الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فقالت: رأيت رجلا، ظاهر الوضاءة «1» حسن الخلق، مليح الوجه، لم تعبه ثلجة، ولم تزر به صلعة، قسيم وسيم، فى عينيه دعج، وفى أشفاره وطف، وفى صوته صحل، أحور أكحل، أزج أقرن فى عنقه سطح، وفى لحيته كثافة اذا صمت فعليه الوقار، واذا تكلم سما، وعلاه البهاء، حلو المنطق، فصل لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، أبهى الناس وأجملهم من بعيد، وأحلاهم وأحسنهم من قريب، ربعة لا تشنؤه عين من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين «2» ، فهو أنضر الثلاثة منظرا، وأحسنهم قدا، له رفقاء يحفون به، وإن قال استمعوا لقوله، وإن أمر تبادروا إلى أمره محفود، محشود، لا عابس ولا مفند «3» .
164-
هذا وصف من رأوه، وهو يدل على ثلاثة
أمور:
[أمور]
أولها: جمال تكوينه الجسمانى
، وكمال التنسيق بين أعضائه، حتى انه لو أراد مصور أن يضع صورة لرجل مكتمل الجسم، منسق الخلق، ما وجد خيرا من هذه الصورة التى يصورها من رأوها، وكان لها روعة عند كل من رأوها، يستوى فى ذلك من خالفه وعانده، ومن أطاعه وصدقه، فهى صفات لها أثرها عند الناظر إليه، وهى تزيدا لموافق تصديقا، وتثير الحقد والحسد، ومحبة الأذى عند من يعانده استكبارا، فإن المكابر يزداد إعناتا، كلما رأى عوامل التأييد لنقيض رأيه تزداد وضوحا وإعلاما، وخصوصا إذا كان صدقا ثابتا بالمعاينة، وليست خبرا يقبل الإنكار.
وإن قريشا كانت تعلم فيه ذلك التكوين، ولذلك لما أرادت أن تعوض أبا طالب عن ابن أخيه قدمت له أنهد فتى فى قريش، ولكن أنى يكون من محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم نور الإنسانية ورسولها.
الأمر الثانى- أن قلبه الطاهر كان يشع على وجهه بالنور
، فهو إذ يمشى يحف به النور الذى أضفاه الله تعالى عليه بتطهير قلبه، وتنوير نفسه بالخير، فكان كما قالت أم معبد «وضاء الجبين متلألئا بالنور، من غير استكبار ولا استعلاء، بل كان بين الناس متطامن النفس، دان إليهم، وهو فيهم كأحدهم، لولا فضل الرسالة، وما جعله الله تعالى له من مكان ليصل القول الطيب إلى أمته» .
الأمر الثالث- شدة جاذبيته صلى الله تعالى عليه وسلم
مع الهيبة التى تفرض قولها على الناس، ومع كمال المحبة واستشراف النفس المحبة إليه، أو النفس الخالية من ضغن أو حقد، أو إعنات فى المخالفة، فإن النفس التى تكون على هذه الشاكلة توجد فيها مقاومة للتأثير النفسى الذى يتجه إلى البراءة، وإنها
(1) الوضاءة الجمال، وأبلج الوجه معناه مشرق، والثلجة كبر البطن، والصعلة صغر الرأس، والقسيم والوسيم من سلامة التكوين، والدعج شدة سواد حبة العين، والوطف طول رمش العينين، والصحل بحة يسيرة تجعل للصوت تأثيرا.
(2)
غصنان هما الاثنان اللذان يحيطان به أبو بكر، والدليل.
(3)
محفود أى مخدوم، ومحشود معناه أن من معه يحيطون به، ومعنى عير مفند لا يجابه غيره بالتخطئة والمخالفة.
تكون مدنسة بالشر قد سكنها الشيطان وغلبت عليها وساوسه، فالقلب لا يصدق، ويكون ممن جحدوا بها، واستيقنتها أنفسهم، ولقد كان المشركون يعرفون قوة تأثيره الشخصية، فوق ما معه من حق وبينات تثبت صدق ما يأتي، ولذلك كانوا يسبقون إلى قبائل العرب ينفرونهم، لكيلا يؤثر فيهم بشخصه وقوله، وبينات الله تعالى التى أجراها على يديه، ونزل بها الوحى الإلهى.
ومع كبر ما صنعوا، لم ينفر الناس من الاستماع إليه، والانعطاف، لأن الحق بين، والحجة قائمة، والداعى تنجذب إليه النفوس، وتصغى إليه أفئدة طلاب الحق الذى لا يمتارون فيه إن وجه إليهم ودعوا إليه.
170-
وكان كل شيء فى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يعلن قوته وجماله وكماله، فكان فى شكله الشاب وقد تجاوز الستين من عمره، لم يكن فيه شيب. بل كان أسود الشعر، حتى عد الذين خالطوه من صحب وخدم شعرات شيبه فذكروا أنه لم يشب فى لحيته ورأسه إلا عشرون شعرة، وعدها خادمه أنس رضى الله عنه بأنها إحدى عشرة، حتى أنه كان يوصف بالشاب. وقد تجاوز الستين فى أصح الروايات عن سنه، وإذا كان تغيير فى بعض شعره ظن خضابا فإنه لم يكن خضابا، وإنما كان من كثرة ما يضمخ به شعره من مسك، فقد كان يحب الطيب، وقد روى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:«حبب إلى من دنياكم ثلاثة: النساء، والطيب، وجعلت قرة عينى فى الصلاة» .
ونرى أنه عليه الصلاة والسلام جعل الصلاة من الدنيا، إذ وصفها مما حبب إليه من شئون الدنيا، لأن الصلاة مع جانبها الروحاني، ومع أن فيها ذكر الله تعالي، هى تصلح الدنيا، لأن الصلاة تربى الضمير، وترهف الوجدان، فتنهى عن الفحشاء والمنكر، وبذلك تصلح شئون الدنيا والاخرة معا.
وإنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان حريصا على الطيب يتطيب به دائما، حتى أنه كان ينبعث عرف الطيب فى مجلسه، ولقائه، وفى مظاهر حسه، وكان إذا مس رأس طفل استمر العرف الطيب فى رأسه، وإنه ليعرف أن الرسول مر فلمس طفلا بالريح الطيب.
ولا شك أن العرف الطيب تستروح به النفس، ويقبل معها الجليس، وتنجذب إليها النفوس، وإن الرائحة الكريهة تنفر، وتبعد.
وكان عليه الصلاة والسلام يعنى بالنظافة فى المظهر، كما عنى بتطهير المخبر، كان يعنى بنظافة الحس، كما عنى بنظافة النفس، ولنترك الكلمة للقاضى عياض يبين ذلك.. فقد قال:
وأما نظافة جسمه وطيب ريحه وعرفه، ونزاهته عن الأقذار، وعورات الجسد، فقد خصه الله تعالى بخصائص لم توجد فى غيره، ثم تممها بنظافة البشرة وخصال الفطرة وقال:«بنى الدين على النظافة..»
عن أنس خادم رسول الله «ما شممت عنبرا قط، ولا مسكا ولا شيئا أطيب من ريح رسول الله