا ننام معه قبل ذلك.

وقام زوجى إلى شارفنا فإذا إنها لحافل.

فبتنا بخير ليلة، يقول صاحبى حين أصبحنا: تعلمى والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة.

قلت: والله إنى لأرجو ذلك، ثم خرجنا، وركبت أتانى وحملته عليها معي، فو الله لقطعت بالركب ما يقدر على شيء من حميرهم، حتى أن صواحبى ليقلن: يا بنت أبى ذؤيب ويحك، اربعى علينا، أليست هذه أتانك التى كنت خرجت عليها. فأقول لهن: بلى والله إنها لهى.

قالت: ثم قدمنا منازلنا من بنى سعد، ولا أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها، فكانت والله، غنمى تروح عليّ حين قدمنا به معنا- شباعا لبنا، فنحلب ونشرب منها.. حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم، ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعى بنت أبى ذؤيب، فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة لبن، وتروح غنمى شباعا لبنا، فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير.

(1) الأتان القمراء هى التى تميل إلى الخضرة، والشارف الناقة العجوز.

(2)

أى ما ترشح الناقة لنا بقطرة من اللبن نتغذى به لكبر سنها.

(3)

أى صارت مذمومة فى الركب.

ص: 110

88-

إذا كان محمد قد أقدم باليمن والبركات على أهل مكة، يرد أبرهة وفيله، وجيش اليمن مدحورين، عادوا، فبركته بعد ولادته تسير معه حيث سار. لقد رضيت باليتيم، وصاحبها قبله، وكلاهما طيب النفس مطمئن القلب. مستعين بالله تعالى قانع بما يعطيه، فجزاها الله تعالى جزاء حسنا فأطعمهم من جوع، ودر عليهم الأثداء الجافة، فأضاف إلى لبنها لبنا كفاه هو وصبيها وأخصب كلؤهم بعد إجداب، وامتلأت أضراع غنمها، فكان الخير العميم والفضل العظيم.

وقد يسأل سائل: لم كان هذا، ويستغرب، ولكن لا غرابة لمن يؤمن بالله تعالى فإن له تقديرا فوق تقدير العباد، ونظاما فوق نظامهم، ولماذا يستغرب من لا يؤمن إلا بالمحسوس، ويربط بين الأسباب العادية ومسبباتها.

وإن الذى نقف عنده هو أن هذا الغلام الذى صنعه الله على عينه، ولد يتيما، ولكن لم يذق قهر اليتامي، ولا ذل اليتيم، بل كان بين أحضان من يحبونه، فأول حواضنه أم رؤم لم تر فى الوجود نورا إلا نوره، وغمرها حبه، وغمرته بعاطفتها، فكان كل حبها له، لم يشركه فيها زوج إذ فقدته فال حبه إليه، فكان له صفوا خالصا، لم يرنق بشركة، والتقى فى عاطفتها حب لزوج كريم لم تنعم برفقته، وابن حبيب محبب فيه كل ما فيه، وكانت الحاضنة الثانية أم أيمن التى كانت ميراثه من أبيه، أحبته كما تحب الأم ولدها وكانت له بعد أمه رفيقة به أضافت إليه من حنانها ما عوضه، وإن لم يكن العوض كالأصل، ولا البديل كالبدل.

ثم كانت الحاضنة الغربية التى صارت برضاعه أما كأمه، خلق فيها رب العالمين محبته، وجعله يمنا وبركة لترى فى محبته حب الله، ولترى فى عاطفتها عليه رزق الله تعالى.

والحواضن الطيبات الطاهرات هن اللائى يدر منهن العطف الإنسانى، فمنهن يتلقى العواطف الاجتماعية والأنس الإنسانى، ولذلك نشأ محمد عليه الصلاة والسلام إنسانا محبا يألفه كل من يعرفه.

وإذا كان قد فقد الأب، فقد قيض له الجد، وإذا كان قد فقد الأم فى باكورته، فقد تغذى من عطف أم أيمن، واستقى منها أكرم العواطف، وهذا كله فوق ما أودعه الله إياه من خلق كريم عظيم.

89-

أخذت حليمة ترضعه حولين كاملين، وهو فى حضنها مع ولدها لا يفترقان، لا تضن عليه بعطف ولا محبة، ولا تخص ابنها بفضل منهما بل هما على سواء.

فما بلغ الحولين حتى استغنى عن اللبن وأخذ فى الغذاء حتى كان غلاما جفلا، أى قويا ممتلئا يستغنى بالطعام. ولم يذكر التاريخ أكانت تلتقى به أمه، أم تركته إلى البادية مطمئنة عليه!!، ولكن إذا كان

ص: 111