الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخطبة التاسعة عشرة: الإسراء والمعراج
عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن الإسراء والمعراج.
عباد الله! الإسراء والمعراج كان مكافأة ربانية، ومواساة للرسول صلى الله عليه وسلم بعد الحصار الظالم الذي استمر ثلاث سنوات في شعب أبي طالب، وبعد وفاة الناصر الحميم أبي طالب، والزوجة الوفية الأمينة خدبجة رضي الله عنها، وبعد رحلة الطائف الأليمة.
فكانت هذه الرحلة الربانية، التي أكرم الله تبارك وتعالى فيها رسوله صلى الله عليه وسلم؛ ليُذهب عن صدره الآلام والأحزان.
عباد الله! الإسراء: هو ذهاب الله تبارك وتعالى بنبيه محمَّد صلى الله عليه وسلم، راكباً على البراق، من المسجد الحرام بمكة، إلى المسجد الأقصى في القدس، في جزء من الليل ثم رجوعه من ليلته.
والمعراج: هو صعود الرسول صلى الله عليه وسلم، من المسجد الأقصى في تلك الليلة، بعد إسرائه إلى السموات العلى، ثم إلى سدرة المنتهى، ثم رجوعه إلى بيت المقدس في تلك الليلة.
عباد الله! حادث الإسراء والمعراج ثابت بالكتاب والسنة. ففي كتاب ربنا، ذكر الله تعالى الإسراء وحكمته بقوله تعالى:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)} [الإسراء: 1].
- ويستفاد من هذه الآية ما يلي-:
أولاً: بدأ الله الآية بـ (سبحان) لأن من قدر على هذا فهو مستحق للتنزيه والتقديس.
ثانياً: في ذكر العبد في هذا المقام تشريفٌ، ولذلك وصف الله رسوله بالعبودية في أشرت المقامات:
ففي مقام التنزيل قال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1)} [الكهف: 1].
وفي مقام الدعوة قال تعالى: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (19)} [الجن: 19].
وفي مقام التحدي قال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة: 23].
وفي مقام الإسراء قال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} [الإسراء: 1].
وفي ذكر العبد في هذا المقام أيضاً تحذير أن يتخذ الإسراء ولسيلة لرفع الرسول صلى الله عليه وسلم من مقام العبودية إلى مقام الألوهية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن الإطراء والغلو حتى لا يقع الناس في الشرك، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله" (1).
ثالثاً: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} بمكة،
(1) رواه البخاري (رقم 3445).
وسمى حراماً لحرمته وهو أول بيت وضع في الأرض، {إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} بفلسطين: وسمى بالأقصى لبعده عن المسجد الحرام، وهو ثاني بيت بني لله في الأرض، سئل صلى الله عليه وسلم:"أي بيت وضع في الأرض أول؟ قال: المسجد الحرام. قيل: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى. قيل: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة"(1).
رابعاً: وفي قوله تعالى: {الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} فالمسجد الأقصى مبارك، والأرض التي حوله مباركة، وهي بركات دينية ودنيوية.
خامساً: وفي قوله تعالى: {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا} تلك هي حكمة الإسراء، لقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم في رحلته؛ ما أذهب عن صدره الآلام والأحزان والروع والخوف، وليربط على قلبه وليثبت فؤاده، وليكون من المؤمنين أن الله معه ولن يتخلى عنه، وأن الله ناصره.
عباد الله! وفي كتاب ربنا ذكر الله قصة المعراج وثمرته في قوله تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ} يعني جبريل {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)} [النجم: 13 - 18].
فالإسراء والمعراج ثابت في كتاب ربنا.
وكان بالروح والجسد وفي اليقظة لقوله تعالى: {بِعَبْدِهِ} والعبد لا يكون إلا بالروح والجسد، ولقوله تعالى:{مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17)} والبصر
(1) متفق عليه، رواه البخاري (رقم 3366)، ومسلم (رقم 520).
يكون في الجسد.
وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "لما كذبتني قريش قمت في الحجر فَجَلَّى الله ليَ بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته"(1).
فلو أنه صلى الله عليه وسلم أخبرهم بأنها رؤيا رآها لما اختبروه بالسؤال عن آياته وعلاماته.
عباد الله! والإسراء والمعراج ثابت في سنة نبينا صلى الله عليه وسلم، فتعالوا بنا لنستمع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخبرنا خبر الإسراء والمعراج.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فرج سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل عليه السلام، ففرج صدري ثم غسله بماء زمم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمةً وإيماناً، فأفرغه في صدري ثم أطبقه"(2).
عباد الله! بعد أن فرغ جبريل عليه السلام من عملية شق الصدر وغسله ولأمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ الإسراء من المسجد الحرام، إلى المسجد الأقصى على البراق.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتيت بالبراق -وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه- فركبته حتى أتيت بيت المقدس، فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد، فصليت فيه تحية المسجد ركعتين، ثم خرجت فجاءني جبريل عليه السلام بإناء من خمر، وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل عليه السلام: اخترت الفطرة"(3).
عباد الله! ومن هناك من المسجد الأقصى بدأت رحلة المعراج فعُرج
(1) رواه البخاري (رقم 4710).
(2)
رواه البخاري (رقم 3342).
(3)
رواه مسلم (رقم 162).
بالنبي صلى الله عليه وسلم، من المسجد الأقصى، إلى السموات العلى، إلى سدرة المنتهى، إلى حيث شاء الله.
قال صلى الله عليه وسلم: "ثم عرج بنا إلى السماء، فاستفتح جبربل فقيل: من أنت؟ قال: جبربل. قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بآدم، فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل عليه السلام فقيل: من أنت؟ قال: جبربل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه ففتح لنا، فإذا أنا بابني الخالة عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا -صلوات الله عليهما- فرحبا بي ودَعَوا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل عليه السلام: من أنت؟ قال: جبربل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد صلى الله عليه وسلم، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف عليه السلام وقد أعطى شطر الحسن، فرحب بي ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل عليه السلام فقيل من هذا؟ قال: جبربل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد. قال: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بإدريس، فرحب بي ودعا لي بخير.
قال الله عز وجل: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57)} [مريم: 57].
ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل قيل: من؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بهارون صلى الله عليه وسلم فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل عليه السلام، قيل:
من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد صلى الله عليه وسلم، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بموسى عليه السلام فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل عليه السلام، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد صلى الله عليه وسلم، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. قال: ففتح لنا، فإذا أنا بإبراهيم صلى الله عليه وسلم، مسنداً ظهره إلى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه.
ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، وإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلال، قال: فلما غشيها من أمر الله ما غشى، تغيرت فما أحدٌ من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها.
فأوحى الله إلى ما أوحى، ففرض علي، خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى صلى الله عليه وسلم، فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة في كل يوم وليلة.
قال: ارجع إلى ربك، فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا يطيقون ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم.
قال: فرجعت إلى ربي فقلت: يا رب خفف على أمتي، فحط عني خمساً، فرجعت إلى موسى فقلت: حط عني خمساً.
قال: إن أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، قال: فلم أزل أرجع بين ربي تبارك وتعالى وبين موسى عليه السلام حتى قال: يا محمَّد! إنهن خمس صلوات في كل يوم وليلة لكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة، ومن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت
له عشراً، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئاً، فإن عملها كتبت سيئة واحدة، قال: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه" (1).
عباد الله! وهكذا كان الإسراء والمعراج- تلك الرحلة العجيبة- تم في جزءٍ من الليل، وعاد النبي صلى الله عليه وسلم من رحلته والناس نيام لم يشعر أحدٌ بذلك.
عباد الله! كفار مكة وخبر الإسراء والمعراج.
الذين كذبوا أن يقع وحيٌ على الأرض أتراهم يصدِّقون به في السماء؟ تعالوا بنا يا عباد الله! لنستمع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخبرنا عن حال قريش عندما وصلهم الخبر، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما كان ليلة أسري بي، وأصبحت بمكة، فظعْتُ بأمري وعرفتُ أن الناس مكذِّبيَّ"، قال: فقعد معتزلاً حزيناً، فمرَّ به عدوُّ الله أبو جهل، فجاء حتى جلس إليه، فقال له كالمُستهزئ: هل كان من شيء؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم".
قال: ما هو؟ قال: "إنه أُسري بي الليلة".
قال: إلى أين؟ قال: "إلى بيت المقدس".
قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: "نعم".
قال: فلم يُره أنه يُكذِّبه، مخافه أن يجحده الحديث إن دعا قومه إليه.
(1) رواه مسلم (رقم 162).
قال: أرأيت إن دعوت قومك تحدثهم ما حدثتني؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم".
فقال: هيا معشر بني كعب بن لؤي. فانتفضت إليه المجالس وجاؤوا حتى جلسوا إليهما.
قال (أي أبو جهل): حدث قومك بما حدَّثتني.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني أسري بي الليلة".
قالوا: إلى أين؟
قال: "إلى بيت المقدس".
قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟!
قال: "نعم".
قال: فمن بين مُصَفِّق، ومن بين واضع يده على رأسه متعجباً للكذب زعم!
قالوا: وهل تستطيع أن تنعت لنا المسجد؟ وفي القوم من قد سافر إلى ذلك البلد، ورأى المسجد.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فذهبت أنعتُ، فما زلت أنعتُ حتى التبس عليَّ بعض النعت".
قال: "فجيء بالمسجد وأنا انظر حتى وضع دون دار عِقالٍ -أو عقيل- فنعتُّه، وأنا أنظر إليه".
فقال القوم: أما النعت فوالله لقد أصاب" (1).
(1) إسناده حسن، "مسند الإِمام أحمد" رقم (2819 - ط المؤسسة)، و"فتح الباري"(7/ 239).