المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ما كان يروج بين العرب من اخبار نبي يرسل - خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم - جـ ١

[محمد أبو زهرة]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الأول

- ‌مقدمة

- ‌محمد رسول الله وخاتم النبيين

- ‌‌‌يا رسول الله:

- ‌يا رسول الله:

- ‌يا رسول الله:

- ‌يا رسول الله يا خير البشر:

- ‌ربى العظيم:

- ‌[تمهيد]

- ‌الاضطراب الفكرى:

- ‌المجوسية:

- ‌المانوية:

- ‌المزدكية:

- ‌البراهمة:

- ‌[طبقات الناس في عقيدة البراهمة في المجتمع الهندي]

- ‌الطبقة الأولي: هى أعلاها وهى طبقة البراهمة

- ‌الطبقة الثانية: طبقة الجند

- ‌الطبقة الثالثة: طبقة الزراع والتجار

- ‌الطبقة الرابعة:

- ‌هل للبرهمية أصل سماوى:

- ‌[الأدلة على سماوية الأصل البرهمي]

- ‌أولهما:

- ‌ثانيهما:

- ‌أولها:

- ‌الأمر الثانى:

- ‌ كتبهم

- ‌الأمر الثالث:

- ‌البوذية:

- ‌[مبادىء بوذا الخلقية]

- ‌[أقسام البوذيين]

- ‌(أحدهما) البوذيون الذين أخذوا أنفسهم بالتعاليم السابقة

- ‌(ثانيهما) البوذيون المدنيون، وأولئك لم يطبقوا المنهاج الشاق

- ‌الكونفوشيوسية:

- ‌عقيدة الصين القديمة:

- ‌وثنية اليونان والرومان:

- ‌مزج الفلسفة بالدين:

- ‌التثليث فى الفلسفة:

- ‌ويلاحظ أمران:

- ‌أولهما- أنه التقت الأفلاطونية الحديثة مع الدين

- ‌الأمر الثانى- أن شيخ هذه المدرسة هو أمنيوس المتوفى سنة 242 ميلادية

- ‌وبذلك نقول مقررين أمرين:

- ‌أولهما

- ‌ثانيهما

- ‌العرب

- ‌دخول الوثنية أرض العرب:

- ‌لم ينسوا الله فى وثنيتهم:

- ‌القلوب فارغة من إيمان:

- ‌أرض النبوة الأولي

- ‌إدريس عربى:

- ‌نوح عربى:

- ‌هود نبى الله كان عربيا:

- ‌صالح عربى:

- ‌إبراهيم أبو العرب المستعربة وإسماعيل:

- ‌بناء الكعبة:

- ‌شعيب ومدين:

- ‌موسى كلف الرسالة فى أرض العرب:

- ‌أرض العرب مأوى الفارين بدينهم:

- ‌النصرانية:

- ‌رجل صالح:

- ‌أصحاب الأخدود:

- ‌اختصاص الجزيرة العربية

- ‌[أسئلة]

- ‌[الجواب]

- ‌أولها:

- ‌الأمر الثانى:

- ‌الأمر الثالث:

- ‌[عناصر تبوئ العرب الصدارة في الدعوة إلى الحق]

- ‌العنصر الأول: قوة فى النفس تقاوم، ولا تستسلم

- ‌العنصر الثانى: صفاء نفسى وقوة مدارك

- ‌العنصر الثالث: الأنفة وألا يطيعوا فى ذلة

- ‌الله أعلم حيث يجعل رسالته

- ‌مكة المكرمة

- ‌أول بناء فى مكة المكرمة وبلوغها هذه المنزلة:

- ‌مكة المكرمة موطن تقديس لأجل الكعبة المشرفة:

- ‌‌‌المكانوالزمان

- ‌المكان

- ‌الزمان:

- ‌البشارات

- ‌ويستفاد من هذا الكلام أمران:

- ‌أولهما:

- ‌ثانيهما:

- ‌محمد فى التوراة:

- ‌محمد فى الإنجيل:

- ‌على فترة من الرسل:

- ‌الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌محمد من أوسط قريش نسبا

- ‌النسب الطاهر

- ‌ قصى

- ‌ عبد المطلب

- ‌[صفات عبد المطلب]

- ‌الأولى- الطيبة والسماحة

- ‌الثانية- أنه كان مباركا

- ‌الثالثة- عزيمته، وإصراره على ما يقوم به من خير

- ‌عبد الله

- ‌الأم

- ‌صفات سامية فى امنة:

- ‌الجنين المبارك

- ‌أصحاب الفيل

- ‌ولد الهدى

- ‌ولادته قبل وفاة أبيه:

- ‌ظواهر تعلن مكانته

- ‌تاريخ مولده:

- ‌إرهاصات النبوة يوم مولده:

- ‌إرضاعه صلى الله تعالى عليه وسلم

- ‌اخبار شق الصدر

- ‌سفر أمه به إلى يثرب:

- ‌موت الطهور امنة:

- ‌فى حضن عبد المطلب

- ‌فى كنف أبى طالب

- ‌إلى العمل

- ‌حماية الله تعالى

- ‌إلى التجارة

- ‌سفره مع عمه

- ‌ارهاص وبشارة بالنبوة:

- ‌محمد التاجر:

- ‌مشاركته فى الأمور الجامعة

- ‌حرب الفجار

- ‌حلف الفضول

- ‌الزواج

- ‌خديجة:

- ‌ارهاصات الرحلة

- ‌الإملاك:

- ‌أغناه الله وواساه

- ‌إعادة بناء الكعبة

- ‌بناء قريش

- ‌الحمس:

- ‌التكامل الإنسانى فى محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌1- وفور عقله

- ‌2- بلاغته

- ‌3- الخلق الكامل

- ‌[أ] الرفق

- ‌[ب] العفو:

- ‌[ج] اخلاقه خارقة للعادة:

- ‌هيبة:

- ‌العفو والتسامح:

- ‌حياؤه:

- ‌جوده عليه الصلاة والسلام:

- ‌الشفقة والرأفة والرحمة:

- ‌صدقه وأمانته وعفته صلى الله عليه وسلم:

- ‌الوفاء ورعاية العهد:

- ‌العابد

- ‌عبادته قبل البعثة:

- ‌عبادته بعد البعثة:

- ‌الزاهد

- ‌زهده قبل البعثة:

- ‌زهده بعد البعثة:

- ‌قوت الزاهد:

- ‌الصابر المصابر

- ‌[أقسام الصبر]

- ‌أولها- الصبر على النوازل

- ‌القسم الثانى: الصبر على الحرمان من الأهواء والشهوات وقمعها

- ‌القسم الثالث: الصبر على ما ينزل من نوازل

- ‌العادل

- ‌ بعد البعثة

- ‌الشجاع

- ‌بعد البعثة

- ‌شجاعة النبى عليه الصلاة والسلام فى ميدان القتال:

- ‌الرجل

- ‌ أمور:

- ‌أولها: جمال تكوينه الجسمانى

- ‌الأمر الثانى- أن قلبه الطاهر كان يشع على وجهه بالنور

- ‌الأمر الثالث- شدة جاذبيته صلى الله تعالى عليه وسلم

- ‌ خاتم النبوة

- ‌تقدمة صفات النبى صلى الله عليه وسلم

- ‌البشارات بالنبى المنتظر

- ‌ما كان يروج بين العرب من اخبار نبي يرسل

- ‌علم النبوة عند سلمان الفارسى قبل أن يلقاه:

- ‌يهود تخبر عن النبى [صلى الله عليه وسلم] المنتظر:

- ‌أخبار الكهان:

- ‌هل كان محمد عليه الصلاة والسلام يسمع اخبار الأحبار والرهبان والكهان

- ‌البعثة المحمدية

- ‌التجلى الأعظم

- ‌[التزام النبي ص بأمرين قبل أن يبعث]

- ‌أولهما

- ‌الأمر الثانى

- ‌التقى بالروح القدس:

- ‌قلق الزوجة الصالحة:

- ‌إلى ورقة بن نوفل:

- ‌فترة غياب روح القدس:

- ‌مدة الفترة:

- ‌الشهر الذى نزل فيه الوحى:

- ‌أول ما نزل من القران الكريم:

- ‌مراتب الوحى وشكله:

- ‌المرتبة الأولى:

- ‌والمرتبة الثانية

- ‌المرتبة الثالثة:

- ‌المرتبة الرابعة:

- ‌المرتبة الخامسة:

- ‌المرتبة السادسة:

- ‌ المرتبة السابعة

- ‌دعوة الحق

- ‌مراتب الدعوة:

- ‌الأولى النبوة:

- ‌المرتبة الثانية: إنذار العشيرة الأقربين

- ‌والمرتبة الثالثة: إنذار قومه

- ‌المرتبة الرابعة: عبر عنها ابن القيم بقوله

- ‌والمرتبة الخامسة: تبليغ الدعوة إلى غير العرب

- ‌أول من أسلم

- ‌الإسلام فى بيت النبوة:

- ‌إسلام على:

- ‌أول أسرة فى الإسلام:

- ‌النور يشرق من بيت النبوة

- ‌إسلام أبى بكر:

- ‌تتابع المخلصين:

- ‌فرضية الصلاة

- ‌وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين

- ‌بين أبى طالب وأبى لهب:

- ‌فاصدع بما تؤمر

- ‌[أقسام القلوب]

- ‌القسم الأول: القريب إلى الهداية

- ‌القسم الثانى: قوم امتلأت عقولهم بمعلومات سابقة

- ‌والقسم الثالث قسم غلبت عليه الضلالة

- ‌استجابة محمد صلى الله عليه وسلم لأمر ربه

- ‌السابقون السابقون

- ‌الاسلام يخرج إلى القبائل:

- ‌المناوأة

- ‌تلقى الناس للدعوة

- ‌الذين استجابوا لله والرسول

- ‌إسلام حمزة

- ‌اسلام عمر

- ‌بين عهدين

- ‌محاولة كفه عنهم بالاستمالة

- ‌لقاء أهل مكة المكرمة به لاستمالته:

- ‌جدلهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌الاستعانة باهل الكتاب

- ‌إسماعهم القران الكريم

- ‌الايذاء والفتنة

- ‌ايذاء الضعفاء:

- ‌بلال رضى الله عنه واخوانه:

- ‌ال ياسر رضى الله عنهم وغيرهم:

- ‌التهديد بالتشنيع:

- ‌مصابرة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم:

- ‌الاذى ينزل بشخص النبى عليه الصلاة والسلام:

- ‌مهابة محمد عليه الصلاة والسلام:

- ‌لماذا لم يرهبهم صلى الله عليه وسلم بهيبته:

- ‌الهجرة إلى الحبشة

- ‌متابعة الأولياء ومتابعة الأعداء:

- ‌خديعة:

- ‌النبي صلي الله عليه وسلم يناضل ويصابر فى مكة المكرمة

- ‌لقاؤهم بأبى طالب:

- ‌المقاطعة

- ‌الأرضة تمنع اسم الله تعالى من مواثيقهم:

- ‌الرسول صلى الله عليه وسلم مستمر فى دعوته

- ‌سعى فى نقض الصحيفة

- ‌نقض الصحيفة فعلا

- ‌انطلاق الدعوة الاسلامية:

- ‌عام الحزن

- ‌أبو طالب، وإيمانه

- ‌خديجة رضي الله عنها

- ‌ما كان بعد موت أبى طالب

- ‌حماية الله تعالي

- ‌المهابة مع المحبة

- ‌محمد عليه الصلاة والسلام فى الطائف

- ‌عداس والنبى صلى الله عليه وسلم:

- ‌دعاء، وعفو، وإجارة:

- ‌سماع الجن له:

- ‌فى جوار المطعم بن عدى

- ‌انشقاق القمر

- ‌الإسراء والمعراج

- ‌الإسراء بالجسم:

- ‌المعراج بالروح

- ‌الاسراء والمعراج فى صحاح السنة

- ‌انتشار الاسلام في البلاد العربية

- ‌وفد نصارى نجران:

- ‌عرض الرسول عليه الصلاة والسلام نفسه على القبائل

- ‌جماعات تقبل الواحدانية:

- ‌ما بين الروم والفرس:

- ‌التقاؤه صلى الله عليه وسلم بالأوس والخزرج

- ‌ابتداء الاتصال بأهل يثرب:

- ‌يوم بعاث:

- ‌بدء إسلام الأنصار

- ‌العقبة الأولى أو البيعة الأولى

- ‌مصعب بن عمير:

- ‌أول جمعة أقيمت بالمدينة المنورة:

- ‌العقبة الثانية

- ‌البيعة:

- ‌علم قريش بالبيعة:

- ‌ابتداء الهجرة

- ‌النبى صلى الله عليه وسلم يحرض المؤمنين على الهجرة:

- ‌الإذن للمؤمنين بالهجرة

- ‌هجرة النبى صلى الله عليه وسلم

- ‌ما اقترن بالهجرة المحمدية:

- ‌تنفيذ المؤامرة:

- ‌اجتمع المشركون فى العتمة:

- ‌النبى صلى الله عليه وسلم مع صاحبه إلي الهجرة وطريقهما:

- ‌فى غار ثور:

- ‌سراقة والسير إلى المدينة المنورة:

- ‌الركب يسير فى طريق وعر:

- ‌أم معبد:

- ‌خوارق أخرى:

- ‌وصول النبى صلى الله عليه وسلم إلى قباء

- ‌دخول المدينة

- ‌خطب لرسول الله صلي الله عليه وسلم

- ‌الخطبة التى رواها ابن جرير:

- ‌بناء مسجده عليه الصلاة والسلام

الفصل: ‌ما كان يروج بين العرب من اخبار نبي يرسل

الضعيف المغلوب البائس، ويقوى الضعيف الذى لا ناصر له، ويرحم المساكين، ويصلى، ويبارك عليه فى كل وقت، ويدوم ذكره إلى الأبد» .

وقد كان ذلك الكلام عن رجل يجيء فى المستقبل ولا شك أن هذه الأعمال لم يعملها بعد داود وسليمان إلا محمد سيد البشر عليه الصلاة والسلام، فهو ذكر هنا عليه الصلاة والسلام بالوصف، لا بالاسم كما جاء فى الإنجيل.

178-

وجاء فى كتاب أشعياء عليه السلام قوله: «عبدى الذى سرت به نفسى أنزل عليه وحيى، فيظهر فى الأمم عدلى، ويوصيهم بالوصايا، لا يضحك، ولا يسمع صوته فى الأسواق، يفتح العيون العور، والاذان الصم، ويحيى القلوب الغلف، وما أعطيه لا أعطى أحدا مشقح «1» بحمد الله حمدا جديدا، يأتى من أقصى الأرض تفرح البرية وسكانها، يهللون الله على كل شرف، ويكررونه على كل رابية، لا يضعف ولا يغلب، ولا يميل إلى الهوى، ولا يذل الصالحين الذين هم كالقصبة الضعيفة، بل يقوى الصديقين، وهو نور الله الذى لا يطفأ، على كتفيه علامة النبوة» .

ويلاحظ على هذه البشارة أن الوصف فيها يكاد يكون عينيا، لا فى شريعته فقط بل فى أخلاقه وسيرته عليه الصلاة والسلام، فهو يذكر أعمال النبى عليه الصلاة والسلام، وسجاياه، كأنه راها، ثم يصف جسمه فيذكر علامة النبوة بين كتفيه، وهو خاتم النبوة الذى ذكرناه انفا.

ثم هو يذكر الاسم النبوى بما يقرب من البارقليط، فهو يقول مشقح، ومعناها محمد صلى الله عليه وسلم، كما أن معنى البارقليط أحمد وكلاهما من أسمائه عليه الصلاة والسلام.

وجاء فى كتاب شمعون «جاء الله تعالى بالبينات من جبال فاران، وامتلأت السموات والأرض من تسبيحه وتسبيح أمته»

وهنا تعيين له بالمكان، فجبال فاران هى جبال مكة، ولم يكن بعد إبراهيم فى مكة المكرمة وبين جبالها سوى محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو تعريف ليس بالاسم ولا بالوصف، ولكن بتعريف المكان.

‌ما كان يروج بين العرب من اخبار نبي يرسل

179-

راجت فى البلاد العربية، وخصوصا حول مكة المكرمة والمدينة المنورة أقوال تذكر أن نبيا يبعث فى هذا الزمان، وروج ذلك النصارى الذين كانوا منبثين فى الجزيرة العربية، ويقيم كثيرون منها فى أطرافها، وكانوا يتناقلونها من الشام فى رحلتهم إليها تجارا، إذ يرون الرهبان منبثين فى الأديرة، ويلتقون بهم الفينة بعد الفينة.

(1) المشقح فى لغة العبرانيين: الحمد.

ص: 248

واليهود فى المدينة كانوا يذكرون ذلك متحدين به الوثنيين الذين يجاورونهم، وكانوا يستفتحون به المشركين، زاعمين أنه سينصره عليهم، ويؤيد دينهم الذى يذكرون ذلك اخذيه من إشارات كتبهم. التى كانت مفسرة عندهم، حتى صارت علما توارثوه عن أسلافهم، وهو فى مطوى التركة التى أخذوها عنهم، مع أن اليهود عرفوا بأنهم يكتمون ما أنزل الله تعالى عليهم ليكون العلم حكرا عليهم، ويمكنهم من أن يكذبوا على الناس مدعين أنهم أبناء الله تعالى وأحباؤه، مع هذا يتناثر من أقوالهم ما يدل على أن نبيا من أبناء عمهم إسماعيل عليه السلام سيبعث.

وإذا كانت الأثرة هى التى حملتهم على كتمان ما أنزل الله تعالى عن غيرهم، فالأثرة أيضا هى التى حملتهم على التحدث بخبر النبى المنتظر المكتوب عندهم فى التوراة، لأنهم كانوا فى حرب مع الأوس والخزرج الذين يجاورونهم، فكانوا يذكرون أمر النبى لهم لا ليعلنوا الحقائق، ولكن ليتغلبوا عليهم بما يسمى فى عصرنا الحرب النفسية التى تقارن الحرب المادية، لينالوا الفوز والغلب، وليتم لهم التعالى عليهم، وإعلان الاستهانة بهم ولإنذارهم بأن المستقبل معهم، وفى ذلك إلقاء بالرعب.

وقد حكى القران الكريم عنهم ذكرهم لمن كانوا يجاورونهم أمر النبى المنتظر، فقال الله تعالى:

وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ. بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ، فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ، وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ «1» .

ولقد كانت نجران مملوءة بالنصارى ويظهر أنهم لم يكونوا كنصارى أوربا فى الماضى أو الحاضر، بل كانت فيهم بقية من نصرانية المسيح، ولقد كانوا بعد البعث المحمدى أقرب إلى المسلمين من اليهود والمشركين، فقد قال تعالى فيهم: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى، ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ. وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ، يَقُولُونَ: رَبَّنا آمَنَّا، فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ. وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ، وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ «2» .

كان ينبعث من بين هؤلاء صوت قوى يخبر بأن نبيا قد ان أوانه، والناس يعيشون فى زمانه، ويظهر أنهم كانوا من بقايا المواحدين الذين لم يثلثوا، فإنه على تعاقب الأزمان كان ثمة مواحدون، وإن كانوا

(1) سورة البقرة: 89، 90.

(2)

سورة المائدة: 82- 84.

ص: 249

يتناقصون قرنا بعد قرن، إن عبارات القران الكريم تنبيء عن ذلك فى قصة النصارى الذين حكم سبحانه بأنهم أقرب الناس مودة للذين آمنوا بجوار العداوة المستحكمة التى أعلنها المشركون، واليهود الذين كانوا أعداء للناس جميعا.

وإنه ليروى التاريخ فى أخباره المتضافرة، والسيرة الطيبة الطاهرة، أنه لما كان اضطهاد المشركين للمؤمنين عقب مجاهرة النبى عليه الصلاة والسلام بدعوة الحق كانت الهجرة إلى الحبشة. وقد لقى المسلمون ترحابا وإكراما من ملكها.

ولقد ثبت أن النجاشى ملك الحبشة كان مواحدا، وأنه يرى فى عيسى ابن مريم وأمه، ما نص عليه القران الكريم، وأنهما لم يكونا إلهين من دون الله.

180-

ولقد سرت فكرة التنبؤ برسول قريب زمانه إلى قريش وما حول مكة المكرمة، ولقد وجد أربعة من قريش أنكروا تأثير الأوثان بالنفع والضرر، واستنكروا عبادتها وثبت أن هؤلاء الأربعة، منهم ورقة بن نوفل وعبد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث، وزيد بن عمرو بن نفيل.

وقد خلصوا نجيا من عبادة الأوثان، وقد قال بعضهم لبعض:«تعلموا والله، ما قومكم على شيء. لقد أخطأوا دين إبراهيم، ما حجر نطيف به، لا يسمع ولا يبصر، ولا يضر ولا ينفع، يا قوم التمسوا لأنفسكم دينا، فإنكم والله ما أنتم على شيء» .

وقد دخل المسيحية اثنان منهم هما ورقة بن نوفل، وعثمان بن الحويرث، وقد قصد إلى قيصر فتنصر، وكانت له منزلة حسنة عنده.

وأما عبد الله بن جحش، فقد بقى محيرا ملتبسا عليه، حتى جاء الإسلام.

وزيد بن عمرو بن نفيل برم بمكة المكرمة وأهلها، وأخذ يتنقل فى بلاد العرب متعرفا دين إبراهيم، وأخيرا أخذ ينتظر النبى كما أخبره بعض النصارى، وفى سيرة ابن هشام ما نصه:

«خرج (أى زيد بن عمرو) يطلب دين إبراهيم عليه السلام، ويسأل الرهبان والأحبار حتى بلغ الموصل والجزيرة كلها، ثم أقبل فجال الشام كله حتى انتهى إلى راهب بميفعة من أرض البلقاء «1» كان ينتهى إليه علم أهل النصرانية فيما يزعمون، فسأل عن الحنيفية، دين إبراهيم، فقال إنك لتطلب دينا ما أنت بواجد من يحملك عليه اليوم، ولكن قد أظل زمان نبى يخرج من بلادك التى خرجت منها يبعث بدين إبراهيم الحنيفية، فالحق بها، فإنه مبعوث الان، هذا زمانه، وقد كان شام اليهودية والنصرانية، فلم يرض شيئا منهما، فخرج سريعا حين قال له الراهب ما قال يريد مكة المكرمة، حتى إذا توسط بلاد لخم عدوا عليه فقتلوه.

(1) الميفعة: المرتفع من الأرض، والبلقاء كورة بجوار دمشق.

ص: 250

وقد رثاه رفيقه ورقة بن نوفل «1» بقصيدة جاء فيها:

رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما

تجنبت تنورا من النار حاميا

بدينك ربا ليس رب كمثله

وتركك أوثان الطواغى كما هيا

وإدراكك الدين الحنيف، طلبته

ولم تك عن توحيد ربك ساهيا

فأصبحت فى دار كريم مقامها

تعلل فيها بالكرامة لاهيا

هذا بعض رثاء ورقة بن نوفل فى القصيدة المنسوبة إليه فى أصح الروايات، وهى تدل على أن ورقة وصاحبه كانا مع إنكار هما للوثنية يؤمنان بالبعث ويوم القيامة.

181-

وإن ورقة بعد أن دخل فى النصرانية، وعلم علمها، وأسرار كتبها، ودرس الأديان، ووازن بين حقائقها كان يعرف أن الزمان الذى كان يعيش فيه هو زمن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، بل إنه حكم بأن محمدا صلى الله عليه وسلم هو النبى المنتظر، واستبطأ ظهوره.

وقد روى فى ذلك ابن إسحاق أن خديجة بنت خويلد ذكرت لورقة بن نوفل الذى كان نصرانيا وكان قد تتبع الكتب، وعلم من علم الناس ما ذكر لها غلامها ميسرة من قول الراهب نسطورا الذى ذكر أن أوصاف النبى عليه الصلاة والسلام تبين أنه تبين أنه النبى المنتظر، فقال لها ورقة: لئن كان هذا حقا يا خديجة إن محمدا صلى الله عليه وسلم لنبى هذه الأمة، وقد عرفت أنه كان لهذه الأمة نبى ينتظر هذا زمانه، فجعل ورقة يستبطىء الأمر، ويقول: حتى متى؟

وقد قال فى ذلك قصيدة جاء فيها:

لججت وكنت فى الذكرى لجوجا

لهم طالما ما بعث النشيجا

ووصف من خديجة بعد وصف

فقد طال انتظارى يا خديجا

سطن المكتين على رجائى

حديثك أن أرى منه خروجا

ويظهر فى البلاد ضياء نور

يقوم به البرية أن تموجا

فيلقى من يحاربه خسارا

ويلقى من يسالمه فلوجا

فيا ليتنى اذ ما كان ذاكم

شهدت وكنت أولهم ولوجا

«2»

هذا كلام ورقة عندما خبرته ابنة عمه خديجة عن حال محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان ذلك عقب إخبار ميسرة غلامها عندما صاحبه فى رحلته إلى الشام فى التجارة فى

(1) سيرة ابن هشام ج 1 ص 232.

(2)

البداية والنهاية ح 2 ص، 297.

ص: 251