المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الرسول صلى الله عليه وسلم مستمر فى دعوته - خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم - جـ ١

[محمد أبو زهرة]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الأول

- ‌مقدمة

- ‌محمد رسول الله وخاتم النبيين

- ‌‌‌يا رسول الله:

- ‌يا رسول الله:

- ‌يا رسول الله:

- ‌يا رسول الله يا خير البشر:

- ‌ربى العظيم:

- ‌[تمهيد]

- ‌الاضطراب الفكرى:

- ‌المجوسية:

- ‌المانوية:

- ‌المزدكية:

- ‌البراهمة:

- ‌[طبقات الناس في عقيدة البراهمة في المجتمع الهندي]

- ‌الطبقة الأولي: هى أعلاها وهى طبقة البراهمة

- ‌الطبقة الثانية: طبقة الجند

- ‌الطبقة الثالثة: طبقة الزراع والتجار

- ‌الطبقة الرابعة:

- ‌هل للبرهمية أصل سماوى:

- ‌[الأدلة على سماوية الأصل البرهمي]

- ‌أولهما:

- ‌ثانيهما:

- ‌أولها:

- ‌الأمر الثانى:

- ‌ كتبهم

- ‌الأمر الثالث:

- ‌البوذية:

- ‌[مبادىء بوذا الخلقية]

- ‌[أقسام البوذيين]

- ‌(أحدهما) البوذيون الذين أخذوا أنفسهم بالتعاليم السابقة

- ‌(ثانيهما) البوذيون المدنيون، وأولئك لم يطبقوا المنهاج الشاق

- ‌الكونفوشيوسية:

- ‌عقيدة الصين القديمة:

- ‌وثنية اليونان والرومان:

- ‌مزج الفلسفة بالدين:

- ‌التثليث فى الفلسفة:

- ‌ويلاحظ أمران:

- ‌أولهما- أنه التقت الأفلاطونية الحديثة مع الدين

- ‌الأمر الثانى- أن شيخ هذه المدرسة هو أمنيوس المتوفى سنة 242 ميلادية

- ‌وبذلك نقول مقررين أمرين:

- ‌أولهما

- ‌ثانيهما

- ‌العرب

- ‌دخول الوثنية أرض العرب:

- ‌لم ينسوا الله فى وثنيتهم:

- ‌القلوب فارغة من إيمان:

- ‌أرض النبوة الأولي

- ‌إدريس عربى:

- ‌نوح عربى:

- ‌هود نبى الله كان عربيا:

- ‌صالح عربى:

- ‌إبراهيم أبو العرب المستعربة وإسماعيل:

- ‌بناء الكعبة:

- ‌شعيب ومدين:

- ‌موسى كلف الرسالة فى أرض العرب:

- ‌أرض العرب مأوى الفارين بدينهم:

- ‌النصرانية:

- ‌رجل صالح:

- ‌أصحاب الأخدود:

- ‌اختصاص الجزيرة العربية

- ‌[أسئلة]

- ‌[الجواب]

- ‌أولها:

- ‌الأمر الثانى:

- ‌الأمر الثالث:

- ‌[عناصر تبوئ العرب الصدارة في الدعوة إلى الحق]

- ‌العنصر الأول: قوة فى النفس تقاوم، ولا تستسلم

- ‌العنصر الثانى: صفاء نفسى وقوة مدارك

- ‌العنصر الثالث: الأنفة وألا يطيعوا فى ذلة

- ‌الله أعلم حيث يجعل رسالته

- ‌مكة المكرمة

- ‌أول بناء فى مكة المكرمة وبلوغها هذه المنزلة:

- ‌مكة المكرمة موطن تقديس لأجل الكعبة المشرفة:

- ‌‌‌المكانوالزمان

- ‌المكان

- ‌الزمان:

- ‌البشارات

- ‌ويستفاد من هذا الكلام أمران:

- ‌أولهما:

- ‌ثانيهما:

- ‌محمد فى التوراة:

- ‌محمد فى الإنجيل:

- ‌على فترة من الرسل:

- ‌الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌محمد من أوسط قريش نسبا

- ‌النسب الطاهر

- ‌ قصى

- ‌ عبد المطلب

- ‌[صفات عبد المطلب]

- ‌الأولى- الطيبة والسماحة

- ‌الثانية- أنه كان مباركا

- ‌الثالثة- عزيمته، وإصراره على ما يقوم به من خير

- ‌عبد الله

- ‌الأم

- ‌صفات سامية فى امنة:

- ‌الجنين المبارك

- ‌أصحاب الفيل

- ‌ولد الهدى

- ‌ولادته قبل وفاة أبيه:

- ‌ظواهر تعلن مكانته

- ‌تاريخ مولده:

- ‌إرهاصات النبوة يوم مولده:

- ‌إرضاعه صلى الله تعالى عليه وسلم

- ‌اخبار شق الصدر

- ‌سفر أمه به إلى يثرب:

- ‌موت الطهور امنة:

- ‌فى حضن عبد المطلب

- ‌فى كنف أبى طالب

- ‌إلى العمل

- ‌حماية الله تعالى

- ‌إلى التجارة

- ‌سفره مع عمه

- ‌ارهاص وبشارة بالنبوة:

- ‌محمد التاجر:

- ‌مشاركته فى الأمور الجامعة

- ‌حرب الفجار

- ‌حلف الفضول

- ‌الزواج

- ‌خديجة:

- ‌ارهاصات الرحلة

- ‌الإملاك:

- ‌أغناه الله وواساه

- ‌إعادة بناء الكعبة

- ‌بناء قريش

- ‌الحمس:

- ‌التكامل الإنسانى فى محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌1- وفور عقله

- ‌2- بلاغته

- ‌3- الخلق الكامل

- ‌[أ] الرفق

- ‌[ب] العفو:

- ‌[ج] اخلاقه خارقة للعادة:

- ‌هيبة:

- ‌العفو والتسامح:

- ‌حياؤه:

- ‌جوده عليه الصلاة والسلام:

- ‌الشفقة والرأفة والرحمة:

- ‌صدقه وأمانته وعفته صلى الله عليه وسلم:

- ‌الوفاء ورعاية العهد:

- ‌العابد

- ‌عبادته قبل البعثة:

- ‌عبادته بعد البعثة:

- ‌الزاهد

- ‌زهده قبل البعثة:

- ‌زهده بعد البعثة:

- ‌قوت الزاهد:

- ‌الصابر المصابر

- ‌[أقسام الصبر]

- ‌أولها- الصبر على النوازل

- ‌القسم الثانى: الصبر على الحرمان من الأهواء والشهوات وقمعها

- ‌القسم الثالث: الصبر على ما ينزل من نوازل

- ‌العادل

- ‌ بعد البعثة

- ‌الشجاع

- ‌بعد البعثة

- ‌شجاعة النبى عليه الصلاة والسلام فى ميدان القتال:

- ‌الرجل

- ‌ أمور:

- ‌أولها: جمال تكوينه الجسمانى

- ‌الأمر الثانى- أن قلبه الطاهر كان يشع على وجهه بالنور

- ‌الأمر الثالث- شدة جاذبيته صلى الله تعالى عليه وسلم

- ‌ خاتم النبوة

- ‌تقدمة صفات النبى صلى الله عليه وسلم

- ‌البشارات بالنبى المنتظر

- ‌ما كان يروج بين العرب من اخبار نبي يرسل

- ‌علم النبوة عند سلمان الفارسى قبل أن يلقاه:

- ‌يهود تخبر عن النبى [صلى الله عليه وسلم] المنتظر:

- ‌أخبار الكهان:

- ‌هل كان محمد عليه الصلاة والسلام يسمع اخبار الأحبار والرهبان والكهان

- ‌البعثة المحمدية

- ‌التجلى الأعظم

- ‌[التزام النبي ص بأمرين قبل أن يبعث]

- ‌أولهما

- ‌الأمر الثانى

- ‌التقى بالروح القدس:

- ‌قلق الزوجة الصالحة:

- ‌إلى ورقة بن نوفل:

- ‌فترة غياب روح القدس:

- ‌مدة الفترة:

- ‌الشهر الذى نزل فيه الوحى:

- ‌أول ما نزل من القران الكريم:

- ‌مراتب الوحى وشكله:

- ‌المرتبة الأولى:

- ‌والمرتبة الثانية

- ‌المرتبة الثالثة:

- ‌المرتبة الرابعة:

- ‌المرتبة الخامسة:

- ‌المرتبة السادسة:

- ‌ المرتبة السابعة

- ‌دعوة الحق

- ‌مراتب الدعوة:

- ‌الأولى النبوة:

- ‌المرتبة الثانية: إنذار العشيرة الأقربين

- ‌والمرتبة الثالثة: إنذار قومه

- ‌المرتبة الرابعة: عبر عنها ابن القيم بقوله

- ‌والمرتبة الخامسة: تبليغ الدعوة إلى غير العرب

- ‌أول من أسلم

- ‌الإسلام فى بيت النبوة:

- ‌إسلام على:

- ‌أول أسرة فى الإسلام:

- ‌النور يشرق من بيت النبوة

- ‌إسلام أبى بكر:

- ‌تتابع المخلصين:

- ‌فرضية الصلاة

- ‌وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين

- ‌بين أبى طالب وأبى لهب:

- ‌فاصدع بما تؤمر

- ‌[أقسام القلوب]

- ‌القسم الأول: القريب إلى الهداية

- ‌القسم الثانى: قوم امتلأت عقولهم بمعلومات سابقة

- ‌والقسم الثالث قسم غلبت عليه الضلالة

- ‌استجابة محمد صلى الله عليه وسلم لأمر ربه

- ‌السابقون السابقون

- ‌الاسلام يخرج إلى القبائل:

- ‌المناوأة

- ‌تلقى الناس للدعوة

- ‌الذين استجابوا لله والرسول

- ‌إسلام حمزة

- ‌اسلام عمر

- ‌بين عهدين

- ‌محاولة كفه عنهم بالاستمالة

- ‌لقاء أهل مكة المكرمة به لاستمالته:

- ‌جدلهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌الاستعانة باهل الكتاب

- ‌إسماعهم القران الكريم

- ‌الايذاء والفتنة

- ‌ايذاء الضعفاء:

- ‌بلال رضى الله عنه واخوانه:

- ‌ال ياسر رضى الله عنهم وغيرهم:

- ‌التهديد بالتشنيع:

- ‌مصابرة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم:

- ‌الاذى ينزل بشخص النبى عليه الصلاة والسلام:

- ‌مهابة محمد عليه الصلاة والسلام:

- ‌لماذا لم يرهبهم صلى الله عليه وسلم بهيبته:

- ‌الهجرة إلى الحبشة

- ‌متابعة الأولياء ومتابعة الأعداء:

- ‌خديعة:

- ‌النبي صلي الله عليه وسلم يناضل ويصابر فى مكة المكرمة

- ‌لقاؤهم بأبى طالب:

- ‌المقاطعة

- ‌الأرضة تمنع اسم الله تعالى من مواثيقهم:

- ‌الرسول صلى الله عليه وسلم مستمر فى دعوته

- ‌سعى فى نقض الصحيفة

- ‌نقض الصحيفة فعلا

- ‌انطلاق الدعوة الاسلامية:

- ‌عام الحزن

- ‌أبو طالب، وإيمانه

- ‌خديجة رضي الله عنها

- ‌ما كان بعد موت أبى طالب

- ‌حماية الله تعالي

- ‌المهابة مع المحبة

- ‌محمد عليه الصلاة والسلام فى الطائف

- ‌عداس والنبى صلى الله عليه وسلم:

- ‌دعاء، وعفو، وإجارة:

- ‌سماع الجن له:

- ‌فى جوار المطعم بن عدى

- ‌انشقاق القمر

- ‌الإسراء والمعراج

- ‌الإسراء بالجسم:

- ‌المعراج بالروح

- ‌الاسراء والمعراج فى صحاح السنة

- ‌انتشار الاسلام في البلاد العربية

- ‌وفد نصارى نجران:

- ‌عرض الرسول عليه الصلاة والسلام نفسه على القبائل

- ‌جماعات تقبل الواحدانية:

- ‌ما بين الروم والفرس:

- ‌التقاؤه صلى الله عليه وسلم بالأوس والخزرج

- ‌ابتداء الاتصال بأهل يثرب:

- ‌يوم بعاث:

- ‌بدء إسلام الأنصار

- ‌العقبة الأولى أو البيعة الأولى

- ‌مصعب بن عمير:

- ‌أول جمعة أقيمت بالمدينة المنورة:

- ‌العقبة الثانية

- ‌البيعة:

- ‌علم قريش بالبيعة:

- ‌ابتداء الهجرة

- ‌النبى صلى الله عليه وسلم يحرض المؤمنين على الهجرة:

- ‌الإذن للمؤمنين بالهجرة

- ‌هجرة النبى صلى الله عليه وسلم

- ‌ما اقترن بالهجرة المحمدية:

- ‌تنفيذ المؤامرة:

- ‌اجتمع المشركون فى العتمة:

- ‌النبى صلى الله عليه وسلم مع صاحبه إلي الهجرة وطريقهما:

- ‌فى غار ثور:

- ‌سراقة والسير إلى المدينة المنورة:

- ‌الركب يسير فى طريق وعر:

- ‌أم معبد:

- ‌خوارق أخرى:

- ‌وصول النبى صلى الله عليه وسلم إلى قباء

- ‌دخول المدينة

- ‌خطب لرسول الله صلي الله عليه وسلم

- ‌الخطبة التى رواها ابن جرير:

- ‌بناء مسجده عليه الصلاة والسلام

الفصل: ‌الرسول صلى الله عليه وسلم مستمر فى دعوته

وإنه يبدو من نهاية القصة أنه كان فى قريش من تألم من الأمر الذى نزل بإخوانهم، ولعله كان فيهم ميل لتصديق محمد عليه الصلاة والسلام، ولذلك دخل الأكثرون منهم من بعد فى الإسلام.

وإن نهاية الخبر تدل على أن بعض قريش، وإن دخلوا فى الحلف طائعين كانوا لنتائجه كارهين، فلم يستطيعوا تحمل نتائج ما عقدوا عليه حلفهم بعد أن رأوه واقعا، وأنهم كانوا يرونه تهديدا، ولا يرونه أمرا صالحا للنفاذ، وقد عظم عليهم عندما رأوه نافذا.

ولقد كان منهم من يرسل الطعام سرا، ومن يعلم ذلك من ذوى الصلة منهم لا يستنكره. يروى فى ذلك أن حكيم بن حزام بن خويلد، ابن أخى خديجة ذهب ومعه غلام يحمل قمحا يريد عمته خديجة بنت خويلد وهى عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى الشعب، فتعلق به أبو جهل، وقال: أتذهب إلى بنى هاشم، والله لا تذهب أنت وطعامك، حتى أفضحك بمكة.

عندما قال أبو جهل ذلك تعرض له أبو البخترى بن هشام بن الحارث بن أسد وقال له: مالك وله؟ فقال: يحمل الطعام إلى بنى هاشم. فقال له أبو البخترى منكرا عليه فعله: طعام كان لعمته عنده بعثت به إليه أتمنعه؟ رجل يأتيها بطعامها، خل سبيل الرجل.

أبى أبو جهل أن يخلى سبيل حكيم بن حزام وتلاعنا، ونال كل من صاحبه، ولم يكن لأبى جهل أن يعامل إلا بالضرب، فأخذ أبو البخترى لحى بعير، فضربه وشجه، ووطأه وطئا شديدا.

وحمزة بن عبد المطلب يرى، وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وبنى هاشم فيشمتون بهم، وهكذا كانت الأطعمة تذهب إليهم. وكان من كتاب الصحيفة من لم يرض بتنفيذها، وكان يرجو إنهاءها، ولكن ذلك لم يمنع المشقة الشديدة التى لقيها بنو هاشم وبنو المطلب من قومهم، والرسول صلى الله عليه وسلم أشدهم مشقة واحتمالا.

‌الرسول صلى الله عليه وسلم مستمر فى دعوته

272-

إذا كانت المقاطعة قد ضيقت على الرسول عليه الصلاة والسلام وأسرته أسباب العيش السهل، وضيقت عليهم السبل فى الرزق، فإنها لم تمنعه من دعوته، فهو قائم بالليل، والإقامة فى ضيق الرزق، ولكنه ليس برما ولا متململا، مادام يستجيب لأمر الله تعالى فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ فأعرض عنهم واستمر فى دعايته، والله تعالى يمده بالعون والتأييد بنصره، فهو فى أنس من ربه، وإن كان فى وحشة من قومه، ولكن شعاره دائما:«اللهم اغفر لقومى، فإنهم لا يعلمون» «وإنى أرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله تعالى» . والجدل مستمر بينه وبين احادهم يدعوهم إلى الحق، فيصدون بالباطل.

ص: 379

ولقد وصل التهافت بأبى جهل أن يكفر بملته كلها، فيسب الله تعالى، وفى ديانتهم أن الله هو خالق السموات والأرض وإن كانوا يشركون الأنداد معه، لقد قالوا للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم «لتتركن سب الهتنا أو لنسبن إلهك» ولأن أبا جهل ومن على شاكلته لا دين لهم إلا العصبية الجاهلية، ولا يؤمنون بشيء لا يتوقع منه أن يسب الله تعالى ولكنه سبه فنزل النهى عن سب الأحجار والأوثان، وتكون الدعوة إلى التوحيد المجرد، وبطلان عبادة الأوثان، فقال تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ.

ولقد كان منهم من يحسب أنه يحاكى القران الكريم، فيأتى بقصص من أخبار الفرس وحروبهم يسلى الناس عن القران الكريم ويبعدهم، ثم يقول للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم: يا قوم والله ما محمد بأحسن حديثا منى، وما حديثه إلا أساطير الأولين، أكتبها، كما اكتتبها، فيحكى عنهم رب العالمين قولهم، ويرده عليهم بالقران الكريم يتلي، فيقول الله تعالى: وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا. قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً. وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً «1» .

هم يكذبون القران الكريم، ويعبثون بحقائقه، وهم الذين يفرون من سماعه، فإذا تهكموا عليه انتظروا ما يقال فى تهكمهم فيهجم القران الكريم على مسامعهم، ولا يستطيعون منه فرارا، ولا ينفكون عن سماعه.

ومنهم من كان يحسب أنه يناقض معانى القران الكريم بحقائق من الأديان السابقة أو بما حسبه كذلك. ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يجلس بينهم، ويتلقى مجادلتهم، ويدعوهم بالتى هى أحسن، غير مدخر بابا من أبواب الإقناع بالحق إلا سلكه، يروى ابن إسحاق فى السيرة ما يأتى:

جلس رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فيما بلغنا يوما مع الوليد بن المغيرة فى المسجد، فجاء النضر بن الحارث، حتى جلس معهم، وفى المجلس غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فعرض له النضر بن الحارث، فكلمه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حتى أفحمه، ثم تلا قوله تعالى: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ.

لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ. لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ «2» .

(1) سورة الفرقان: 5- 7.

(2)

سورة الأنبياء: 98- 100.

ص: 380

ثم قام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأقبل عبد الله بن الزبعرى السهمى حتى جلس، فقال الوليد بن المغيرة: والله ما قام النضر بن الحارث وما قعد، وقد زعم محمد أنا وما نعبد من الهتنا هذه حصب جهنم. فقال عبد الله بن الزبعرى؛ أما والله لو وجدته فخصمته، فسلوا محمدا أكل من نعبد من دون الله حصب جهنم مع من عبده، فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيرا، والنصارى تعبد عيسى، فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول ابن الزبعرى، ورأوا أنه قد احتج وخصم، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال النبى صلى الله عليه وسلم الحكيم: كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده فى النار.. فنزل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى، أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ. لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها، وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ «1»

أى عيسى وعزير ومن عبد الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله تعالى. ونزل فيما يذكرون أنهم يعبدون الملائكة، وأنها بنات الله تعالى: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ.

لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ. يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ. وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ «2» .

وقال تعالى فى إعجاب المشركين بقول ابن الزبعري: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا، إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ. وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ، ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ.

273-

إن هذه الأخبار التى كان فى القران الكريم رد عليها، تدل على أمور ثلاثة:

أولها: أن هؤلاء كانوا يجادلون النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وأنهم كانوا يستعينون بما عند غيرهم من علوم، كانوا يذهبون إلى اليهود يستعينون بهم يسألونهم أن يدلوا بشيء يحتجون به على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد لقنوهم الأسئلة عن أهل الكهف وعن الروح، وعن ذى القرنين، ونزل القران الكريم بما فيه إشباع النفوس طالبة الحق المريدة له، ولكنهم لم يؤمنوا، بل أصروا إصرارا، وأنغضوا رؤسهم علوا واستكبارا.

وها هم أولاء الان يدرسون أخبارا من الديانات، مع أنهم أميون، لم يكن لهم كتاب يقرؤنه ولا علم دونوه، ومع ذلك حاولوا أن يعرفوا شيئا مما عند اليهود والنصارى، لا ليؤمنوا به، أو ليستعينوا به لمعرفة الحق والوصول إليه، بل ليجادلوا ويختصموا النبى عليه الصلاة والسلام، ولذلك كشف الله تعالى حالهم. يقول

(1) سورة الأنبياء: 101، 102.

(2)

سورة الأنبياء: 26- 29.

ص: 381

تعالت كلماته مبينا أنهم لا يريدون إيمانا بل يريدون إعناتا، فقال تعالي: وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ، ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا، بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ أى يريدون أن يلتمسوا الحجة من أى ناحية.

ثانيها: أنهم كانوا يعتقدون فى ذات أنفسهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم على الحق، وأن القران الكريم هو الذى لا يحاكى، ولكنهم يمارون فى الحق بعد ظهوره، ولذلك ما كانوا يسكتون، عند إفحامهم، أو إفحام بعضهم بل إنهم إذا أفحموا بحثوا عما هو أشد لجاجة، وأقوى محاجة فى الظاهر، ولذلك لما أفحم النضر بن الحارث بين أيديهم لم يسلموا بالحق، وقد بدت بيناته، بل قالوا معاندين: وما قام وما قعد. حتى جاء ابن الزبعرى، فأتى بما يظنه مفحما لمحمد عليه الصلاة والسلام، بل كان سبيلا لمعرفة الحق، إن أرادوا رشادا، ولكن ما أرادوه.

ثالثها: أنه فى أثناء الحصار والمقاطعة والقطيعة، ما ونى محمد عليه الصلاة والسلام عن دعوته حتى يئسوا هم، ولم ييأس هو ومن معه من المؤمنين الأشداء الأقوياء، ولو كانوا المعذبين المضطهدين.

وإنه فى أثناء ذلك ما ونى، وما ضعف ولا استكان، ولا وهنت نفسه.

وإن ابن إسحاق قد أتى بأخبار كثيرة عن النبى عليه الصلاة والسلام مع قومه، وقد أفرغوا من الأذى كل ما فى جعبتهم من سهام مريشة، ممزقة جارحة، ولقد قال ابن كثير فى تاريخه بعد ذكر أخبار المجادلة:

كل هذه القصص ذكرها ابن إسحاق معترضا بها بين تعاقد قريش على بنى هاشم، وبنى المطلب، وكتابتهم عليهم الصحيفة الظالمة، وحصرهم إياهم فى الشعب، وبين نقض الصحيفة، وما كان من أمرها وهى أمور مناسبة لهذا الوقت، ولهذا قال الشافعى رحمه الله تعالى:«من أراد المغازى فهو عيال على ابن إسحاق» .

إذن، فالنبى عليه الصلاة والسلام، مواصل دعوته، صادع بأمر ربه لا ينى ولا يقصر، فما نهنهت من عزمته المقاطعة، ولا إرادة الجوع والعرى، بل استمر، وهو يقول فى قوة وعزم:«أنا النذير العريان» .

واذا كانت قريش قد بلغت أقصى الإيذاء، وانتقلت من الإيذاء الأحادى إلى الإيذاء الجماعى، ومن إيذاء المؤمنين واحدهم، إلى إيذائهم مع من يوالونهم من أقارب، وأولياء ونصراء، إذا كانت قد بلغت ذلك، فمحمد عليه الصلاة والسلام لم يعبأ، لأنه مؤيد من رب العالمين.

ص: 382