الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وضماد هذا كان رجلا يقول للعرب أنه يرقى من به مس من جنون أو سحر، فيشفى، فأراد سفهاء مكة المكرمة، أن يحسنوا النكاية بمحمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فجاء سفهاء من مكة المكرمة، ودعوه ليعرضوا عليه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وقالوا له إنه مجنون.
جاء ضماد فقال: أين هذا الرجل الذى تقولون عنه إنه مجنون لعل الله تعالى أن يشفيه على يدى.
لقى محمدا صلى الله عليه وسلم فقال: له إنى أرقى من هذه الرياح، وإن الله يشفى على يدى من شاء فهلم إلى.
فقال محمد صلى الله عليه وسلم: «إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، أشهد ألاإله إلا الله واحده لا شريك له» ثلاث مرات.
قال ضماد متأثرا وقد فتح الله قلبه للإيمان «والله لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل هؤلاء الكلمات، فهلم يدك أبايعك على الإسلام» فبايعه على الإسلام، ويروى أنه عندما سمع كلام النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال له «أعد علىّ كلماتك هؤلاء فقد بلغن السحر» .
تلك كانت أحوال من يدخلون فى الإسلام، كانوا فرادى ولم يكونوا جماعات إلا ما قيل عن بنى غفار، وكانوا قليلا ولكنهم كانوا يزيدون ولا ينقصون، وكانوا من بيوت مختلفة، وشعب متفرقة، وتجاوزوا حجزات مكة المكرمة. فماذا تصنع قريش؟
المناوأة
225-
توقع ورقة بن نوفل معركة تقوم بين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وقومه بسبب ما أوحى الله تعالى إليه والقيام بأداء الرسالة التى كلفه ربه أن يقوم بها، لأنه ما من أحد جاء قومه بمثل ما جاء به إلا عودى، وقد كان محمد صلى الله عليه وسلم كريما عند قومه، حبيبا إليهم يألفونه، ويثقون به الثقة المطلقة، حتى خاطبهم بما اتاه الله تعالى، فانقلب أكثر من بمكة المكرمة مخالفين، ثم مناوئين لدعوته، مستنكرين لها ابتداء، ومقاومين ومعادين، ومضطهدين فى الجملة لمن اتبعوه.
وذلك لأنهم فوجئوا بهذه الدعوة إلى الحق، ولم يكونوا متوقعين لها، ومن محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، والمفاجأة بتغيير أمر مألوف تولد الإنكار ما لم يكن ثمة أمر متوقع يقع.
وإن أمر رسول الله يجئ فى بنى إبراهيم وكان ذكره خارج مكة المكرمة، ولم يكن يتردد كثيرا بين أهلها، وأهلها قوم ماديون، لا يعنيهم إلا أمر التجارة، وأمر الحج، ولعل الحج لا يعنيهم إلا لما يعلون به من
شرف بين العرب، واستعلاء عليهم، وشعور بأن العرب لهم تبع، وهم السادة فى بلاد تصعب السيادة فيها، وبين أقوام لا يعترفون برياسة إلا ما يكون من قبل ذلك البيت المعظم، الذى كرمه الله تعالى، وجعله حرما امنا تجبى إليه ثمرات كل شيء.
ولا يهمهم من جوار البيت إلا ذلك الشرف الذى يكتسبونه من الجوار وأنه محل تجارة العرب، كما هو محل نسكهم، وأمنهم، إذ الناس فى خوف وتقاتل، فكانوا بالإقامة فى البيت امنين من ناحية المال إذ هو سبيل تجارتهم، وهو مأمنهم، كما قال الله تعالى: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ. رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ. فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ. الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ، وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ «1» .
وإذا كانت المفاجأة التى لم يكونوا متوقعين لها قد دفعتهم إلى المبادرة بالإنكار، فقد ساروا فى طريقه، وانتقلوا من الإنكار إلى الاستنكار، وهو مرتبة أعلى من الإنكار المجرد،، لأن الإنكار المجرد أمر سلبى، قد يجيء من بعده الإيمان إذا جاء الدليل، أما الاستنكار فهو عمل إيجابى معناه أنه ينكر الحق، ويستنكر الدعوة إليه، ثم اندفعوا من بعد الاستنكار إلى المناوأة، وكل ذلك من المفاجأة، وقد تدفع المناوأة إلى الجحود، ويدفع الجحود إلى الكفر ثم الايذاء.
226-
والدعوة المحمدية التى فوجئوا بها هى تغيير لما هم عليه، ألفوا عبادة الأوثان من غير إيمان قوى بها، ولكن كانت عباراتهم تتلوى بتقديسها يتوهمون فيها أوهاما، وبسيطرة هذه الأوهام يشركونها فى عبادة الله تعالى، وهم يعلمون أن الله تعالى خالق السماوات والأرض.
والذين يميلون إلى المال، ومجرد الاستعلاء بين الناس لا يحبون التغيير بل يحبون الحياة الرتيبة السهلة التى لا تبديل فيها، ولا انقلاب ولا تقلب فى المذاهب والأفكار، وليس فيهم شاغل بهذا، ولذلك كان جوابهم عندما يدعوهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ «2» ، ويحكى سبحانه وتعالى عنهم فيقول تعالت كلماته: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا، أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ «3» .
ألفوا الشرك، ولم يألفوا التوحيد، ولو كان الحق ساطعا، والبرهان قائما، واستمسكوا بالأصنام، وهم لا يؤمنون بها، يحطمونها ويعبدونها، ويغيرون حجرا بحجر،. وإن كانت الأسماء لا تتغير، ولكنهم لا يتركونها إلى غير ما يألفون، ولقد توقعوا ما عرفوا من أخلاق محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام،
(1) سورة قريش: 1- 4.
(2)
سورة البقرة: 170.
(3)
سورة لقمان: 21.
ومن معاملاته أنه سيدعوهم إلى تحريم الخمر، وهم يعاقرونها، لأنه لم يذقها فى الجاهلية، وقد جاء القران الكريم بأنها ليست رزقا حسنا وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً «1» فجعل الرزق الحسن مقابلا للسكر، فكانت إشارة إلى قبحه، والربا كان جزا من تجارتهم، وعلموا من تجارة محمد صلى الله عليه وسلم أنه لا يزاوله ولا يرتضيه، والقران الكريم يتلى بينهم بالإشارة إلى تحريمه، إذ يقول سبحانه: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ، وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ «2» .
فدل هذا بصريح العبارة أن هذا الدين الجديد الذى جاء به محمد عليه الصلاة والسلام عليهم سيزعج الربويين الذين يستغلون أموالهم بالربا، يدفعونه دينا ويأكلون من ثمرات تجارة غيرهم ربا، وكان فيهم كبراء أثروا من هذا الباب، وحسبوه كالبيع، وقالوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا «3» .
وهكذا حسبوا أن ذلك الدين سيقلب عامة أمورهم، فعاجلوه بالإنكار، ولقد صور هذا الحال جعفر بن أبى طالب فى حديثه مع النجاشى، وإليك القصة كما جاءت فى الصحاح فى المجاوبة بين مهاجرة الحبشة، ولسانهم الناطق جعفر.
قال النجاشى:
هذا الكلام يصور بعض التصوير التغيير الذى رأوه فى عاداتهم، فتجردوا لمناوأته، وأخذ الطريق عليه إن استطاعوا.
ومما دفع إلى مبادرتهم بالإنكار غرابة الأمر فى ذاته عليهم، ما كانوا يؤمنون بأن هناك يوما اخر يحاسب فيه المحسن على إحسانه والمسيء على إساءته، وأنها للجنة أبدا أو للنار أبدا، ولقد أكد ذلك النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عندما وقف لينذر قومه بعد أن أمره ربه، فقد جاء فى تلك الخطبة تأكيد لليوم
(1) سورة النحل: 67.
(2)
سورة الروم: 39.
(3)
سورة البقرة: 275.
الاخر، لأنه عليه الصلاة والسلام يعلم أنهم عنه غافلون «والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتجزون بالإحسان إحسانا، وبالشر شرا، وإنها للجنة أبدا أو للنار أبدا، وإنكم لأول من أنذر بين يدى عذاب شديد» .
إن المشركين من العرب كانوا قوما ماديين لا يؤمنون إلا بالحس، يعرفون الله، ولكن يصورون حجارة ليعبدوها فلا يعبدونه سبحانه، وهو غيب عنهم، فكان كل هذا غريبا، ومن يستغرب من غير دليل، ينكر، ثم يستنكر من غير دليل أيضا، ولقد حكى الله تعالى عنهم فى إنكار اليوم الاخر وما يكون:
وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ، أَإِذا كُنَّا تُراباً، أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ. أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ، وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ، وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ «1» .
ويقول سبحانه وتعالى فى استغرابهم الخلق من جديد: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ «2» .
ولجهلهم بالنبوات أثار عجبهم، والغرابة فى نفوسهم أن جاءهم بالرسالة عن الله تعالى رجل منهم يدعو إلى الله سبحانه، ولو كانوا يعلمون أن الرسول لا يكون إلا رجلا يمشى بين الناس ما ثار عجبهم لكونه رجلا، ولقد قال قائلهم فى الدعوة إلى التمسك بالحجارة: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ، إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ. ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ، إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ. أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا، بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي، بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ «3» ، وهكذا كانت من أسباب غرابتهم بشرية الرسول، لأنهم أميون لم يعرفوا الرسالة، ولم يدركوها من قبل.
ولقد قال الله تعالى عنهم: وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ، لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ، فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً. أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ، أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها، وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً «4» .
فجهلهم بالنبوات والرسلات، وعدم وجود أنبياء بينهم علموا منهم رسالات الله تعالى إلى خلقه، وأن الرسل قوم من البشر، جعلهم يستغربون أن يكون الرسول بشرا سويا يأكل مما يأكلون، ويشرب مما يشربون، وإذا كان الأمر غريبا عليهم، فقد كان حقا عليهم أن يتعرفوا الحقائق لتزول الغرابة عنهم، ويستأنسوا بنور النبوة، ولكنهم عاندوا فلج بهم العناد، فكان منهم الجحود والكفران.
(1) سورة الرعد: 5.
(2)
سورة يس: 78.
(3)
سورة ص: 6، 7.
(4)
سورة الفرقان: 7، 8.
227-
وإن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم بهذه الدعوة التى تسوى بين الغنى والفقير، وتوجب حقا للفقير فى مال الغنى- قد مس كبرياءهم وهز مراكزهم هزا عنيفا، وأحسوا بالأرض تميد من تحتهم إذ أن ذوى الأنساب منهم يستعلون بأنسابهم، ويحسبون أنهم الأشراف واحدهم، والناس دونهم، وهم الأعلون وغيرهم الأدنى، فكان لابد أن يقاوموا ذلك الداعى الجديد الذى يقول بلسان المقال وبلسان الفعال «لا فضل لعربى على أعجمى إلا بالتقوى، وأن الجنة لمن أطاع، ولو كان عبدا حبشيا، والنار لمن عصى، ولو كان شريفا قرشيا» فهو يأخذ بنواصى الأقوياء ليضعها بجوار رؤس الضعفاء، وقد لمحوا ذلك فى أتباعه، فقد رأوا أبا بكر نسابة العرب ومألف قريش، يكون بجوار بلال وعبيد أبى بكر نفسه، لا يفرق بينهما إلا فضل الإيمان، فهو مقياس الشرف والضعف، والإكبار والإصغار.
بلا شك هذه مباديء اجتماعية لا يقبلها شرفاء مكة ورؤساؤها، ومحمد عليه الصلاة والسلام لابد منفذها، لأنه كان ينفذها قبل أن يكون نبيا رسولا، فكيف لا ينفذها، وقد نزل الوحى عليه، وجعلها هو نظاما واجب الاتباع، من لم ينفذه إن لم يعاقب اليوم فالنار الموقدة تلقاه يوم القيامة، ويلقى به فى السعير.
وقد قوى هذا أن الضعفاء أقبلوا على ما يدعو إليه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم غير نافرين منه، بل كانوا مستجيبين أشد الاستجابة، وابتدأ الأقوياء الذين دخلوا فى الإسلام يعاملون الرقيق، كما يعاملون الأحرار.
إذن لابد من مقاومة ذلك التيار الذى جاء مع الدعوة، ولا يتركونه حتى ينمو، ويستغلظ ويستوى على سوقه، ويكون قوة تقوض ما تحت أيدى قريش من شرف وهمى، وسلطان استمدوه من ذلك الشرف الواهن فى بنيانه.
ثم إنهم كانوا الرؤساء الأعلون، ولهم شبه سلطان، وإنه إذا ذاع دين محمد عليه الصلاة والسلام، وصار السلطان للحق واحده، وحكمت المساواة، وذهبت المنازعات القبلية، فمحمد ذو السلطان، ويسلب كل ما لهم من سلطان، وما بنوه من مجد طريف وتالد ينهدم بين أيديهم، لأنهم يبنون سلطانهم على أنهم ذرية إسماعيل وضئضيء إبراهيم وها هو ذا يدعوا إلى ديانة إبراهيم، ويقول فى غير عوجاء ولا لو جاء، هذه ملة إبراهيم حنيفا، وما كان من المشركين، فأنى يكون لهم من بعد ذلك، لابد إذن من اقتلاع دعوة محمد عليه الصلاة والسلام من جذورها، والقضاء عليها فى مهدها.
ثم إن بعض الكبراء منهم كانوا ينفسون على محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، ويتسائلون لماذا كانت له تلك المنزلة علينا، ونحن أولى بها منه.
وقد ذكر ذلك الوليد بن المغيرة، وادعى أنه أولى بالنبوة وأنه أكثر مالا وأعز نفرا، ومثل ذلك عروة ابن مسعود الثقفى، ونزل فيهما قوله تعالى: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ
الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ. أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ. وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ. وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ. وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ «1» .
228-
وفوق ما ذكرنا كله- العصبية العربية الجاهلية التى كانت مستمكنة فى النفس العربية يتوارثونها جيلا بعد جيل، فالعرب تنفس على قريش مكانتها، وقريش تنفس على بنى قصى ما لهم من مكانة، وبنو قصى وغيرهم ينفسون على بنى عبد مناف، وبنو أمية ينفسون على بنى هاشم رياستهم للعرب، وكونهم فى المكانة العليا من سدانة البيت والقيام عليه، فهاشم ورث الرياسة من عبد مناف، وعبد المطلب أخذها عن هاشم، وأبو طالب ورثها عن عبد المطلب.
فالدعوة الإسلامية تعرضت لعداوة من عادوا قصيا، وتعرضت لمن عادوا عبد مناف، ثم تعرضت لمن كانوا أعداء لبنى هاشم، ومن كل هؤلاء تكونت المقاومة، ولعل أمثل صورة لهذه العداوات مجتمعة هو عمرو بن هشام الذى اشتهر فى الإسلام باسم أبى جهل، وهو به جدير. فقد كان فرعون هذه الأمة، وإن لم يكن فرعون فى مثل سفهه وحنقه ورعونته.
لعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أبا جهل فناداه بكنيته أبا الحكم قائلا له: «هلم إلى الله وإلى رسوله أدعوك إلى، فقال أبو جهل: يا محمد، هل أنت منته عن سب الهتنا، هل تريد إلا أن نشهد أنك قد بلغت، فنحن نشهد أنك قد بلغت، فو الله لو أنى أعلم أن ما تقوله حق لا تبعتك» .
مناقشة هادئة، كلها حكمة من محمد عليه الصلاة والسلام، إذ أنه يناديه بكنيته يا أبا الحكم، وهى عجرفة من جانب عمرو بن هشام (أبى جهل) فبينما النبى عليه الصلاة والسلام يناديه بكنيته، لا يناديه بمثلها، بل يقول فى جفوة يا محمد.
وليس هذا هو المهم، إنما المهم أنه قال لمحدثه بعد انصراف النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
«والله إنى لأعلم أن ما يقول حق، لكن يمنعنى شيء، إن بنى قصى قالوا: فينا الحجابة، فقلنا:
نعم، ثم قالوا: فينا السقاية، فقلنا: نعم، ثم قالوا: فينا الندوة، فقلنا نعم، ثم قالوا: فينا اللواء، فقلنا نعم، ثم أطعموا وأطعمنا، حتى إذا تحاكت الركب قالوا منا نبى، والله لا أقبل» «1» .
(1) البداية ج 3 ص 65.
كانت قبائل قريش تأخذ على بنى قصى أنهم جمعوا فى أيديهم الحجابة للبيت الحرام، والقيام على شئونه، وذلك شرف ليس فوقه شرف، وسقاية الحجيج، وذلك يذيع ذكرهم ويعلن اسمهم، والندوة، وهى شورى العرب، فكانوا بذلك رؤساءهم، وهم الذين يحملون لواء قريش، وهذا كله إثارة للعرب عليهم، ثم انحدرت هذه المنافسة إلى معاداة الحق الذى يأتى به أولاد قصي، وبنو هاشم على رأسهم، وقد ورثوا عنه بعض ما أخذه من قريش.
وإذا كانت قريش كلها تنفس على بنى قصى ما أخذوا أو يحسدونهم فبنو عبد مناف كانوا من بينهم يختصون بالحقد عليهم لأنهم الذين ورثوا شرف قصى، وما كان معه، ولقد ظهر ذلك على لسان فرعون هذه الأمة أبى جهل.
لقد سمعوا القران الكريم سرا، وكانوا هم الأعداء الذين قد أصيبوا بلدد الخصومة، ثم تذاكروا بعد السماع وقد تأثروا، وقد قال أحدهم لأبى جهل: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد، فقال حانقا:«ماذا سمعت، تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا وأعطوا فأعطينا، حتى تحاذينا على الركب، وكنا كفرسى رهان، قالوا: منا نبى يأتيه الوحى من السماء، فمتى ندرك مثل هذه، والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه «1» .
وإذا كان أبو جهل يمثل أعنف وأحمق معارضة للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فهو فى معارضته أوضح صورة للعصبية الجاهلية، التى تضع على البصائر غشاوة، فتعمى عن الحق، ولا تدركه، بل تدركه، ولا تذعن له، وترضى بالرديء الوبيء عن الحق الصادق المريء.
نسوق هذه الأمور، لا لنبرر بها ذلك الموقف الجاهلى الذى وقفه أعداء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، أو إن شئت فقل خصومه الذين حاربوه وأعنتوه فى الخصومة والمعاندة، ثم عادوه، وكانوا شياطين الإنس الذين ذكروا فى القران الكريم على أن الله تعالى يجعل لكل نبى يبعثه عدوا من شياطين الإنس، ليكتب الله تعالى له ثواب الجهاد والمصابرة..
ولكن سقناه لنعلل الوقائع بأقرب أسبابها، ولكى تزول كل غرابة فى معاداتهم للحق، وقد بدا وضحه، وليعرف الباحث البواعث الحقيقية لتلك اللجاجة فى العداوة التى ذهبت بهم إلى الإيذاء، وأسرفوا بها فى القول، وأثاروا نيران البغضاء، والواقع أن البغضاء للدين كانت مستكنة فى نفوسهم، واستيقظت بقوة دعوة محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام.
(1) سيرة ابن هشام ح 1 ص 316 طبعة الحلبى.