الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً. حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً. كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً. ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً. حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا إلى اخر القصة التى تختتم بقوله تعالى وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ، فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً «1» .
وكانت الإجابة عن السؤال الثالث فى سورة الإسراء بقوله تعالى:
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي، وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا «2»
جاءت الردود ايات تتلى ويسمعها كل الذين أرجفوا بعجز محمد صلى الله عليه وسلم فى تحديهم، فقرأوها، أو سمعوها، فكانت تتلى فيهم فى ضمن ما يتلوه النبى عليه الصلاة والسلام عليهم، ولا شك أن لذلك أثرا قويا فيهم. وفيمن علم أمر المحاجة بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم، وفى مقدمة ما سرى فيهم من روح القران الكريم ودلائل إعجازه، فهل آمنوا؟ من المؤكد زادوا إيمانا بعد ذلك.
إسماعهم القران الكريم
247-
عندما ذهب عتبة بن ربيعة يتودد للنبي صلي الله عليه وسلم باسم قريش، وعرض عليه السيادة فيهم، أو الملك، أو المال الوفير، أو أن يحضروا له طبيبا يعالجه من الرئي إن كان عنده رئي، فقرأ عليه النبي عليه الصلاة والسلام بعد مجاوبة ترد ما يعرضون قوله تعالي: حم. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إلى اخر الايات، فأتي أصحابه، فقال لهم:«يا قوم أطيعونى في هذا الأمر اليوم، واعصوني فيما بعد، فو الله لقد سمعت من هذا الرجل كلاما، ما سمعت أذناي كلاما مثله وما دريت ما أرد عليه» .
كان المشركون حريصين علي أن يستمعوا للقران الكريم بعد أن عرفوا تأثيره، لا ليؤمنوا، ولكن ليعرفوه، وليعدوا العدة، ولأن بعضهم مع عناده، وجحوده وإصراره كان يخاف تهديده وإنذاره، بل كان يخاف مجرد تهديد من النبى صلى الله تعالي عليه وسلم.
يروى أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال لأبى جهل «يا أبا الحكم فو الله لتضحكن قليلا ولتبكين كثيرا» فأخذ التهديد قلبه المتحجر وألانه لحظة من الزمان، فقال متلطفا مع النبى صلى الله عليه وسلم:«بئسما تعدنى يابن أخى من نبوتك» .
(1) سورة الكهف: 83- 99.
(2)
سورة الإسراء: 85.
ونراه أحسن الخطاب بذكر رابطة وثيقة من القرب فى القبيلة، وذلك ما لم يؤلف من قبل.
كان كبراء قريش يجذبهم القران الكريم لاستماعه، وإن لم يؤمنوا، لقد سمعه الوليد بن المغيرة، فقال لقريش فى وصفه «إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو، ولا يعلى عليه، ما يقول هذا بشر» ولقد نفى أن يكون شعرا، ودفعته لجاجته فى الإنكار إلى أن يقول إنه سحر، وإن لم يرض بذلك الوصف القران الكريم ابتداء.
وإذا كان المؤمنون قد جذبهم القران الكريم ومحبة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وإخلاصهم، وإشراق قلوبهم بالإيمان، فالمشركون لعلمهم ببليغ القول، وشغفهم به، قد شغفهم القران الكريم، ولكن حالت بينهم وبين الإيمان ظلمات اعترت قلوبهم، خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ «1» .
ولقد شغفوا بسماع القران الكريم، لا فرق بين صغير وكبير، والصغير يؤمن والمتعنت لا يزيده السماع إلا كفرا وإعناتا، فإن قوة الدليل تملأ قلب المخلص إيمانا، وقلب الحقود الحسود كفرانا، ولجاجة، وكلما لج فى عناده زاد بغضا لمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوته، والمستجيبين لها.
248-
ولقد روى ابن إسحاق عن ابن شهاب الزهرى أنه حدث أن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل عمرو بن هشام والأخنس بن شريق بن وهب الثقفى حليف بنى زهرة خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو يصلى من الليل فى بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه كل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق، فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا فلوراكم بعض سفهائكم لأوقعتم فى نفسه شيئا. ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه فباتوا يستمعون له. حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة ثم انصرفوا، حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى اذا كان الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود.
وقد تعاهدوا على ذلك، وقد قال الله فيهم: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ «2» .
وكانوا بعد سماع القران الكريم يتذاكرون فيما بينهم ما سمعوا، فقد سأل الأخنس بن شريق الثقفى أبا سفيان عن رأيه فيما سمع، فقال: «أخبرنى أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد؟
(1) سورة البقرة: 7.
(2)
سورة فصلت: 26.
فقال: يا أبا ثعلبة، والله لقد سمعت أشياء أعرفها، وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها، ولا ما يراد بها. وقال الأخنس: وأنا كذلك، وذهب الأخنس من عند أبى سفيان، وأتى أبا جهل فقال:
يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد، فقال: ماذا سمعت، تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشريف، أطعموا، فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتنى تحاذينا على الركب وكنا كفرسى رهان قالوا منا نبى يأتيه الوحى من السماء فمتى ندرك مثل هذا؟ والله لا نؤمن أبدا، ولا نصدقه» وقد نقلنا ذلك الجزء من قول أبى جهل.
249-
والمقصود من ذلك الخبر أنهم كانوا ينجذبون نحو سماع القران الكريم، كما يتجه إلى السماع والتلاوة المؤمنون، بيد أن الفرق بينهما، كالفرق بين من يستمع طالبا الحق مذعنا له، ومن يطلب غير الحق، ولكن يجذبه إليه حلاوته وطلاوته.
ولذلك ما كانوا يؤمنون، وكأن الله تعالى مقلب القلوب جذبهم إليه ليعرفوا البينات، والأدلة القائمة ليهتدوا، فإن كفروا من بعد ذلك فعن بينة وسماع، ومعرفة بالدليل، ثم الإعراض.
وقد كان الإعراض شأن من كتب عليهم الضلال، ولا معذرة لهم لأنهم اشتروا الضلالة، ورغبوا عن الهداية، ومع أنهم كانوا يتهافتون على سماعه فى جنح الليل البهيم، وكلما تواعدوا ألا يفعلوا نكثوا فى عهودهم كان النبى عليه الصلاة والسلام إذا تلا عليهم القران الكريم جهارا نهارا استهزؤا، ولم ينصتوا خشية أن يكثر أتباع النبى عليه الصلاة والسلام، وكانت دعوته قذى فى عيونهم، وغصة فى حلوقهم.
قال ابن إسحاق: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا تلا عليهم القران الكريم ودعاهم إليه، قالوا يهزؤن: قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه، وفى اذاننا وقر، ومن بيننا وبينك حجاب، فاعمل إننا عاملون.
فحكى الله تعالى عنهم قولهم: وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً. وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ، وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً، وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً. نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ، وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً. انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا. وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً. قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً. أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ، فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ «1» .
(1) سورة الإسراء: 45- 51.