الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فاستوهبهم منه عبد الله بن أُبي، رأسُ النفاق وزعيم المنافقين وكانوا حلفاءه فوهبهم له.
وأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروه بها، فخرجوا إلى أذرعات بالشام، ولم يبقوا هنالك طويلاً حتى هلك أكثرهم.
العنصر الثاني: ولا يحيق المكُر السيئ إلا بأهله
.
عباد الله! لم يعتبر باقي اليهود بما أصاب كفار قريش في بدرٍ من القتل والأسر، ولا بما أصاب بني قينقاع من الجلاء عن المدينة.
فأخذ اليهود في المدينة يمكرون بالإِسلام والمسلمين مكراً سيئاً.
قال تعالى: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30)} [الأنفال:30].
وقال تعالى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54)} [آل عمران: 54].
ومن هؤلاء اليهود الذين مكروا بالإِسلام والمسلمين مكراً سيئاً كعب بن الأشرف، وكان هذا اليهودي من أشد اليهود حنقاً على الإِسلام والمسلمين، وإيذاءً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتظاهُراً بالدعوة إلى حربه.
وهذا اليهودي كان من يهود بني النضير، وكان غنياً مترفاً، معروفاً بجماله في العرب، وكان شاعراً من شعرائها.
ولما بلغه أول خبرٍ عن انتصار المسلمين، وقتل صناديد قريش في بدرٍ قال: أحقٌ هذا؟ هؤلاء أشرافُ العرب، وملوكُ الناسِ والله! إن كان محمدٌ أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خيرٌ من ظهرها.
عباد الله! ولما تأكد لديه الخبر، انبعث عدو الله يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، ويمدح عدوَّهم، ويحرضهم عليهم بل أخذ يتغزل بنساء الصحابة
في شعره، ولم يرض بهذا القدر حتى ركب إلى قريشٍ، فنزل على أحد أشرافهم وجعل ينشد الأشعار، يبكي فيها على أصحاب القليب من قتلى المشركين، يُثيرُ بذلك حفائِظهم، ويزكي حقدهم على النبي- صلى الله عليه وسلم، ويدعوهم إلى حربه، وعندما كان بمكة سأله أبو سفيان والمشركون: أديننا أحب إليك أم دين محمَّد وأصحابه؟ وأي الفريقين أهدى سبيلاً؟ فقال عدو الله: أنتم أهدى منهم سبيلاً وأفضل، وفي ذلك أنزل الله عز وجل:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (51) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52)} [النساء: 51 - 52].
ثم رجع كعب بن الأشرف اليهودي إلى المدينة على تلك الحال، وأخذ يشبب -أي يتغزل- في أشعاره بنساء الصحابة، ويؤذيهم بصلاقة لسانه أشد الإيذاء.
عباد الله! عندها قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: مَنْ لكعب بن الأشرف؟ فإنه آذى الله ورسوله، قال محمَّد بن مسلمة رضي الله عنه، أنا يا رسول الله.
عباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى قصة قتل هذا المجرم- كعب بن الأشرف اليهودي- الذي آذى الله ورسوله، ومكر بالمسلمين مكراً سيئاً، لتعلموا أن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله.
عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: "من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله؟ ".
فقام محمَّد بن مسلمة رضي الله عنه فقال: أنا يا رسول الله! أتحب أن أقتلهُ؟ قال صلى الله عليه وسلم: "نعم".
قال: تأذن لي أن أقول شيئاً (أي: ائذن لي أن أتكلم في حقك من أجل المصلحة).
قال صلى الله عليه وسلم: "قل".
فأتاه محمَّد بن مسلمة، فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صدقة، وإنه قد عنَّانا (أي أوقعنا في العنت والحرج وكلَّفنا ما لا نجد).
فقال كعبٌ- وقد بدى البِشْرُ على وجهه مما سمع من محمَّد بن مسلمة في حقِّ النبي صلى الله عليه وسلم: والله! لتمَلُّنَّهُ.
فقال محمَّد بن مسلمة: إنا قد اتبعناهُ، وما نريد أن نرجعَ عنه حتى نرى إلى ماذا ينتهي أمرهُ وشأنه، فَسَلِّفني وسْقاً أو وَسقين.
فقال كعب: نعم أرهنوني.
قال محمد بن مسلمة: ماذا تريد أن نُرهنك؟
فقال كعب: أَرهنوني نساءكمُ
قال ابن مسلمة: كيف نُرهنك نساءنا وأنت أجملُ العربِ؟
قال كعب: فارهنوني أبناءكم.
قال ابن مسلمة: كيف نُرهِنُك أبناءَنا، فيسبُ أحدُهم، فيقال: رُهِنَ بوسقٍ أو وسقين -أي هذا عارٌ علينا-.
قال كعب: فماذا ترهنوني؟
قال ابن مسلمة: نرهنك اللأمة - (يعني: السسلاح) - وأراد ابن مسلمة بذلك، أنه إذا جاءه بعد ذلك والسلاح في يده لا ينكرهُ؛ لأنه في اعتقاده أنه جاء بالسلاح ليضعه عنده رهناً-.
قال كعب: نعم
ثم وعده محمد بن مسلمة أن يأتيه في الليلة القادمة ببعض رجالٍ على مثل ما هو عليه في محمد صلى الله عليه وسلم.
فجاءَوه في الليلة التالية وهم متسلحون، فدعوه ليلاً لينزل إليهم فقالت امرأتهُ: إني لأسمع صوتاً كأنه صوت دم!
فقال كعب لها: إنه أخي محمَّد بن مسلمة ورضيعي -أي أخي في الرضاعة- أبو نائلة، ولو دُعي الفتى لطعنةٍ ليلاً لأجاب، فنزل.
فقال محمَّد بن مسلمة لأصحابه قبل أن ينزل إليهم: إني سأمد يدي إلى رأسه فإذا استمكنت منه فدونكم فاقتلوه.
فلما نزل إليهم كعب نزل متوشحاً، تفوح منه رائحة الطيب.
فقالوا: نجد منك ريح الطيب؟
فقال كعب: نعم عندي أعطرُ نساء العرب.
فقال محمَّد بن مسلمة: أتأذن لي أن أشم؟ فوضع يده في رأسه فمسح رأسه بيده ليأخذ من طيب رأسه ثم شمّها، ثم ساروا قليلاً ثم عاد محمَّد بن مسلمة فقال: أتأذن لي أن أعود فاشمَّ؟
قال كعب: نعم شمَّ، فوضع يده في رأسه، فلما استمكن من رأسه قال لأصحابه: دونكم فاقتلوه، فقتلوه" (1).
عباد الله! نزلت السيوف على جسد هذا المجرم فوقع عدو الله قتيلا، وقد
(1) متفق عليه، رواه البخاري (رقم 2510)، ومسلم (رقم 1801).