الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فهى أصلح مكان لأن ينبعث منها الدين الجديد الخالد إلى يوم القيامة حيث يلتقى العرب جميعا فيها، وحيث الأمن والسلام فيها، وحيث القدسية التى تملأ النفوس تنبعث من أرضها، وحيث دار الندوة التى يتشاور فيها العرب أجمعون.
وكان المكان أصلح الأرض، لأن تغرس فيه أغراس الدين الجديد وأن يؤتى أكله.
والعرب أصلح الجماعات لأن يحملوا عبء الدعوة إليه، والدفاع عنه وحمايته من سطوة الملوك، وطغيان الجبارين حول العرب، ومن ورائهم فهم أهل البأس والنجدة.
ولغة قريش فى مكة أصلح اللغات لأن ينزل بها القران الكريم الذى أعجز العالمين عن أن يأتى أحد بمثله، فالمكان صالح لأن يبعث رسول الله طهرا، وثقافة وقوة بأس، وجلادا، ولغة، اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ «1» .
الزمان:
48-
إذا كان المكان الذى اختاره الله تعالى لخاتم النبوة مكانا يدرك العقل البشرى صلاحيته، ويعلم بالاختيار مكانته، فإن الزمان قد تهيأت فيه الأسباب لدين يجمع الإنسانية، ويهديها، والقلوب قد فرغت، وأصبح العالم فى حاجة إلى هداية من السماء، إذ قد صار الناس على فترة من الرسل، فالديانة السماوية حرفت، وانحرف تابعوها، وغيروا وبدلوا وحولوها عن غايتها، وبعدوا عن الحق فيها.
والأوثان قد تزايلت قوتها وضعفت مكانتها، وأدركت العقول موضع الوهم فيها، فالهة اليونان قد زالت الأوهام التى تحيطها، والأوثان الرومانية تكشف للناس أنها أحجار لا تنفع ولا تضر، وأنها ليس فيها سر يمنع أو يمنح، يضر أو ينفع، يشفى أو يسقم، وعلى فرض أنها لم تذهب الأوهام حولها، فهى خرافات يجب إزالتها، وفساد فى العقول يجب إصلاحه.
وكانت الإمبراطورية الرومانية تعبث برعاياها، وتفرض عليهم طاغوتها، وهم لا حق لهم يستطيعون به تقويمهم، والنفوس قد ضلت وزلت، ولكنها لم ترض وتطمئن، فهى هالعة جازعة، لأنها كانت تفرض على الشعب دينها وإن كان لا يرتضيه، وتفرض عليه عقائد لا يؤمن ولا يرضى بها، كما كانت الحال فى الشعب المصرى الذى فرض عليه دينها، أو عقيدتها، كما فرض عليه سلطانها، وجعلتهم عبيدا أو كالعبيد.
والرومانيون فى داخل أرضهم، وفى الشعوب التى منيت بحكمهم، كانت التفرقة بين الناس عندهم واضحة جلية.
(1) سورة الأنعام: 124.
كانت التفرقة أولا، من حيث تحكم رجال السلطان فى الرعية، واختصاصهم بالمال يجيء إليهم من الغنائم التى يغتنمونها فى الحروب، وحرمان بقية الرعية من المال والسلطان معا، والناس لا يشقون لالام ذاتية فقط، وإن كان الحرمان فى ذاته يحدث ألما نفسيا، ولكنهم يألمون من ذلك، ومن رؤية النعمة فى يد غيرهم يرتعون ويلعبون، ويعبثون، ولا حق لأحد فى أن يعترض عليهم أو يلومهم، أو يوجه إليهم نقدا.
والتفرقة من الناحية الثانية فى أن الشرف كل الشرف لطبقة الأشراف والمهانة كلها فى الطبقة المحكومة، والشريف الرومانى يعلو على كل احاد الرعية من الضعفاء.
والرق فى أرض الرومان كانت تتكاثر أسبابه، حتى إنه يسوغ لأى إنسان يرى شخصا من أى شعب أن يسترقه، والحكم للقوى فى العلاقات الإنسانية كلها، وكأن أرض تلك الدولة أجمة يفترس قويها ضعيفها.
والأحكام بين الناس تسير على مقتضى تلك النظم المقيتة التى تفرض التفرقة بين الناس.
والمرأة عندهم أمة لأبيها قبل الزواج، وأمة لزوجها فى بيت زوجها ولو قتلها لا عقوبة عليه.
وهكذا ترى نظاما اجتماعيا أهدرت فيه الحقوق الإنسانية الأساسية التى تثبت للإنسان بمقتضى أنه إنسان. وشاع الفساد، وظهر فى البر والبحر بما كسبت أيدى الناس.
كان لابد من تغيير لهذه الحال، ومن إصلاح لهذا الفساد، لأن الله لا يحب الفساد، والله لا يريد ظلما للعباد، فلابد من أن يكون من يغير هذه النظم، وليس فى الناس من يغير، ويبدل بالفساد صلاحا، وبالضلالة هدى، ولا يكون من الإنسان لأن ابن الأرض ترك لأخيه الإنسان فأكله أو أذله، أو أهدر إنسانيته، لابد من رسالة السماء تكون فى أرض تصاقب الرومان، وهم ذوو بأس وقوة.
49-
وإذا تركنا غرب الجزيرة العربية وشمالها، واتجهنا إلى شرقها وجنوبها، فإنا نجد أرض فارس، وما فيها من انحلال سياسى وظلم، وانحلال اجتماعي، وانحلال فى الأسرة، وظلم فى الحكم، نجد كسرى يعتبر الشعب كله عبيدا أو كالعبيد، ومن حوله من رؤساء ودهاقين يسوغون ذلك للناس، ولا يكادون يسيغونه، وأن العقائد المختلفة التى تواردت على العقل الفارسى جعلته فى متاهات فكرية يضل فيها السارى، وتظلم النفس، والطبقية التى سرت إليها من الهنود الذين على مقربة منها حلتها اجتماعيا وإن كانت لم تصل إلى مثل ما كان عليه الهنود. والأسرة كانت غير قائمة على أسس قوية وسليمة، فقد كان الولد يتزوج أمه وأخته، ويتزوج الرجل ابنته، وغير ذلك مما يضعف النفس فى العلاقة الزوجية، وينحدر به الإنسان إلى أحط من الحيوان، وكان مذهب مزدك الذى جاء فى اخر الحكم الفارسى الذى حل
المجتمع الفارسي، وضاعت فيه الأنساب واستبيحت الأموال حتى وهنت الحقوق، وضعف تثمير الأموال، واختلط الحابل بالنابل، وما كان فى المستطاع أن يغير النظام بنظام من فارس، فإن التجارب فى المذاهب السابقة من زرادشتية إلى مانوية إلى مزدكية، لم تنجح فى إصلاح، بل كانت كالأدوية التى تزيد الداء العضال استشراء فى الجسم، فتكون هى أسبابا لتقوية الانحلال، فالزرادشتية دعت إلى القوة، فتحكم القوى فى الضعيف، والمانوية دعت إلى إنهاء ابن الإنسان من هذه الأرض مما اضطر كسرى لقتله، وجاء من بعد ذلك مزدك، فنشر الفساد وانهار به المجتمع الفارسى انهيارا.
إذن لابد من هداية السماء، لتستقيم الأمور، فكانت فى أرض العرب التى تجاورهم، كان من أرض العرب الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم .
50-
واذا تجاوزنا فارس وخراسان وما وراءهما، نجد الهند والصين، وعندئد نجد حيرة العقول واضطرابها، نجد مجتمعا مضطرب التفكير، قد حرفت البرهمية، حتى صارت وثنية بعد أن كانت ديانة مواحدة، وصار براهما إلها مجسما فى أعينهم، مع أنه فى حقيقته رسول أرسله الله تعالي، قد جسموه، وجعلوا بعضه يخلق منه، خلق من أعلاه، وخلق من سواعده، وخلق من ركبتيه، وخلق من قدميه، وحالوا بين الخلق والحق، ثم فرقتهم الفرقة والطبقية، ورضوا بالتنافر بينهم بدل التحاب والتواد، وتقطع بينهم أمرهم، حتى صاروا هدفا يراد، ومقصدا يقصد.
وصارت الأوهام تسيطر عليهم، حتى توهموا فى أحد رجال الدين عندهم أنه إله أو ابن إله، ونحلوه من الصفات ما لا يكون لبشر عادي، وذكروا أن النصارى تبعوه، إلى اخر ما قيل مما أخذه عنهم النصارى من بعدهم.
ولما اتجهت بعض النفوس إلى إصلاحهم كانوا فى حيرة من أى الأبواب تدخل فى الإصلاح، لأن معرفة المداخل والمخارج فى باب التهذيب الدينى لا تكون إلا بدين، ولم يكن ثمة دين مرشد، ولا نبى مبعوث يدعو إلى الحكمة وإلى الصراط المستقيم.
فاقتصروا على ما يوميء إليه الإحساس، فجاء بوذا وأتى بعقيدة هى إلى الحرمان أقرب منها إلى الإصلاح والإيجاب ورفع الإنسان وتكوين الإرادة المتجهة إلى الفضيلة الإيجابية والعمل النافع المثمر، وعمارة هذه الأرض، وإقامة المصالح على أسس خلقى مكين.
وإن الحرمان لا ينتج ولا يثمر، ولا يطبقه العامة، وإن ادعاه الخاصة، ولذلك لم يكتب لهذا المذهب الأخذ به أخذا كاملا، أو قريبا منه، أو حتى إرادته إلا عند بعض الاحاد الذين سموا فى الماضى والحاضر الفقراء، وقد راضوا أنفسهم على الحرمان غير المنتج.