الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإنا ترجح أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم هو الذى اختار لهم مصعبا، وأنه قرر أن يبعثه إليهم ليعلمهم الإسلام ويتلو عليهم، فما كان من المعقول أن يتركهم صاحب الرسالة، وقد استجابوا لله وللرسول من غير أن يرسل إليهم من يعلمهم، ولعلهم قد كتبوا إلى الرسول أيضا، فالتقت رغبتهم مع ما قرره النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
ذهب إليه مصعب بن عمير، ومعه علم الإسلام، وعلم القران الكريم، فأخذ يعلمهم مباديء الإسلام، وعباداته ويقرئهم القران الكريم، ولذلك سمى فى المدينة (المقريء) .
وقد نزل عندما قدم المدينة عند أسعد بن زرارة.
وكان يؤم المسلمين بالمدينة المنورة فى الصلاة، لأنه أعلمهم بالقران الكريم وبالإسلام، إذ جاء ليعلمهم، فهم منه بمقام التلميذ من الأستاذ، ولأنه رسول رسول الله عليه الصلاة والسلام صاحب الرسالة، فهو نائبه، والنائب يستمد ممن أنابه السلطان، ويضيف الرواة سببا اخر مستمدا من العصبية الأولى، وهو أن الأوس كرهوا أن يؤمهم خزرجى، والخزرج كرهوا أن يؤمهم أوسى، فكان الوفاق على أن يؤمهم مصعب، ونرى أن السببين الأولين كافيان وهما الأليق برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وروى أنه كان يتبادل الإمامة مع مصعب، أسعد بن زرارة.
أول جمعة أقيمت بالمدينة المنورة:
313-
هذا عنوان أخذناه من سيرة ابن هشام، رواه عن ابن إسحاق، ونقول فيه: إن هذه البيعة والاتصال بقبائل يثرب كان بعد الإسراء والمعراج، حيث فرضت الصلوات الخمس، والجمعة قائمة مقام صلاة الظهر وهى إحدى الخمس. وكان لابد أن تقام الجمعة فى المدينة المنورة بعد أن فشا الاسلام، وسارت فى الطريق، لتكون مدينة إسلامية، يأمن فيها المسلم على نفسه وعلى دينه، والجمعة تقوم حيث الأمن، واستقرار الأمور على الوجه الإسلامى الذى يبتغيه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه.
لقد أخذ أسعد بن زرارة الذى نزل عنده مصعب بن عمير رضى الله عنهما وذهبا إلى جبل هزم النبيت من حرة بنى بياضة فى بقيع يقال له بقيع الخضمات وكانت عدتهم يومئذ أربعين رجلا.
روى ابن إسحاق بسنده عن أبى الشامة عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك حين ذهب بصره قال: كنت إذا خرجت به إلى الجمعة، فسمع الأذان صلى على أبى أمامة، أسعد بن زرارة، فمكثت حينا على ذلك لا يسمع الأذان لجمعة إلا صلي عليه واستغفر له، فقلت فى نفسى، والله إن
هذا بى لعجز، ألا أسأله ماله إذا سمع أذان الجمعة صلى على أبى أمامة أسعد بن زرارة، فخرجت به فى يوم جمعة، كما كنت أخرج، فلما سمع الأذان للجمعة صلى عليه، واستغفر له، فقلت: «يا أبت مالك إذا سمعت الجمعة صليت على أبى أمامة، فقال: أى بنى كان أول من جمع بنا فى المدينة فى هزم النبيت من حرة بنى بياضة فى مكان يقال له بقيع الخضمات، قلت: وكم أنتم يومئذ؟ قال:
أربعون رجلا «1» .
ولم يكن عمل مصعب وأسعد بن زرارة من بنى النجار مقصورا على إقامة الصلوات، بل أخذا يدعوان إلى الإسلام فى يثرب.
فقد جاء فى السيرة لابن إسحاق وفى البداية والنهاية لابن كثير. أنهما أخذا يدعوان إلى الإسلام بنى عبد الأشهل، وبنى ظفر، وهما من أقوى الأنصار صوتا، وأبعدهم ذكرا. وإليك ما جاء فى البداية والنهاية: كان سعد بن معاذ ابن خالة أسعد بن زرارة، فدخل به حائطا من حوائط بنى ظفر فجلسا فى الحائط (البستان) واجتمع إليهما رجال ممن أسلموا، وسعد بن معاذ، وأسيد بن الحضير يومئذ من بنى عبد الأشهل، كلاهما مشرك على دين قومه. فقال سعد لأسيد: لا أبالك انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارينا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما، وانههما أن يأتيا دارينا
…
فأخذ أسيد بن حضير حربته، ثم أقبل إليهما. فلما راه أسعد بن زرارة قال لمصعب: هذا سيد قومه، قد جاءك، فاصدق الله فيه
…
فوقف عليهما أسيد متشمتا، ثم قال: ما جاء بكما إلينا، تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانى، إن كان لكما بأنفسكما حاجة، وقال غلام: أتيتنا فى دارنا رعديد الغريب لتسفه ضعفاءنا بالباطل، وتدعوهم إليه.
فقال مصعب لأسيد: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره.
قال: أنصت. ثم ركز حربته وجلس، فكلمه مصعب بالإسلام، وقرأ عليه القران الكريم.
فقال مصعب وأسيد، والله لعرفنا الإسلام فى وجهه، فى إشراقه وتسهله، قبل أن يتكلم.
فقال: ما أحسن هذا الكلام وأجمله، كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا فى هذا الدين، قالا له:
تغتسل فتطهر، وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلى
…
ففعل ما طلب إليه، ثم قال لهما: إن ورائى رجلا إن اتبعكما لم يتخلف أحد من قومه، وسأرسله إليكما، سعد بن معاذ.
ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس فى ناديهم، فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلا قال: أحلف بالله، لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذى ذهب به من عندكم.
(1) سيرة ابن هشام ج 21 ص 415 والبداية والنهاية لابن كثير ص 152 ج 3.
فلما وقف على النادى، قال سعد: ما فعلت. قال كلمات الرجلين، فو الله ما رأيت بهما بأسا.
وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حدثت أن بنى حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك، ليحقروك.
فقام سعد مغضبا مبادرا، مخوفا للذى ذكر له من بنى حارثة، وأخذ الحربة فى يده، ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئا.
ثم خرج إليهما سعد، فلما راهما مطمئنين عرف أن أسيدا، إنما أراد أن يسمع منهما فوقف متشمتا، ثم قال سعد بن معاذ: والله يا أبا أمامة لولا ما بينى وبينك من القرابة، ما رمت هذا منى، أتغشانا فى دارنا بما نكره.
قال أسعد لمصعب: جاءك والله سيد من ورائه قومه إن يتبعك لا يتخلف منهم اثنان.
قال مصعب: أو تقعد فتسمع، فإن رضيت أمرا رغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره.
قال سعد: أنصفت، ثم ركز الحربة وجلس. وعرض عليه الإسلام، وقرأ عليه القران الكريم، وذكر موسى بن عقبة أنه قرأ عليه أول سورة الزخرف حم. وَالْكِتابِ الْمُبِينِ. إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ. أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ. وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ فعرفنا فى وجهه الإسلام قبل أن يتكلم فى إشراقه وتسهله.
ثم قال سعد لهما: كيف تصنعون إذا أنتم دخلتم فى هذا الدين، قالا: تغتسل فتطهر، وتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق،
…
وقد أخذ حربته بعد أن فعل ما أشار به، فأقبل عائدا إلى نادى قومه، فلما راه قومه مقبلا، قالوا: نحلف بالله لقد عاد اليكم سعد بغير الوجه الذى ذهب به من عندكم، فلما وقف عليهم، وقف داعيا للإسلام، ويقول:
يا بنى عبد الأشهل، كيف تعلمون أمرى فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيا، وأيماننا نقيبة، قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم على حرام، حتى تؤمنوا بالله ورسوله «1» .
اجتمع مصعب وأسعد بن زرارة وسعد بن معاذ فى منزل أسعد، وأخذوا يدعون إلى الإسلام حتى فشا فى يثرب فأسلم بنو عبد الأشهل رجالا ونساء.
وقد فصلنا القول فى دعاية مصعب بن عمير، وأسعد بن زرارة، ونقلنا لك المجاوبة التى جرت بين الزعماء والكبراء، فإن الاستماع إلى كلمات الرجال، كما جرت على أفواههم تصور حالهم ونفوسهم.
(1) البداية والنهاية لابن كثير ج 3 ص، 152، 153