الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بهذا انتشر خبر مجيء النبى عليه الصلاة والسلام، وتوقع المفكرون مجيئه وأن زمانه قد حان، فجاء مصدقا لما بين يديه من الكتب التى لم تحرف، رحمة للعالمين، وهاديا للحق، ونصيرا له، وقد أيده الله تعالى بالحجة الباهرة.
أخبار الكهان:
186-
تذكر كتب السيرة أن الكهان قد بشروا بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد كان فى نيتنا أن نعرض عن ذلك الكلام، لأنه فتح لباب الأوهام فى سيرة سيد الأنام، نبى الحق والعقل وبعث المدارك نحو الحقيقة، من غير أن يسيطر عليها وهم، أو يتغلغل فيها خرافة ليست قائمة على حكم العقل، أو الخبر الصادق المنقول باسناد صحيحة.
ولأن هذه الأخبار عن الكهان ليست ثابتة بسند صحيح يطمأن إليه، ولأنه لم يثبت أن النبى عليه الصلاة والسلام قبل البعثة كان يلجأ إلى الكهان، أو يطمئن إلى أقوالهم، ولأنه إذا كان الكهان قد قالوا شيئا فى البشارة بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم وكانت صادقة، فإن ذلك قد يكونون علموه من الكتب السابقة أو أصحابها، وقد كانوا قبل البعثة علماء العرب، وربما يكونون قد أخذوا يبثون ما عندهم فى شكل الكهانة، وفى سجع الكهان الذى نهى عنه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بعد بعثته.
كنا نوينا ترك الكلام فى الكهانة، لأن الضرر فى ذكرها أكبر من نفعها.
ولكنا حملنا على الكتابة فيها.. أولا- لأن بعض كتاب السيرة من المحدثين تعرضوا لها مصادقين، وأن المستشرقين قد اتخذوها ذريعة لربط الدعوة المحمدية بالكهان، وللربط بين القران المنزل رحمة للعالمين وسجعهم، ولأن بعض الكاتبين توهم تبعا لهم أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان يديم السماع للكهان قبل البعثة. فوجب التصدى.
187-
ونبتديء من الكلام في أخبار الكهان بخبر نسب إلي سيف بن ذي يزن الحميري، وقيل إنه من هواتف الجان فقد جاء في كتاب هواتف الجان، وإليها تنسب كهانة الكهان، جاء في هذا الكتاب ما نصه بعد أن التقي بعبد المطلب:«أيهم المتكلم؟ قال: أنا عبد المطلب بن هاشم «1» قال: نعم. ادن مني، فأدناه ثم أقبل عليه وعلى القوم: قال «مرحبا وأهلا، وناقة ورحلا، ومستناما سهلا، وملكا ربجلا، يعطى عطاء أهل الليل والنهار، ولكم الكرامة ما أقمتم، والحباء اذا ظعنتم» .
(1) لأن أم عبد المطلب من بنى النجار وأصلهم من اليمن- الرحل كثير العطاء.
بعد هذا مكثوا شهرا لا يصلون إليه، ولا يأذن لهم بالانصراف، ثم انتبه انتباهة، فأرسل إلى عبد المطلب فأدنى مجلسه وأخلاه ثم قال:«يا عبد الله إنى مفض إليك من سر علمى ما لو يكون غيرك لم أبح به، ولكنى رأيتك معدنه، فأطلعتك طليعة، فليكن عندك مطويا، حتى يأذن الله تعالى فيه، فإن الله تعالى بالغ أمره. إنى أجد فى الكتاب المكنون، والعلم المخزون الذى اخترناه لأنفسنا، واحتجّناه دون غيرنا، خبرا عظيما، وخطرا جسيما، فيه شرف الحياة، وفضيلة الوفاء للناس عامة، ورهطك كافة ولك خاصة» .
فقال عبد المطلب: مثلك سر وبر، فما هو فداؤك أهل الوبر زمرا بعد زمر.
قال سيف بن ذى يزن ساجعا سجع الكهان: «إذا ولد بتهامة، غلام به علامة، بين كتفيه شامة، كانت له الإمامة وله به الزعامة إلى يوم القيامة» .
قال عبد المطلب: - أبيت اللعن- لقد أتيت بخبر ما اب به وافده، ولولا هيبة الملك وإجلاله وإعظامه لسألته من بشارته إياى ما أزداد به سرورا.
قال ابن ذى يزن.: «هذا حينه الذى يولد فيه، أوقد ولد. اسمه محمد صلى الله عليه وسلم يموت أبوه وأمه، ويكفله جده وعمه، وقد تاه مرارا؛ والله باعثه جهارا، وجاعل منا أنصارا يعزيهم أولياءه، ويذل بهم أعداءه، ويضرب بهم الناس من عرض، ويستبيح بهم كرائم الأرض، يكسر الأوثان، ويخمد النيران، يعبد الرحمن، ويدحر الشيطان، قوله فصل، وحكمه عدل، يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويبطله.
قال عبد المطلب: عز جدك وعلا كعبك، ودام ملكك، وطال عمرك، فهذا نجارى، فهل الملك سار لى بإفصاح، فقد أوضح لى بعض الإيضاح.
قال ابن ذى يزن «والبيت ذى الحجب، والعلامات على النقب، إنك يا عبد المطلب لجده غير كذب» .
فخر عبد المطلب ساجدا، فقال: ارفع رأسك، ثلج صدرك، وعلا أمرك، فهل أحسست شيئا مما ذكرت لك.
قال عبد المطلب: كان لى ابن، وكنت به معجبا، وعليه رفيقا، فزوجته كريمة من كرائم قومه، امنة بنت وهب. فجاءت بغلام سميته محمدا، فمات أبوه وأمه، وكفلته أنا وعمه» .
قال ابن ذى يزن: «إن الذى قلت لك كما قلت، فاحتفظ بابنك، واحذر عليه اليهود، فانهم له
أعداء، ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا، واطو ما ذكرت لك دون هؤلاء الرهط الذين معك، فإنى لست امن أن تدخل عليهم النفاسة من أن تكون لكم الرياسة، فيطلبون الغوائل، وينصبون له الحبائل، فهم فاعلون أو أبناؤهم، ولولا أنى أعلم أن الموت مجتاحى قبل مبعثه، لسرت بخيلى ورجلى حتى أصير بيثرب دار مملكته، فإنى أجد فى الكتاب الناطق، والعلم السابق، أن بيثرب استحكام أمره، وأهل نصرته، وموضع قبره، ولولا أنى أقيه الافات وأحذر عليه العاهات لأعلنت على حداثة سنه أمره، ولأوطأت أسنان العرب عقبه، ولكنى صارف ذلك إليك عن غير تقصير لمن معك» «1» .
188-
هذا كتاب ما فيه بلا ريب حق من حيث البشارة بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم ولعله إن صدقت النسبة إلى سيف بن ذى يزن يكون مصدره ما وصل إليه من علم، فقد كان نصرانيا متعرفا، ولم يكن وثنيا أميا. ولا يمكننا أن نقول أن ابن ذى يزن من الكهان، وإن وجد الموضوع فى كتاب هواتف الجان، ويقال إن الكهان كانوا يخاطبون بهواتف الجان، ونقول إن فيه سجع الكهان، وإن لم يستغرقه، بل كان فيه بعضه، ولعل هذا من صنيع الكهان، وقد أرادو أن يجعلوه من الكهان بعبارات السجع فيه أولا، وجعله فى كتاب هواتف الجان ثانيا.
وفى الواقع أن الحديث كما ذكر ممن له علم بالكتاب وكان مستفيضا مشهورا.
ومن ذلك ما روى بالأسانيد الصحيحة عن بعض المضريين قال:
شارفنا الشام، ونزلنا على غدير به شجرات، فسمع كلامنا راهب، فأشرف علينا فقال: «إن هذه لغة ما هى بلغة هذه البلاد، فقلنا: نعم. نحن قوم من مضر، قال: من أى مضر؟ قلنا: من خندف.
قال: أما إنه سيبعث وشيكا نبى خاتم النبيين، فسارعوا إليه، وخذوا بحظكم منه ترشدوا، فقلنا ما اسمه، قال اسمه محمد صلى الله عليه وسلم «2»
وإنه بلا ريب نرى هذا الخبر الذى سقناه يتلاقى مع خبر ابن ذى يزن، بيد أنه لا سجع فيه، ولا ينسب إلى هواتف الجان بل ينسب لراهب من الرهبان نسبه إلى ما عندهم من كتب، لا إلى هواتف من الجان.
189-
فنحن إذا وجدنا فى عبارات الكهان ما يوميء إلى ذكر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فليس من هواتف الجان، أو من علم الكهان وليس مصدره الكهانة، ولكنهم علموه مما يجرى على ألسنة الرهبان، وما تنطق به كتبهم. وما عرف من علم.
(1) البداية والنهاية لابن كثير ج 2 ص 330.
(2)
الكتاب المذكور ص 331.