الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أخاف عليك قريظة" فأخذ سلاحه ورجع فإذا امرأتهُ قائمة بين البابين فأصابته الغيرة فأهوى إليها بالرمح ليطعنها فقال: اكفف عليك رمحك، وادخل الدار فانظر ما الذي أخرجني، فدخل الدار فإذا حية عظيمة منطوية على الفراش فأهوى إليها بالرمح -أي ضربها- ثم خرج فركز رمحه في الدار، فعدت عليه الحية فلم ندر أيهما أسرع موتاً الحية أم الفتى؟! فجئنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه .. فقال: "استغفروا لصاحبكم" ثم قال صلى الله عليه وسلم: "إن بالمدينة جناً قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئاً فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان" (1).
العنصر الثالث: مواقف المؤمنين ومواقف المنافقين
.
عباد الله! انتهى الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون من حفر الخندق قبل وصول الأعداء، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعد لملاقاة الأعداء فوضع النبي- صلى الله عليه وسلم النساء والأطفال في حصنٍ هو من أقوى حصون المسلمين حفاظاً عليهم، ورتب النبي صلى الله عليه وسلم الجيش، فأسند ظهرهم إلى سَلعٍ، وجعل وجوههم إلى الخندق الذي يفصل بينهم وبين العدو.
عباد الله! وها هو جيش العدو في طريقه إلى المدينة يريد أن يقضى على محمَّد صلى الله عليه وسلم وأصحابه لتستريح اليهود ولتستريح قريش وهيهات هيهات.
عباد الله! وصل جيش الكفر إلى المدينة في عشرة آلاف مقاتل، فلما وصل الجيش إلى الخندق فوجئ برؤية الخندق، وأخذ الجيش بقيادة أبي سفيان يتحرك هنا وهناك يفكر في كيفية اقتحام الخندق، وكلما هموا بذلك
(1) رواه مسلم (رقم 2236).
أمطرهم المسلمون بالسهام.
عباد الله! النبي صلى الله عليه وسلم مع جيش الإِسلام في ثلاثة آلاف مقاتل، الخندق أمامهم والجبل خلف ظهورهم، وفي الجانب الآخر للخندق جيش الكفر بقيادة أبي سفيان في عشرة آلاف مقاتل، واليهود يغدرون.
يقول بعض العلماء: لو تركت الكلابِ نبَاحها وتركت الحميرُ نهيقها؛ لتركت اليهود غدرها.
عباد الله! هجمات الكفار لم تنقطع؛ وجيش الإِسلام لهم بالمرصاد حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين لم يتمكنوا من أداء صلاة العصر في أحدِ الأيام في وقتها بل صلوها بعد ما غربت الشمس ولم تكن صلاة الخوف قد شرعت بعد، يقول عمر رضي الله عنه: يا رسول الله ما صليت العصر حتى كادت الشمس أن تغرب. فقال- صلى الله عليه وسلم: "فوالله إن صليتها"(1).
ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأحزاب الذين شغلوهم عن صلاة العصر. فقال: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً"(2).
عباد الله! تعالوا بنا لننظر إلى الظروف الصعبة التي تحيط بأرض المعركة.
أولاًَ: أعداد الكفار كبيرة جداً بلغت عشرة آلاف مقاتل تحيط بالمدينة.
(1) رواه مسلم (رقم 631).
(2)
رواه مسلم (رقم 627).
ثانياً: جوع شديد وبردٌ قارص.
ثالثاً: وصلت الأخبار أن يهود بني قريظة غدروا بالمسلمين؛ فنقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضربوا المسلمين من الخلف تعاوناً مع جيش الكفر.
رابعاً: ترك المنافقون والذين في قلوبهم مرضٌ أرض المعركة بحجج واهيةٍ زاعمين أن بيوتهم مكشوفة للأعداء، وإنما هم يريدون الفرار من المعركة.
خامساً: أخذ بعض المنافقين والذين في قلوبهم مرض؛ يدعون غيرهم لترك أرض المعركة والرجوع إلى بيوتهم وأهليهم، بحجة أنه لا قِبَلَ لكم بعدد الكفار.
سادساً: طال الحصار واشتد من الكفار للمدينة شهراً كاملاً.
عباد الله! والله عز وجل يخبرنا بهذه الظروف الصعبة على المسلمين، ويصورها لنا فيقول سبحانه:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11)} [الأحزاب: 9 - 11].
عباد الله! وكما أن الشدائد تُظهر نفاق المنافقين، فهي كذلك تُظهر إيمان المؤمنين، فالمؤمنون وهم يعيشون هذه الظروف الصعبة في أرض المعركة، وهم على أعصابهم، تذكروا قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى
يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} - عندها- أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214)} [البقرة: 214].
ولذلك ازداد المؤمنون إيماناً وتسليماً وتصديقاً لوعد الله فماذا قال المؤمنون؟
قال الله عز وجل في وصفهم: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22)} [الأحزاب: 22].
عباد الله! أما المنافقون والذين في قلوبهم مرض، عندما نظروا إلى جيش الكفر وإلى عدده الكبير ظنوا بالله ظن السوء، وأخذوا يشككون بل ويسخرون من البشارات التي بشَّر بها النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عندما ضرب الصخرة وقال:"الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن".
ويقول بعضهم لبعض: انظروا إلى محمدٍ يعدكم بفتح اليمن والشام وفارس؛ وأحدكم لا يستطيع أن يذهب لقضاء حاجته من الخوف، ولذلك ازداد المنافقون مرضاً على مرضهم.
قال تعالى عن المنافقين ومرضى القلوب: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12)} [الأحزاب: 12]، {وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (13)} [الأحزاب: 13]
وقال تعالى في وصفهم: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (18) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ