الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المدينة، ثم مات إياس، وقد قال من حضر موته من قومه إنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل لله ويكبره ويسبحه ويحمده، فما كانوا يشكون فى أنه مات مسلما، وإن الله تعالى قد أنار بصيرته، وأعطاه الله نفسا طيبة تدرك الحق عند أول سماعه، وتؤمن به إذ خلصت لله تعالى.
يوم بعاث:
309-
بعاث موضع بالمدينة المنورة، تقاتل فيه الأوس والخزرج، وكانت بينهم مقتلة عظيمة، قتل فيها خلق كثير من أشراف الأوس والخزرج وكبرائهم، ولم يبق كما يقول ابن كثير من شيوخهم إلا القليل، فعضتهم الحرب عضا شديدا بنابها، وكان ذلك غب عودة الأوس من مكة المكرمة، وعرض النبى صلى الله تعالى عليه وسلم نفسه عليهم، وأجابه شاب منهم، ونهره رئيس الوفد.
وإن الشدة فى كثير من الأحيان توجد فى القلب نورا، وكأن الأحياء فى تناحرهم يحدث من التحامهم نور يضيء كالنور الذى يحدث من احتكاك شيئين أحدهما موجب والاخر سالب.
فقد كانت واقعة بعاث هذه بعد دعوة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم داعية أهل يثرب للتفكير فيما جاء به عليه الصلاة والسلام، وعندهم معرفة عارضة ببعثه صلى الله تعالى عليه وسلم، فإنه كان ابتداء لدخول الناس من يثرب فيه جماعات، بعد أن كانوا يدخلون احادا.
وقد روى البخارى فى صحيحه بسنده عن عائشة أم المؤمنين رضى الله تعالى عنها، أنها قالت:
«كان يوم بعاث يوما قدمه الله تعالى لرسوله» . قدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى المدينة المنورة، وقد افترق ملؤهم، وقتل سراتهم.
لقد اكتووا بنار الحرب، ومن اكتوى بها، طلب برد السلام والاطمئنان، وفتح قلبه لنعمة الله تعالى.
بدء إسلام الأنصار
310-
قلنا إن دخول الإسلام يثرب بالاحاد، يدخلون فيه فرادى ثم جاء من بعد ذلك من يدخلون فى دين الله تعالى أفواجا أفواجا.
وإن أولئك الاحاد كانوا يذكرون نعمة الإسلام فى عشائرهم، فيستأنسون به، ولم تكن لهم بأسرة النبى عليه الصلاة والسلام عداوة، حجبتها المنافسة، أو الحسد، أو أثارها الحقد على بيته الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم، فوجدت بينهم معرفة الحق، وموجبات اتباعه، من غير أن تكون الموانع التى تصد عن
سبيل الله تعالى، والتى تغلف القلوب بغلاف من العداوة والبغضاء، فتمنع نور الحق من أن يدخل إليها، فينيرها.
فى الموسم الذى كان عقب بعاث والنبى عليه الصلاة والسلام يعرض الإسلام على القبائل بمنى، يذهب إلى منازلهم بها، فى هذا الموسم التقى برهط من الخزرج، قال ابن إسحاق فى سيرته:
«فقال لهم: من أنتم. قالوا: نفر من الخزرج، قال: أمن موالى يهود؟ قالوا لا، قال أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا بلى، فجلسوا فدعاهم إلى الله تعالى، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم، القران الكريم، وكان مما صنع الله تعالى بهم فى الإسلام أن يهود كانت معهم فى بلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا غزوهم ببلادهم فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا إن نبيا مبعوثا الان، قد أظل زمانه، نتبعه، فنقتلكم مثل قتل عاد وإرم، وكان عندهم علم بذلك كما قرر القران الكريم.
وإن النفر الذين جاؤا من قبل، وذاقوا بشاشة الإسلام، قد أوجدوا بينهم الفكرة الإسلامية، فلما كلم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك الرهط ودعاهم إلى الله، تذاكروا فيما بينهم كلام اليهود.
قال بعضهم لبعض: «يا قوم: تعلمون والله أنه النبى الذى توعدكم به يهود فلا يسبقنكم إليه» .
لذلك أجابوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فيما دعاهم إليه، وصدقوا به، وأرادوا أن يسود الإسلام بينهم، وأن يستبق الحق قومهم، وأن يكون الإسلام طريق الخير لهم، فقالوا للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم:
«إنا تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، ولعل أن يجمعهم الله تعالى عليك، فلا رجل أعز منك» وهكذا أجابوا داعى الله، وقد ذكرت كتب السيرة أسماء هذا الرهط من الخزرج «1» .
واختلفت الروايات، أكانوا ستة أم كانوا ثمانية، وكلهم من الخزرج، ولكن من الروايات ما ذكر فيها أنه كان من الأوس أبو الهيثم.
ومهما يكن، فقد كان أولئك وفد الخير والحق والصدق، فما أن انصرفوا عائدين إلى يثرب، حتى أخذوا يذكرون رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ويدعون بدعوته، حتى عمت وفشت، وتذاكر بها أهل يثرب، ومنهم من استجابوا لدعوة الحق، لمجرد ذكرها، ولم يطلبوا برهانا، لأنها دعوة إلى التوحيد، وهى فى ذاتها صادقة، وكانوا يعلمون بها، إذ يؤمنون بأن الله تعالى خالق السموات والأرض
(1) هذا السياق التاريخى فى السيرة لابن هشام، والبداية والنهاية لابن كثير، والسهيلى وابن نعيم وصحاح السنة.