الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ضاقوا ذرعا بمحمد عليه الصلاة والسلام وأتباعه، وزيادتهم انا بعد ان، عالجوه بالاضطهاد فما أجدى، وعالجوه برشوة المال والسيادة فما أجدى، فماذا هم صانعون؟ لم يبق إلا أن يدخلوا معه فى جدل ليبين عجزه أمام الناس، فلا يزيد أتباعه.
جدلهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم
241-
أعادوا على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عرض ما عرضه عتبة، ولكنهم فى هذه المرة يعرضونه مجتمعين توثيقا لإرادتهم، ورغبة فى الإعذار ثم يجادلونه بعد الرفض.
اجتمع الملأ من المعاندين له عليه الصلاة والسلام من بطون مختلفة، فكلما تكامل جمع منهم قال بعضهم لبعض ابعثوا إلى محمد فكلموه، وخاصموه حتى تعذروا فيه.
فبعثوا إليه: إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك.
فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعا، وهو يظن أنه قد بدا لهم فى أمره بداء، وكان عليهم حريصا يحب رشدهم، ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم.
قالوا: يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنعذر فيك، وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الاباء، وعبت الدين، وسفهت الأحلام، وشتمت الالهة، وفرقت الجماعة، فما بقى من قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سودناك علينا، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذى يأتيك رئيا من الجن، فربما كان ذلك، بذلنا أموالنا فى طلب الطب، حتى نبرئك منه أو نعذر فيك.
قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «ما بى ما تقولون، ما جئتكم بما جئت أطلب أموالكم، والشرف فيكم؛ ولا الملك عليكم، ولكن بعثنى الله إليكم رسولا، وأنزل علىّ كتابا، وأمرنى أن أكون لكم بشيرا، ونذيرا، فبلغتكم رسالات ربى، ونصحت لكم، فإن تقبلوا منى ما جئتكم به، فهو حظكم فى الدنيا والاخرة. وإن تردوا علىّ أصبر لأمر الله، حتى يحكم الله بينى وبينكم» .
قالوا: يا محمد، فإن كنت غير قابل ما عرضنا عليك، فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق منا بلادا، ولا أقل مالا ولا أشد عيشا، فاسأل لنا ربك الذى بعثك بما بعثك به، فليسير عنا هذه الجبال
التى قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا؛ وليفجر فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من ابائنا، وليكن فيمن يبعث منهم قصى بن كلاب فإنه كان شيخا صدوقا، فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل، فإن فعلت ما سألناك وصدقوك صدقناك؛ وعرفنا منزلتك عند الله، وأنه بعثك رسولا، كما تقول.
مؤدى هذا الكلام أنهم يطلبون ايات أخرى، والله عليم بالقلوب، فقد جاء عيسى لأمثالهم بما هو أشد من ذلك، من إحياء الموتى وإبراء الأكمه، والله سبحانه وتعالى هو الذى يختار أنبياءه وهو أعلم بمن يؤيد رسالته.
قال لهم رسول الله رادا عليهم قولهم: ما بهذا بعثت، إنما جئتكم من عند الله بما بعثنى به، فقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم فى الدنيا والاخرة، وإن تردوه على، أصبر حتى يحكم الله بينى وبينكم.
قالوا: فإن لم تفعل هذا فخذ لنفسك، فسل ربك أن يبعث لنا ملكا يصدقك بما تقول، ويراجعنا عنك، وتسأله فيجعل لنا جنانا وكنوزا وقصورا من ذهب وفضة، ويغنيك عما نراك نبتغى، فإنك تقوم فى الأسواق، وتلتمس المعايش، كما نلتمس، حتى نعرف فضل منزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم.
قال لهم الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم: ما أنا بفاعل، وما أنا بالذى يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله تعالى بعثنى بشيرا ونذيرا، فإن تقبلوا ما جئتكم فهو حظكم فى الدنيا والاخرة، وإن تردوه على أصبر حتى يحكم الله بيننا.
قالوا: فأسقط علينا كسفا من السماء، كما زعمت أن ربك إن شاء فعل، فإنا لا نؤمن بك إلا أن تفعل.
قال لهم الرسول الصادق الأمين صلى الله تعالى عليه وسلم: «ذلك إلى ربى إن شاء فعل بكم ذلك» .
قالوا: يا محمد ما علم ربك أننا سنجلس معك ونسألك عما سألناك ونطلب منك ما نطلب، فيقدم إليك، ويعلمك ما تراجعنا به، ويخبرك ما هو صانع فى ذلك بنا إذا لم نقبل ما جئتنا به، فقد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا، فقد أعذرنا إليك يا محمد، أما والله لا نتركك وما فعلت بنا، حتى نهلكك أو تهلكنا.
وقال قائل منهم: نحن نعبد الملائكة، وهى بنات الله، وقال قائل منهم:«لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا» .
تقاولوا طالبين ايات حسية، ومستعجلين العذاب، ثم قال عبد الله بن أبى أمية بن المغيرة ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب «يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا، فلم تقبله، ثم سألوك أمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله فلم تفعل، ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم من العذاب، فو الله لا أومن لك أبدا، حتى تتخذ إلى السماء سلما ثم ترقى منه وأنا أنظر، حتى تأتيها وتأتى معك بنسخة منشورة، ومعك أربعة من الملائكة يشهدون أنك كما تقول: «وأيم الله لو فعلت ذلك لظننت أنى لا أصدقك» «1» .
242-
طلبوا ما طلبوا لا ليؤمنوا، ولكن ليحرجوا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وليعلنوا قوة جدالهم، وهم قوم خصمون كما قال الله تعالى، ولعل الذى يفضح حقيقة نياتهم قول الهاشمى ابن عاتكة بنت عبد المطلب: وأيم الله لو فعلت ذلك لظننت أنى لا أصدقك، فكأنه يصرح بأن التكذيب سابق للدليل، وأنه راكز فى النفوس لا يخرج منها، حتى بعد تلك الايات التى طلبوها، فلو استجيبت مازادوا إلا إعناتا، وكانوا كما حكى الله سبحانه وتعالى عنهم: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ.
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ.
وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ «2» .
ومطالبهم التى قدمت كانت للتعنت لا طلبا للدليل، فإن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم حق واضح فى ذاته، تبعه مؤمنون لما فيه من الحق، وقد صحبه الدليل الذى يثبت أنه من عند الله قرانا غير ذى عوج يهدى الضال، ويرشد السارى فى الظلام، وهو المصباح المزهر، الذى يعجز العرب وغير العرب عن أن يأتوا بمثله: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً «3» .
وخلاصة هذه المطالب أنهم:
1-
يطلبون أدلة مادية، طلبوا منه أن يوسع عليهم أرضهم، وأن يبعث أمواتهم.
2-
وطلبوا أن يبعث لهم ملكا يشهد لنبوته.
(1) راجع ابن جرير فى تفسير سورة الإسراء، وابن كثير كذلك، وراجع سيرة ابن هشام، والبداية والنهاية لابن كثير.
(2)
سورة الأنعام: 109- 111.
(3)
سورة الإسراء: 88.
3-
وطلبوا منه أن يجعل أرضهم القاحلة جنات، وفيها كنوز، وفيها قصور من ذهب وفضة، واتهموه كذبا بأنه يعلمه رجل من اليمامة.
4-
وطلبوا أن يسقط عليهم من السماء كسفا.
5-
وطلبوا منه أن يحضر سلما يرقى فيه إلى السماء، وأن ينزل ومعه كتاب فى قرطاس.
طلبوا ذلك لا ليؤمنوا ولكن ليحرجوه عليه الصلاة والسلام، ولو كانوا طلاب إيمان ما طلبوا أن ينزل عليهم كسفا من السماء، لأن ذلك يبيدهم، ولا إيمان بعد هذا الإنزال.
ولقد كان صادقا عبد الله بن أبى أمية بن المغيرة بن عمته عاتكة بعد أن طلب ما طلب أنه لم يعد بالإيمان إن جاء بما طلب، بل ختم القول بأنه لا يظن أنه سيصدق إن جاء.
وإن النبى عليه الصلاة والسلام لم يطلب إلى الله تعالى أن يجيبهم فيما طلبوا، بل رد طلبهم لأنه سبحانه وتعالى يعلم أنهم إن أجيبوا ولم يؤمنوا، فالهلاك كما هلكت عاد وثمود، والنبى صلى الله عليه وسلم يعلم أن شريعته باقية خالدة، وأن لها معجزة خالدة باقية بخلودها، فلا تناسبها معجزة تحدث ثم تنتهى.
وقد حدثوا أنهم لما سألوا النبى عليه الصلاة والسلام تلك الأسئلة وطلبوا تلك المطالب أوحى إليه «إن شئت أن تستأنى بهم وإن شئت أن تؤتيهم الذى سألوا، فإن كذبوا هلكوا كما أهلكت من قبلهم» فقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: «بل أستأنى بهم» .
ولقد روى أنهم قالوا للنبى عليه الصلاة والسلام، ادع ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبا ونؤمن لك، قال عليه الصلاة والسلام: وتفعلون ذلك، قالوا: نعم، فدعا، فأتى جبريل فقال:«إن ربك يقرأ عليك السلام، ويقول لك إن شئت أصبح الصفا لهم ذهبا، فمن كفر منهم بعد ذلك أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب الرحمة والتوبة، قال الرؤف الرحيم صلوات الله وسلامه عليه: بل التوبةو الرحمة» .
وإن مطالبهم والرد عليها قد سجلها القران الكريم فقد قال الله تعالى وهو أصدق القائلين:
وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً. أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ، فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً. أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً، أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا. أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ، أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ، وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ، قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا «1» .
(1) سورة الإسراء: 9- 93.
وقد أشار سبحانه وتعالى إلى هذه المطالب فى ايات أخرى، وبين أنهم لو جاءتهم لا يؤمنون فقال تعالت كلماته: وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ. فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ. أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ، مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ، وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً، وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ، فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ، وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ. وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ، لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ. وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ. وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا، وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ «1» .
طلبوا كل هذا لا ليؤمنوا، فقد سبق القول بالكفر، وإذا سبق الاعتقاد الباطل فى أمر فإن كل الاتجاهات لإثبات هذا البطلان، بالسلب إذا لم يأت لهم الدليل الذى يريدونه، وبالإيجاب بالإنكار وعدم الإقرار، فإن التعنت لا تزيده قوة الدليل إلا إصرارا، وكثرة الأدلة إلا لجاجة فى الإنكار.
وإن الله تعالى قد اختار لهم القران دليلا، ليعطيهم فرصة للتفكير، وهو يخاطبهم فى أمر الدعوة، وقد تتولد التوبة والغفران، أما الأدلة الحسية، فإنها تجيء دفعة، فإما العقاب وإما الإيمان، وفى الماضى عبرة فما جاءت اية من نوع ما يطلبون إلا كانت النتيجة هلاكا، ولم تكن إذعانا، لأنهم ما كانوا ليذعنوا بالحق، بل قد سبق التكذيب، وقد قال تعالى يشير إلى ذلك: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ، وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً، فَظَلَمُوا بِها، وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً «2» .
243-
ما كانت هذه الأسئلة، إلا لإظهار النبى عليه الصلاة والسلام بمظهر العاجز، وإذا ظهر عجزه فى زعمهم اتخذوا من ذلك ذريعة لمنع الناس عن اتباعه، وللوقوف ضد ينبوع الإيمان الذى يسرى، ولا ينقطع، ولكن هل تحقق ما أرادوا، لقد ثبت بذلك صدقه، وأنه لا يريد إلا الحق، والأتباع يزيدون ولا ينقصون ولا يرتد أحد، بل يزدادون إيمانا. وإنهم يحيلون موضع الجدل ايات، والقضية توحيد أو تعدد.
فهل يجادلون فى الله، وهو شديد المحال.
(1) سورة الأنعام: 4- 9.
(2)
سورة الإسراء: 59.