الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وافون له بما دعوتموه إليه، على نهكة المال وقتل الأشراف فخذوه، فهو والله خير الدنيا والاخرة، قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال، وقتل الأشراف.
ولقد قال البراء بن معرور أحد النقباء مجيبا قول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عندما طلب أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم. قال رضى الله تعالى عنه:
نعم، فو الذى بعثك بالحق لنمنعك مما نمنع أزرنا. فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحروب ورثناها كابرا من كابر.
واعترض أبو الهيثم بن التيهان فقال: «يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالا- وإنا قاطعوها- يعنى اليهود- فهل عسيت إن قبلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا.
فتبسم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم قال: بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم، وأنتم منى، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم.
ولقد قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن تمت البيعة: «أنتم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين بعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على مدتى» .
بهذا تمت البيعة الثانية، وكانت إيذانا بالهجرة، وكان أساس قيامها ما يكون من حماية للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
وقد كانت حماسة الأنصار لهذه البيعة شديدة، وبعضهم أراد تنفيذها؛ ومحاربة قريش فى عقر دارهم، لقد قال العباس بن فضلة الذى نقلنا كلامه انفا: يا رسول الله، والذى بعثك بالحق؛ إن شئت لنميلن على أهل منى عذابا بأسيافنا، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم.
علم قريش بالبيعة:
316-
كان حذر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من أن يعلم المشركون بالبيعة قبل أن تتم فى موضعه، لأنهم كانوا يبثون العيون لمعرفة أخبار الخزرج والأوس، إذ كانوا يتوجسون منهم خيفة.
لقد رجع أهل البيعة إلى منازلهم فلما أضحوا غدا عليهم ناس من جلة قريش، حتى جاؤا إلى منازلهم.
قالوا: يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم جئتم إلى صاحبنا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا وإنه والله ما من حى من العرب أبغض إلينا من أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم.
وقد كان من بين أهل يثرب مشركون مثلهم، وقد اجتهد الذين مال قلبهم للإيمان وأسلموا أن يخفوا عنهم أمر البيعة وما يتصل بها. لذلك انبعث من أولئك المشركين من يحلفون ما كان من هذا شيء وما علمنا، فصدق القرشيون مقالتهم.
وقد روى ابن إسحاق أن القرشيين أتوا عبد الله بن أبى بن سلول الذى صار من بعد رأس المنافقين، وكان من المشركين، فسألوه عن أمر البيعة، فقال لهم: إن هذا الأمر جسيم، ما كان قومى ليتفرقوا على مثل هذا، وما علمته. كان الأمر بالنسبة لقريش أول الأمر ظنا ظنوه، ولم يكونوا قد استوثقوا من صدقه، فكان التكذيب كافيا، لإزالة الظنة، ولكن لم يطمئنوا.
لذلك أخذوا يتحرون صدق الخبر، ليطمئنوا، فلما نفر الناس من منى، وجدوا أن البيعة قد تمت، أو أن ما ظنوه ظنا قد وقع.
راعهم ذلك، فخرجوا فى طلب القوم الذين بايعوا، فلم يلحقوا بهم، ولكن أدركوا منهم سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو، وكان كلاهما من النقباء، وقد استطاع المنذر ألا يمكنهم منه، فأعجزهم اتباعه.
وأما سعد بن عبادة فأخذوه فربطوا يديه إلى عنقه، ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة المكرمة يضربونه، ويجذبونه بجمته «1» ، وكان ذا شعر كثيف.
ولقد حكى سعد حاله، فقال:«فو الله إنى لفى أيديهم، إذ طلع على نفر من قريش فيهم رجل وضئ الوجه شعشاع، خلو من الرجال، فقلت فى نفسى إن يك عند أحد من القوم خير، فعند هذا، فلما دنا منى كلمنى كلمة شديدة، فقلت فى نفسى: «لا والله، ما عندهم بعد هذا من خير» فو الله إنى لفى أيديهم، إذ أدلى لى رجل ممن معهم، فقال: ويحك أما بينك وبين أحد من قريش جوار، ولا عهد. قلت: بلى والله، لقد كنت أجير لجبير بن مطعم.. تجارة، وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادى، وللحارث بن حرب بن أمية.. قال: ويحك.. وخرج ذلك الرجل إليهما فوجدهما فى المسجد عند الكعبة الشريفة، فقال لهما: إن رجلا من الخزرج يضرب بالأبطح، ويذكر أن بينكما وبينه جوارا، قالا:
ومن هو؟ قال: سعد بن عبادة، قالا: صدق والله! إنه كان ليجير تجارنا، ويمنعهم من أن يظلموا ببلده، فجاا فخلصا سعدا.
(1) الجمة مجتمع شعر الرأس من مقدمه.