الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مدبر الكون يجرى الأمور على مقاديرها بما قدره سبحانه وأراده، وعلى ما ارتضاه من نظام لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، وَهُمْ يُسْئَلُونَ «1» .
73-
سقنا هذا الكلام لتوضيح أن محمد بن عبد الله قد كان وجوده بركة على قومه من وقت أن علقت به أمه إلى أن قبضه الله تعالى إليه، وأن البركة التى اتاها الله تعالى لقومه مباشرة من وقت العلوق به فى بطن أمه، كانت خيرا على الإنسانية كلها، لأنها حمت البيت الذى كان أول بيت للناس، وهو كعبة المسلمين. وهو المكان المقدس الذى قدسته الأديان كلها كما أسلفنا من قبل.
وقد كان إنقاذ البيت، وهو فى بطن أمه، إذ أن أبرهة ملك الحبشة واليمن أراد اقتلاع البيت من مكة وهدمه، وأن يا بنى بدله فى اليمن ليكون ذلك البيت الجديد هو مزار العرب، ومثابتهم وأمنهم كما كان البيت، وفى ذلك مصادمة لدعوة إبراهيم عليه السلام، إذ يقول رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ، رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ، فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ، وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ «2» .
وقد استعد بخيله ورجله من قبل الحمل بالنبى، وساور مكة وأمه حامل به، وقد ردهم الله مدحورين ببركة الجنين الذى بعثه الله تعالى برسالة تشرف البيت الحرام وتحميه، ولنعرج على ذلك بكلمة موضحة موجزة.
أصحاب الفيل
74-
ال أمر اليمن إلى رجل من الحبشة اسمه أبرهة، وصار لها حاكما بأمره، وبنى بها كنيسة فخمة بصنعاء سماها القليس، وأراد أن يحج إليها العرب، وخاصة النصارى منهم، فلم يؤثروها على البيت الحرام، ولم يستبدلوها به، وبعد بنائها بعث إلى النجاشى بالحبشة، وهو لا يزال يعتبر نفسه تابعا، وجاء فى هذا الكتاب «إنى بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها لملك قبلك ولست بمنته حتى أصرف إليك حج العرب» .
ولكن رجلا من العرب أدرك هذا المراد. فأراد تحقيرها، وأحدث فيها شيئا استهانة وسخرية.
فلما رأى أبرهة احتقار العرب لها، واستمرارهم على الذهاب إلى البيت الحرام من غير وناء ولا تقصير لم يجد بدا لتنفيذ إرادته إلا أن يهدم البيت الحرام بجيش يسيره مجهزا بأعظم عدة، وخرج بالفيل الذى يستخدمونه فى الحرب مع الإبل والخيل.
(1) سورة الأنبياء: 23.
(2)
سورة إبراهيم: 37.
أفزع ذلك العرب وأعظموه، ورأوا مدافعته حقا عليهم، فنفر منهم نفر بقيادة بعضهم وهاجموا أبرهة، ولكنه هزمهم، ومضى قاصدا البيت الحرام، لا يقاومه أحد من العرب إلا هزمه، واستمر سائرا لا يلوى على أحد من العرب إلا أخضعه.
وصل إلى الطائف، وقد رأوا ما حل بغيرهم فمالأوه، وخصوصا أنهم كانوا ينفسون على قريش ما كسبوه من شرف لقيامهم على سدانة البيت، وحاولوا أن يجعلوا مكان تقديسهم بيتا بنوه للات إلههم المزعوم.
أهم الأمر من بمكة من قريش وكنانة وهذيل، وسائر من كان بها، وعلموا أنه لا قبل لهم بمقاومته لما عنده من قوة، ولأن الانتصارات المتتالية فى طول طريقه إلى مكة زادته قوة، وزادتهم خوفا، فسكتوا حتى يكشف المخبوء فى قدر الله تعالى.
ولعل الفزع قد غلب عليه مما علم من منزلة للبيت فى الكتب المقدسة، ومنها كتب النصارى التى أشارت إلى ذلك، فلم يرد أن يستمكن من البيت عنوة، بل أراد أن يسلمه له أهله، لا ليزيد بناءه، بل ليهدمه، فإن فعلوا كان ذلك مبررا فى زعمه.
ومهما يكن فإنه قد تردد فى القتال، أو أراد أخذه بسلام، فأرسل رسولا إلى مكة، وقال له: سل من سيد أهل هذا البلد وشريفهم، ثم قل له «إن الملك يقول لكم إنى لم ات لحربكم، إنما جئت لهدم هذا البيت، فإن لم تعرضوا له بحرب، فلا حاجة لى بدمائكم: فإن هو لم يرض إلا حربى فأتنى به» .
ذهب الرسول إلى مكة، وعلم أن سيد البلد وشريف مكة هو عبد المطلب بن هاشم فبلغه الرسول، فأجابه عبد المطلب إجابة سليمة، ولكن فى طيها إيمان بالله رب البيت، وذلك لا يخلو من إرهاب بقوة الله.
قال عبد المطلب للرسول: «والله ما نريد حربه، وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم، فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمته، وإن يخل بينه وبينه فو الله ما عندنا دفع عنه» .
كان هذا الكلام السهل اللين يخفى فى نفسه إنذارا شديدا لرجل كتابى نصراني، لأنه بهذا الكلم اللين ينبهه إلى أنه لا يحارب أحدا من أهل مكة إنما يحارب الله، ويهدم بيتا بناه بأمر الله أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام، فهو مع هذا اللين يتضمن تهديدا يروّع من كان عنده اعتقاد بالله، وإيمان برسالته.
وقد كان بلا ريب لذلك الكلام وقعه، ومن الكلام الهادىء ما يفعل فى النفوس ما لا تفعله المقاومة بالسيوف، وخصوصا إذا كان الكلام لمن تعود الانتصار فى الحروب، وهزيمة من يدافعه، إذ فى هذا الكلام تهديد بحرب لم يألفها ولم يعرفها، وهى حرب الله، وحرب أبى الأنبياء.
75-
استاق جيش أبرهة إبلا لعبد المطلب، وقد طلب هو لقاءه فلقيه ليؤكد ما قاله لرسوله بالقول المتضمن فعلا، إذ قرر أن يطالبه برد الإبل التى استاقها جيشه بعلمه أو بغير علمه.
التقى عبد المطلب المهيب غير المرهوب بعد أن علم أبرهة قوله.
ولقد كان عبد المطلب من أوسم الناس وأجملهم وأشدهم هيبة، فلما راه أبرهة أجله وأكرمه، فنزل عن سرير ملكه وجلس بجواره، ثم قال له بلسان الترجمان:
قل حاجتك. فقال للترجمان: حاجتى أن ترد لى إبلى، مائة بعير أصابها، فقال أبرهة: كنت أعجبتنى حين رأيتك، ثم زهدت فيك حين كلمتنى. أتكلمنى فى مائة بعير لك، وتترك بيتا هو دينك ودين ابائك قد جئت لهدمه لا تكلمنى فيه.
فقال عبد المطلب- يضع أبرهة أمام الله تعالى وجبروته الذى فوق كل جبروت: أنا رب الإبل، وإن للبيت ربا سيمنعه. قال أبرهة، وقد غلب عليه الفزع: ما كان ليمتنع منى. قال عبد المطلب: أنت وذاك.
لا شك أن عبد المطلب يهدده بالله، أولا بتأكيد أن الله مانع البيت، وثانيا بأن قال له أنت وذاك، كان التهديد واضحا، وإن كان هادئا، ولعل الذى قوى وقعه هدوءه، فالهدوء يخاطب النفس فتعتبر، وخصوصا لمن تعود الانتصار المادى الذى يكون فيه إيمان فى الجملة بالغيب، وأبرهة نصرانى.
عندئذ تحقق رجاء عبد المطلب فى ربه، وتحقق أمر الله ببركة الجنين الذى حله فى بطن أمه، وهو سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم.
أرادوا بالفيل أن يسير متجها إلى البيت الحرام، فوقف ولم يسر إليه وحبسه الله تعالى عنه، فوجهوه إلى اليمن، فاتجه، فوجهوه إلى الشام فاتجه، ثم أرادوا أن يوجهوه إلى البيت، فامتنع «1» ، ولهذا كانت إرادة الله أن ينجو البيت ببركة الجنين المستكن فى الغيب المستور.
ولو أن أبرهة اعتبر واعتزم العودة إلى اليمن لرضى من الغنيمة بالإياب، ولكنه اعتزم تنفيذ نيته، فلم يبق إلا أن يأخذه الله تعالى أخذ عزيز مقتدر، فأرسل الله تعالى طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل، كما قال سبحانه وتعالى فى سورة الفيل: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ. أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ. وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ. تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ.
فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ «2» .
(1) الاكتفاء ج 1 ص 1- 5. 132، 133، 134 ومن تاريخ البداية والنهاية لابن كثير.
(2)
سورة الفيل: 1- 5.
أتتهم رياح عاصفة، ومعها طير جاء جماعة بعد جماعة، ترميهم بحجارة صلبة شديدة قوية تنفذ فى الجسم، لا تبقى فى ظاهره، بل تدخل فى باطنه، وراء جلده، وقد جعلتهم كعصف مأكول، أى كبقل أكل لبه، وبقى قشره، وقد قال علماء الأخبار أن تلك الحجارة الصلبة التى أرسلها الله تعالى بريح عاصف كانت صغيرة تشبه حب العدس، وأن الطير كان يحملها فى منقاره، وفى رجليه.
ولقد قال بعض الكتاب إنهم أصيبوا بالجدرى قرح أجسامهم، ولعل جرثومة ذلك الداء الوبيل كانت فى الأحجار التى رمتها الطيور التى جاءتهم وباء وبلاء، وإهلاكا، وقد كادوا من الشر كيدهم، ودبروا بالفساد أمرهم، وتحدوا بيت الله وهو أول بيت وضع للعبادة، والذى كرمه الله وباركه.
وليس عندى ما يمنع أن يكونوا قد أصيبوا بالجدرى بما رماهم الله تعالى به، فقد قال ابن إسحاق فى سيرته «حدثنى يعقوب بن عيينة أنه أول ما رميت الحصبة والجدرى بأرض العرب كان فى ذلك العام» هذا كلام مقبول إذا قلنا أن الحجارة كانت تحمل معها جرثومة هذه الأمراض الفتاكة، ولكن ما لا يقبل هو القول بأن الطير هى جراثيم ذلك المرض، لأن هذا يكون مخالفا لنص الاية الكريمة، إذ أن نص الاية الكريمة يفيد أن الطير رمتهم بحجارة قوية شديدة.
76-
إن ذلك العذاب الأليم الذى أصابهم فى الدنيا، فبعد أن أرسل الله تعالى عليهم الطير الذى جاء جماعة بعد جماعة، ورماهم بالحجارة الجامدة التى كانت تنفذ إلى جسمهم، وتضع فيه جراثيم الأمراض الوبيلة كالحصبة والجدرى، وصاروا يتساقطون فى الطرق، ويهلكون كل مهلك، وقد وصف حالهم ابن إسحاق فقال:«خرجوا يتساقطون ويهلكون بكل مهلك على كل منهل، وأصيب أبرهة فى جسده، وخرجوا به معهم يسقط أنملة بعد أنملة، كلما سقطت أنملة أتبعتها منها مدة (صديد) تمت قيحا ودما، حتى قدموا به صنعاء، وهو مثل فرخ الطائر، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون» .
عاد من حيث خرج، ولكن فرق ما بين العودة والخروج، إنه فى الخروج، كان قويا فى بدنه مغرورا فى نفسه يصحبه جيش لجب، يحسب أن لن يغلبه أحد، وقد غلب من قاومه حتى إذا جاء إلى رحاب الله يتحدى الله تعالى فى بيته، ويريد هدمه، وقد جعله الله تعالى مباركا، عاد مذموما مدحورا، مقصوص الجناح، لا مجازا ولكن حقيقة، فقد تقرح جلده، وتساقط، وذهب تدبيره كله فى ضلال العماء.
وقد استجاب الله تعالى لعبد المطلب، وهو اخذ بحلقة باب الكعبة يقول:
لا هم أن العبد يمنع
…
رحله فامنع رحالك
لا يغلبن صليبهم
…
ومحالهم غدرا محالك