الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مكة- في خيل لقريش طليعة -أي في مقدمة الجيش- فخذوا ذات اليمين، فانحازوا ذات اليمين، فلم يشعر بهم خالد حتى رأى الغبار صاعداً فانطلق يركض نذيراً لقريش، وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حلْ حلْ- وهي كلمة تقال للناقة إذا تركت السير- فألحت -أي تمادت على عدم القيام- فقالوا: خلأت القصواء -أي حرنت القصواء- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل ثم قال صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله -أي من ترك القتال في الحرم- إلا أعطيتهم إياها -أي أجبتهم إليها- ثم زجرها فوثبت -أي قامت الناقة-.
فَعَدَلَ النبي- صلى الله عليه وسلم عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على بئر قليل الماء، فما لبثوا أن نزحوه فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش، فانتزع سهماً من كنانته؛ ثم أمرهم أن يجعلوه في البئر فما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه - وهذه من معجزاته صلى الله عليه وسلم -.
العنصر الثالث: الأحداث التي وقعت عند الحديبية قبل الصلح
.
عباد الله! أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إلى قريش رجلاً من أصحابه يخبرهم أنهم جاءوا عماراً، ولم يجيئوا لقتالٍ - ليعلم الجميع أن الإِسلام لا يطلب حرباً إلا إذا فرضت عليه، وإن الذين يشعلون الحرب هم أهل الكفر والشرك- فدعا عمر رضي الله عنه فقال عمر: يا رسول الله ليس لي بمكة أحد من بني كعب يغضب لي إن أوذيت، فأرسل عثمان بن عفان، فأرسله، فانطلق عثمان فمر على نفر من قريش فقالوا له: أين تريد؟
فقال: بعثني رسول الله- صلى الله عليه وسلم أدعوكم إلى الله وإلى الإِسلام وأخبركم؛ أنا لم نأت لقتالٍ وإنما جئنا عماراً.
فقالوا: قد سمعنا ما تقول فأنفذ لحاجتك.
وقام إليه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة، فحمله بين يديه وأجاره حتى بلّغَ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتأخر عثمان رضي الله عنه في مكة حتى أشيع أنه قد قتل.
فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى البيعة، فبايعوه تحت الشجرة بيعة الرضوان على أن لا يفروا، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد نفسه وقال: هذه يد عثمان، ثم جاء عثمان رضي الله عنه بعد أن تمت البيعة.
قال تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} .
عباد الله! بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون على حالهم بالحديبية، إذ جاء بُديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة -وهم موضع سر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل النصح له- فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قريشاً خرجت بكل ما تملك من قوة، ونزلت بالحديبية عند الماء الكثير، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لم نجيء لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشاً قد نهكتهم الحرب -أي أضعفت قوتهم وأموالهم- وأضرت بهم فإن شاءوا ماددتهم مدة -أي جعلت بيني وبينهم مدة يترك الحرب بيننا وبينهم فيها- وُيخلّو بيني وبين الناس -أي من الكفار العرب وغيرهم- فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد رحموا -أي فإن ظهر غيرُهم عليَّ كفاهم المؤنة، وإن أظهر أنا على غيرهم فإن شاءوا أطاعوني وإلا فلا تنقض مدة الصلح إلا وقد استراحوا وقووا-
ثم قال صلى الله عليه وسلم: وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي -أي: حتى أموت- ولينفذن الله أمره -أي: وليمضين الله أمره في نصر دينه-.
فقال بُديل: سأبلغهم ما تقول، ثم انطلق حتى أتى قريشاً فقال: يا معشر قريش، إنا جئناكم من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول قولاً، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا.
فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرونا عنه بشيء.
وقال ذووا الرأي منهم: هات ما سمعته.
قال سمعته يقول كذا وكذا- وعرض عليهم الخطة التي عرضها عليه النبي- صلى الله عليه وسلم فقال لهم عروة بن مسعود الثقفي: إن هذا الرجل قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آته. فقالوا ائته. فأتاه فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم نحواً من قوله لبُديل، فقال له عروة عند ذلك: يا محمَّد جئت لقتال قومك، فإن قتلتهم فهل رأيت أحداً قبلك اجتاح قومه- أي أهلكهم -وإن كانت الأخرى- يعني إن هزمت أنت -فإني والله أرى حواليك أوباشاً خليقاً- أي: حقيقاً- أن يفروا عنك ويدعوك -أي يتركوك-.
فقال أبو بكر رضي الله عنه لعروة: امصص بظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه؟
فقال عروة: مَنْ هذا؟ قالوا له: هذا أبو بكر.
فقال عروة: والله لولا يَدٌ لك عندي -أي نعمة- لم أجزك بها -أي: لم أكافئك بها- لأجبتك.
عباد الله! وأخذ عروة يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، ويأخذ بلحيته، وكان المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قائماً عند رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف وعلى رأسه المغفر، كلما أهوى عروة بيده إلى لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم ضربها المغيرة بنعل السيف وقال له: نح يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال عروة: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة.
قال عروة: أي غدر! أولست أسعى في غدرتك؟ - وكان المغيرة رضي الله عنه في الجاهلية صحب رجالاً من قريش فقتلهم ثم أخذ أموالهم، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما الإِسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء - لكونه أخذ غدراً-.
عباد الله! واستمر عروة يحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم وينظر في أصحابه كيف يحترمونه، ويعزرونه ويوقرونه، فما تنخم صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في يد أحد منهم، فدلك بها وجهه وجلده، ولا توضأ وضوءاً إلا كادوا يقتتلون على وضوئه، كلهم يريد أن يمس منه، ولا تكلم بكلمة إلا بادروا بالعمل بها ولا يحدون إليه النظر تعظيماً له.
فرجع عروة إلى قريش، فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله ما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمَّد محمداً- وحدثهم بما رأى- ثم قال لهم: وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها.
عباد الله! فقام رجل من بني كنانة فقال دعوني آته. فقالوا ائته- فأتاه فلما أشرت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم لأصحابه: هذا رجل من بني كنانة قد أتاكم، وهو من قوم يعظمون البُدن فابعثوها له فبعثوها، واستقبله القوم يلبون- لبيك اللهم لبيك- فلما رأى البُدن وسمع التلبية قال: سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يُصدوا عن البيت، ثم رجع إلى قريش فأخبرهم ما رأى قال لقريش: استقبلوني ملبين يسوقون الهدي، جاءوا معتمرين ولم يجيئوا لقتال، وما أرى أن يُصدوا عن البيت.
فقالوا له: اجلس إنما أنت أعرابي لا علم لك.
عباد الله! ثم أرسلت قريش مكرز بن حفص وأعقبته بسهيل بن عمرو