الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بل إن أبا جهل لعنه الله ليرمى فرث الجزور عليه، وهو يصلى صلوات الله تعالى وسلامه عليه، والنبى ساجد فتجيء فاطمة الزهراء وهى صغيرة، فتلقيه عن ظهر أبيها وهى تلعنهم.
وإن الفجر ليصل بأبى جهل اللعين إلى أن يهم بقتل النبى عليه الصلاة والسلام غير عابيء بأن يتحرك بنو هاشم للأخذ بثأره، وأنه لن ينجو من يد أبى طالب وسيف الله حمزة، فيجتمعوا فى ثأره، وإن تفرقوا فى اتباعه فى دينه، ولكنه الحقد الدفين يعمى ويصم، فلا يفكر الأحمق فى مغبة عمله، ولكن يفكر فقط فى شفاء غيظ نفسه الذى لا يكظمه.
حدث ابن إسحاق بسنده أن أبا جهل شيخ السفهاء من قريش وقف بينهم يقول:
يا معشر قريش، إن محمدا أبى إلا ما ترون من عيب ديننا، وشتم ابائنا، وتسفيه أحلامنا، وسب الهتنا؛ وإنى أعاهد الله لأجلسن له غدا بحجر فإذا سجد فى صلاته فضخت به رأسه، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم. فلما أصبح أبو جهل لعنه الله أخذ حجرا ثم جلس لرسول الله ينتظره، وغدا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم
…
فقام يصلى، وقد غدت قريش فجلسوا فى أنديتهم. فلما سجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم احتمل أبو جهل الحجر، ثم أقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع منبهتا ممتقعا لونه مرعوبا قد يبست يداه على حجره، حتى قذف الحجر من يده
…
وقام إليه رجال من قريش فقالوا: ما بك يا أبا الحكم، قال: قمت لأفعل ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لى دونه فحل من الإبل، والله ما رأيت مثل هامته، ولا قصرته، ولا أنيابه لفحل قط؛ فهم أن يأكلنى» «1» .
وقد روى مثل ذلك البيهقى والإمام أحمد. وإن كان ما روى عن أحمد موجزا عن ذلك.
مهابة محمد عليه الصلاة والسلام:
257-
هذا بعض ايذاء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من المشركين، دع استهزاءهم إذا سار أو تكلم، ودع رميهم له بأنه ساحر ومجنون، ودع معاندتهم له، وهو يدعو القبائل إلى الاسلام، فهل كان ذلك سببه أن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم لم يكن المهيب، وأنه كان الهزيل الذى يجترأ عليه؟
والجواب عن ذلك أن محمدا عليه الصلاة والسلام كان المهيب فى شخصه، والقوى فى ذات نفسه، والذى اتاه الله تعالى القوة الإنسانية الكاملة، فهو المرهوب المحبوب الذى لم يرد أن يكون مرهوبا، وإن أراد الرهبة كانت، والله تعالى يعصمه من الناس؛ ولكن الحمقى والسفهاء يغرون بالكرماء، وكان محمد عليه الصلاة والسلام كريما، ولم يرد أن يكون مخوفا مفزعا، بل أراد أن يكون أليفا قريبا دانيا، ليستطيع أن يتألف الناس ولا يرهبهم.
(1) الهامة الرأس والقصرة الرقبة- راجع الخبر فى البداية والنهاية لابن كثير ج 3 ص 43
وقد كان عليه الصلاة والسلام يفرض الرهبة فى قلوب المشركين إن كان لذلك موضع، ولنذكر موضعين كانت فيهما مهابة الرسول فاصلة، قاطعة حاسمة:
أولهما: ما روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه قال: «رأيتهم وقد اجتمع أشرافعهم يوما فى الحجر، فذكروا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط، سفه أحلامنا وشتم اباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب الهتنا، وصرنا منه على أمر عظيم.
فبينما هم في ذلك، إذ طلع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأقبل يمشى، حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفا بالبيت فغمزوه ببعض القول فعرفت ذلك فى وجه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فمضى، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفتها فى وجهه، فمر بهم الثالثة، فغمزوه بمثلها فقال لهم:
أتسمعون معشر قريش، أما والذى نفسى بيده لقد جئتكم بالذبح. فأخذت القوم كلمته، حتى ما منهم من رجل إلا وكأنما على رأسه طائر وقع، حتى إن أشدهم فيه قبل ذلك ليرفوه، حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم راشدا فما كنت بجهول.
إن هذا الذى أفزعهم عزمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أخذتهم الدهشة، وأرعبتهم الهيبة، وإذا كانوا بعد ذلك تكاتفوا واعتزموا أن يؤذوه فى مكانه هذا، فإن هذا لا يمنع تأثير مهابته فيهم، وما استطاعوا لها ردا إلا بعد طول مؤامرة ومجاوبة، وإصرار على مقاومة الهيبة، ولو أرادها فى الثانية لكان أفزع لهم، وأروع، ولكنه كان يميل إلى اللين دائما.
الثانى: ما كان فى قصة الأراشى، فقد قدم رجل من أراش بإبل له إلى مكة المكرمة، فابتاعها منه أبو جهل فمطله بأثمانها، فأقبل الأراشى، حتى وقف ينادى فى قريش، ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جالس فى ناحية المسجد، فقال الأراشي:«يا معشر قريش من رجل يعدينى على أبى الحكم بن هشام، فإنى غريب وابن سبيل، وقد غلبنى على حقى» .
فقال من بالمجلس من قريش مستهزئين بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم: ترى ذلك الجالس، مشيرين إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لما يعلمون من عداوة أبى جهل للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم:«اذهب إليه فهو يعديك عليه» .
أقبل الأراشى حتى وقف على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: فذكر له ذلك، فقام محمد صلى الله عليه وسلم العظيم معتزما إنصاف الغريب، ولا سلطان معه إلا شخصه، وعون الله تعالى.
فلما رأى المجلس القرشى المشرك قالوا لرجل ممن معهم اتبعه فانظر ماذا يصنع.