الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخطبة الثالثة عشرة:
المفاوضات وطلب المعجزات
أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن أسلوب جديد من أساليب الصد عن دين الله؛ ألا وهو:
المفاوضات وطلب المعجزات.
عباد الله! رسولنا صلى الله عليه وسلم في مكة يدعو الناس سراً وجهراً، ليلاً ونهاراً إلى (لا إله إلا الله) وإلى عبادة الله، ويحذرهم من الشرك بالله ومن عبادة الأوثان، وكفار مكة يتنقلون من أسلوب إلى أسلوب ليصدوا الناس عن هذا الدين الجديد، ويصدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن دعوته الجديدة، ومع ذلك الناس يدخلون في دين الله ويتبعون رسول الله صلى الله عليه وسلم.
عباد الله! وبعد أن فشل كفار مكة في صد الناس عن دين الله بأساليب الاضطهاد والتعذيب، انتقلوا إلى أسلوب جديد ألا وهو أسلوب الترغيب والترهيب والمفاوضات وطلب المعجزات.
أولاً: أرسلوا رسلهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتفاهموا معه، لعلهم أن يصلوا معه ولو إلى ما يسمى في لغة العصر بأنصاف الحلول. فهذا في ظنهم خيرٌ لهم من استمراره صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الدين الجديد.
عباد الله! أرسل كفار مكة عتبة بن ربيعة ليعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قد رآه حلاً للمشكلة، فقال: يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من المكان في النسب، وقد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم فاسمع مني أعرض عليك أموراً لعلك تقبل بعضها:
إن كنت إنما تريد بهذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً - مساكين أهل الدنيا، ظنوا أن الدعوة تباع بالمال والمنصب، والذي يترك دعوته من أجل منصب ومال داعية فاشل راسب-، وإن كنت تريد شرفاً سوّدناك علينا فلا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا، وإن كان الذي يأتيك رئياً تراه لا تستطيع رده عن نفسك -أي مساً من الجن- طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى تبرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"فرغت"؟ قال: نعم.
قال: "فاسمع مني" ثم استفتح رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة فصلت: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (4) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (5) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (7)} [فصلت: 1 - 7].
حتى وصل إلى قوله تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13)} [فصلت: 13]، أمسك عتبة على فيه، وناشده الرحم أن يكف عنه، ولم يخرج إلى أهله واحتبس عنهم.
فقال أبو جهل: والله يا معشر قريش! ما نرى عتبة إلا صبا إلى محمَّد، وأعجبه كلامه، وما ذاك إلا من حاجة أصابته، انطلقوا بنا إليه، فأتوه، فقال أبو جهل: والله يا عتبة! ما جئنا إلا أنك صبوت إلى محمَّد وأعجبك أمره، فإن كان بك حاجة؛ جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن محمَّد فغضب،
وأقسم بالله لا يكلم محمداً أبداً، وقال: لقد علمتم أني أكثر من قريش مالاً، ولكني أتيته -وقص عليهم القصة- فأجابني بشيء والله! ما هو بسحر ولا بشعر ولا كهانة- قرأ:{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2)} حتى بلغ: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13)} ، فأمسكت بفيه، وناشدته الرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب، فخفت أن ينزل عليكم العذاب" (1).
عباد الله! ظن كفار مكة أن الأنبياء طلاب دنيا، يريدون بدعوتهم الدنيا الفانية، ولذلك تقدموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه المحاولة، وهي إغراؤه بالمال، والملك والرئاسة، والسيادة، ولكنهم فشلوا في ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجبهم إلى طلبهم.
ثانياً: انتقل كفار مكة إلى محاولة ثانية ألا وهي ما يسمى بلغة العصر "تقارب الأديان"
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "إن قريشاً وعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطوه مالاً فيكون أغنى رجل بمكة، ويزوجوه ما أراد من النساء، ويطئوا عقبه (أي: يسوده) فقالوا له: هذا لك عندنا يا محمَّد! وكف عن شتم آلهتنا، فلا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل فإنا نعرض عليك خصلة واحدة، فهي لك ولنا فيها صلاح، قال: "وما هي؟ " قالوا: تعبد آلهتنا سنة: اللات والعزى، ونعبد إلهك سنة! فقال صلى الله عليه وسلم: "حتى أنظر ما يأتي من عند ربي"، فجاء الوحي
(1) انظر "فقه السيرة" للغزالي (ص 107)، "صحيح السيرة النبوية" الألباني (ص 159 - 162).
من اللوح المحفوظ: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)} [الكافرون: 1 - 6].
وأنزل الله عز وجل: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (64) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66)} [الزمر: 64 - 66](1).
ففشلت المحاولة الثانية.
عباد الله! فكرة التقارب بين الأديان ليست بدعة عصرية، وإنما هي قديمة أول من دعى إليها كفار مكة؛ عندما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: نعرض عليك خصلة واحدة، فهي لك ولنا فيها صلاح قال:"وما هي؟ " قالوا: تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة، الله أكبر، ما هذا الضلال؟ كيف يلتقي من يقول (لا إله إلا الله) مع من يعبد كل يوم إلهاً؟! كيف يلتقي التوحيد والشرك؟ كيف يلتقي الإيمان والكفر؟ كيف يلتقي الهدى والضلال؟!
- فنحن نقول لأصحاب هذه الفكرة.
قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (64)} فالذي يقول بتقارب الأديان؛ جاهل لا يعرف رأسه من رجليه؛ ولا يعرف السماء من الأرض، ولا يعرف الليل من النهار.
ثالثاً: فشل كفار مكة في المحاولة الثانية فانتقلوا إلى المحاولة الثالثة، وهي
(1) صحيح، انظر "صحيح السيرة النبوية" الألباني (205 - 206).
أقرب ما يكون بالنفاق والحيلة والخديعة والمكر، فأخذوا يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بآية -أي معجزة- تشهد بصدقه، وأظهروا له أنهم على أتم استعداد أن يتبعوه ويؤمنوا به؛ إذا اقتنعوا أنه رسول الله حقاً، وهم أرادوا من وراء ذلك تعجيز الرسول صلى الله عليه وسلم، قال تعالى:{بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5) مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (6)} [الأنبياء: 5 - 6].
وقال تعالى: {وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51)} [العنكبوت: 50 - 51]، وقال تعالى:{وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ} .
فأمر الله رسوله أن يقول لهم: {سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (93)} . [الإسراء: 90 - 93].
وبين لنا ربنا -جل وعلا- أنهم يطلبون الآيات ولو نزلت عليهم لا يؤمنون فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (97)} [يونس: 96 - 97]، وقال تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ
اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (109) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110) وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111)} [الأنعام: 109 - 111].
وأكبر دليل على ذلك أنهم طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية على نبوته، لم يفعلوا ذلك لكي يؤمنوا؛ وإنما فعلوا ذلك خديعة وحيلة ومكراً واستكباراً.
قال أنس رضي الله عنه: سأل أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم آيةً فأراهم انشقاق القمر فنزلت: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2)} [القمر: 1 - 2](1).
وعن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار فرقتين: فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل فقالوا: سحرنا محمَّد" (2).
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: "اشهدوا"(3).
ومع ذلك يطلبون من رسول الله صلى الله عليه وسلم الآيات إعجازاً منهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: ادع لنا ربك يصبح لنا الصفا ذهباً ونؤمن بك، قال:"وتفعلوا؟ " قالوا: نعم، قال:
(1) متفق عليه، رواه البخاري (رقم 14867) ومسلم (رقم 2802).
(2)
"صحيح الترمذي"(2622).
(3)
"صحيح سنن الترمذي"(2621).
فدعا، فأتاه جبريل فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن شئت أصبح الصفا لهم ذهباً، فمن كفر منهم بعد ذلك أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب الرحمة والتوبة قال:"بل باب التوبة والرحمة"(1).
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "فأنزل الله عز وجل هذه الآية: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً} (2).
عباد الله! وكيف يُرجى الخير ممن قالوا: {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32)} [الأنفال: 32].
ولم يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه" (3).
رابعاً: فشل كفار مكة في المحاولة الثالثة فانتقلوا إلى محاولة رابعةٍ ليصدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن دعوته الجديدة، ألا وهي ذهابهم إلى عمه أبي طالب، الذي كان يحوطه وينصره ويؤيده ويمنعه، يُلحِّون عليه أن يتخلى عن ابن أخيه، فأتوه فقالوا: إن ابن أخيك هذا قد آذانا في نادينا ومسجدنا فانهه عنا.
فقال: يا عقيل! انطلق فأتني بمحمد.
فانطلق عقيل بن أبي طالب فأتى بالنبي صلى الله عليه وسلم في الظهيرة في شدة الحر فلما
(1)"صحيح السيرة النبوية" الألباني (ص 153).
(2)
"مسند الإِمام أحمد"(2333).
(3)
"نور اليقين"(ص 71).
أتاهم، قال له عمه: يا ابن أخي! إن بني عمك هؤلاء زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم، فانته عن أذاهم. فَحَلّقَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ببصره إلى السماء، فقال:"ترون هذه الشمس؟ " قالوا: نعم، قال:"فما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أن تشتعلوا منها بشعلة".
- والمعنى ما أقدر أن أترك دين الله الذي أمرني بتبليغه كما أنكم لا تقدرون أن تأتوا من الشمس بشعلة تشتعلون بها-
"فقال أبو طالب: والله! ما كذب ابن أخي قط، فارجعوا"(1).
عباد الله! وهكذا أيد الله سبحانه نبيه بعمه على مخالفته لدينه، ولذا قال صلى الله عليه وسلم:"إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر"(2). فأيد الله تبارك وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأبي طالب مع أنه مات على الكفر.
عباد الله! أما الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ مما سمعنا فهي:
أولاً: الداعي إلى الله لا يترك دعوته أبداً في مقابل عرض من أعراض الدنيا، فما من نبي جاء لقومه إلا قال لهم:{يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا} {وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا} .
ورسولنا صلى الله عليه وسلم عندما عرض عليه كفار مكة المال والجاه والسلطان لم يناقشهم فيها، فهي أسقط وأذل من أن تناقش، ولكنه عرض عليهم أن يؤمنوا بالله وحده فتلى عليهم القرآن.
وهذا سليمان عليه السلام بعث بكتابه إلى بلقيس ملكة سبأ يدعوها
(1)"صحيح السيرة النبوية" الألباني (ص 144).
(2)
متفق عليه، رواه البخاري (رقم 3062)، ومسلم (رقم 111).
وقومها إلى الإسلام، {قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33)} [النمل: 29 - 33].
فما كان من بلقيس إلا أن تختبر ذلك الملك بهدية تبعثها إليه من جميع أصناف المال، فإن كان هذا الملك يريد الدنيا فسيقبل الهدية ويكف عنهم، وإن لم يقبلها فمعناه أنه صادق في دعوته، ولهم المبادرة إلى إجابته والدخول في ملته.
فكانت النتيجة أن أسلمت بلقيس وقومها مع سليمان لله رب العالمين: {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44)} [النمل: 44].
فاحذروا معشر الدعاة أن تفتنوا بالمناصب والمال؛ فتتركوا الدعوة إلى الله، أو تنافقوا فتخطبون خطبة تريدون بها رضا الناس، فمن أرضى الناس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، ومن أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس.
ثانياً: المساومات والمفاوضات وأنصاف الحلول لا تقبل أبداً في أخطر
قضية، ألا وهي قضية التوحيد، ولذلك عندما طلب الكفار من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعبد آلهتهم سنة ويعبدوا إلهه سنة، أنزل الله عز وجل:{قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (64)} وقال تعالى: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)} فلا يجوز لإنسان أبداً أن يداهن في قضية التوحيد.
ثالثاً: أن يعلم الجميع أن أعداء الإِسلام يخططون بالليل والنهار بكل الأساليب، بأساليب التعذيب والترهيب، وبأساليب الإغراء والمفاوضات، وبأنصاف الحلول كل ذلك ليصدوا الناس عن دين الله.
ولكن كما قال رب العزة: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9)} [الصف: 8 - 9].
اللهم رد المسلمين إلى دينك رداً جميلاً.