الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وزوجها، ولذلك كان يبدو على لسانه ما يدل على أنه يتوقع له خيرا عظيما، كما جاء فى الخبر الذى سقناه، وقد قال أيضا ابن اسحاق، مرويا بسنده، «لما توفيت امنة قبضة إليه جده عبد المطلب، وضمه ورق عليه رقة لم يرقها على ولده، وكان يقربه منه ويدنيه، ويدخل عليه إذا خلا، وإذا نام، وكان يجلس على فراشه، فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك: «دعوا ابنى إنه يؤسس ملكا» «1» .
وكان فى ذلك البيت قلب اخر منحه محبة الأم، ورأت فيه وجودها، تحنو عليه كأمه، وهى التى حضنته كأمه، واوت به من غربته وهى أم أيمن، وكان عبد المطلب يعتمد عليها إذا غاب عنه فى رعايته فكان يحثها على أن تبلغ أقصى الغاية فى العناية به، فيقول: لها «يا بركة لا تغافلى عن ابنى فإنى وجدته فى غلمان قريب من السدرة، وإن أهل الكتاب يزعمون أن ابنى نبى هذه الأمة» .
ولكمال عطفه، وإيناسه، وتأليفه بكمال حنوه كان لا يأكل طعاما إلا يقول على بابنى، فيؤتى به، ولكن الله تعالى يختبر نفس الغلام بحرمان ثالث، فقد اختطف الموت أباه ولم تكتحل عيناه برؤيته، واختبره ثانيا بأن اهتصر الموت عود أمه، وقد أدرك معنى حنو الأمهات، وراها كالعود الأخضر، يذبل، ويذوى، ثم اختبره ثالثة، وقد رأى جده الكريم يتركه، فقد الأبوة القريبة، والأبوة البعيدة، وقد أحس بعظم ما فقد عند سمع المراثى فيه، وهى تعلن مكانته، ومحبته وأنه قد ابتدأت، وهو لا يزال حيا، ولكن الموت يدنو منه.
وكانت الأشعار تجيء بالرثاء من بناته، ويقول ابن إسحاق «إنه لما أحس بذلك الموت أمر بناته أن يرثينه فكن يرثينه، وهو يسمع» .
وهذا الرثاء هو أبلغ النواح، وإن ذلك الخبر يدل على أنه كان فى وعى كامل، ولم يصبه خرق الشيخوخة.
فى كنف أبى طالب
97-
كان اليتيم الكريم يعيش فى عزة وعطف، ورفق فى أحضان أمه الطاهرة، وحاضته البرة أم أيمن بركة هذا البيت، وكنف الشريف فى قومه السيد فى قبيلته، لم يحس بالمهانة أو القهر، بل أحس بالشرف والكرم والرفق والعطف، واستمرت هذه حاله الى أن بلغ الثمانية.
وقد مات جده، وكافله فى الثامنة من عمره، ولكنه لم يفقد عطفه وهو يعالج سكرات الموت، بل استمر قائما بحقه عليه، ولذلك عندما أحس بالموت يدب فى جسمه دبيبا، أوصى أبا طالب بحفظ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وحياطته، وقد اختصه بهذه الوصية، لأنه كان فى قريش له مقام
(1) البداية والنهاية ج 2 ص 282.
المطلب بعد أبيه، ولأنه أقرب كل بنيه إليه، لأنه ابن شقيقه، إذ أمهما واحدة، وهى فاطمة بنت عمرو بن عائذ من بنى مخزوم.
وقد قام أبو طالب بحق الوصية، فكان يرعاه حق الرعاية، فكان يصاحبه فى غدوه ورواحه ما أمكنت الصحبة. لأنه ابتدأ يتعود عادات الشباب، ولا يغنى عنه فى هذا الدور من حياته إلا الصحبة الموجهة، فكان يصحبه لهذا، ولمحبته الشديدة له، فكان يختصه بمحبة لا يحب أولاده بمثلها، فكان لا ينام إلا بجواره فى منامه، وقد لا حظ فيه يمنا لم يلاحظه من قبل، وكان مثله، كمثل حليمة وأولادهم، إذ حل فيهم فشبعوا بعد جوع، ودرت عليهم أخلاف ناقتهم بعد أن جفت.
كان أبو طالب فى بعض الأزمة المادية، فكان عياله إذا أكلوا لم يشبعوا وإذا أكل معهم محمد الميمون شبعوا، فكان أبو طالب إذا أراد أن يغذيهم قال لهم كونوا كما أنتم حتى يجيء ولدى، وهو محمد عليه الصلاة والسلام، فإذا جاء أكلوا معه، فكان الطعام يفضل منهم، وإذا لم يكن معهم لم يشبعوا فيقول أبو طالب:«إنك لبار» هذا ما قصه ابن إسحاق فى سيرته «1» .
وليس عندى ما يسوغ لنا أن ننقض ذلك الكلام، فهى قدرة الله تعالى على كل شيء، وإذا اختص الله بها محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم، فهى إرهاصات الرسالة وقد جرى على يديه وفى أحواله خوارق عادات أخري، أوضح وأظهر وأبين، فالضوء الذى صاحب ولادته، وارتجاس إيوان كسري، وتهدم غرفاته، وخمود نيران المجوس، والبركة التى حلت على حليمة وذريتها بقدومه، كلها أحوال خارقة للعادة هذا دونها فى الإرهاص.
ولكن جاء عن الحسن بن عرفة ما قد يوميء بالتعارض الظاهرى. فإنه روى عن ابن عباس أنه قال: كان أبو طالب يقرب إلى الصبيان صفحتهم، فيجلسون وينتهبون، ويكف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فلا ينتهب معهم، فلما رأى ذلك عمه عزل له طعامه على حدة.
وهذا قد يوهم التعارض، وبفحص الخبرين يتبين أنه لا تعارض لأن الأول يتبين منه أن الشبع وفضول الطعام يكونان إذا كان بينهم، وليس معنى ذلك أن ينتهب كما ينتهبون، إنما معناه أن يأكل وقد عزل له طعام خاص، حتى لا يتسابق معهم فى الالتهام، إذ نفسه العفوف تأبى عليه أن يزاحم فى مد الأيدى إلى الطعام، فذلك من تأديب الله تعالى له، وما منحه عن عفة وابتعاد عن الجشع فى الطعام وغيره، كما يبدو من صفحة حياته.
وإنه يكفى أن يكون معهم فى الطعام لتكون البركة، ولعل البركة تزداد بهذا التخصيص الذى اختصه به أبو طالب فإن الله تعالى قابل ذلك التخصيص من عبده الكريم بفيض من فيضه العميم.
(1) البداية والنهاية ج 2 ص 282.