الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم كرّر الحق تعالى الأمر بالتوجه إلى الكعبة لعلة أخرى سيذكرها، فقال: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وحيثما حللتم فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ. قال البيضاوي: كرر هذا الحكم لتعدد علله، فإنه تعالى ذكر للتحول ثلاث علل: تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم بابتغاء مرضاته، وَجَرت العادة الإلهية على أن يُولِّي أهل كل ملة وصاحب دعوة وجهة يستقبلها ويتميز بها، ودفع حجج المخالفين على ما بينه، وقرن كل علة بمعلولها، مع أن القبلة لها شأن، والنسخ من مظان الفتنة والشبهة، فبالحَرِيِّ أن يُؤكد أمرها ويعاد ذكرها مرة بعد أخرى. هـ.
ثم ذكر العلّة الثالثة وهي دفع حجج المخالفين، فقال:
[سورة البقرة (2) : آية 150]
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَاّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150)
قلت: الاستثناء من (الناس) أي: لئلا يكون لأحد من الناس حجة عليكم إلا المعاندين منهم، و (لأتم) متعلق بمحذوف، أي: ولإتمام نعمتي عليكم وإرادة اهتدائكم أمرتكم بالتحول، أو معطوف على محذوف أي: واخشوني لأحفظكم ولأتم نعمتي عليكم.
يقول الحق جل جلاله: وإنما أمرتكم بالتوجه إلى الكعبة دون الصخرة لتدفع حجج الناس، فإن اليهود ربما قالوا: المنعوت في التوراة قبلته الكعبة، وهذا يستقبل الصخرة، أو إن محمداً يخالف ديننا ويستقبل قبلتنا. والمشركون ربما قالوا: يدعي ملّة إبراهيم ويخالف قبلته، فأمرتكم باستقبال القبلة دفعاً لحجج الناس، إلا المعاندين منهم فلا ينقطع شغبهم، فإنهم يقولون: ما تحول إلى الكعبة إلا مَيلاً إلى دين قومه، وحبّاً لبلده، أو بَدَا له فرجع إلى قبلة آبائه، ويوشك أن يرجع إلى دينهم.
فلا تخافوهم ولا تلتفتوا إلى مَطاعنهم، فإنها لا تضركم، وَاخْشَوْنِي أكْفكم شرهم، فإن مَن خافني خاف منه كل شيء، ومَن لم يخشني خاف من كل شيء، وأمرتكم أيضاً بالتوجه إلى قبلة جدكم لِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ بإقرار عين نبيكم، وإرادة اهتدائكم، فاشكروا ما أوليتكم، واذكروا ما به أنعمت عليكم أزدكم من فضلي وإحساني، وأسبغ عليكم إنعامي وامتناني.
الإشارة: من حكمة المدبر الحكيم أن دبر ملكه العظيم، ووجه كل فرقة بوجهه من مصالح عباده، أفناه فيها وولاه إياها. فقوم اختصهم لمحبته واصطفاهم لحضرته وهم العارفون، وقوم أقامهم لخدمته وأفناهم في عبادته
وهم العباد والزهاد، وقوم أقامهم لحمل شريعته وتمهيد دينه وهم العلماء العاملون، وقوم أقامهم لحفظ كتابه رسماً وتلاوة وتفهماً وهم القرّاء والمفسرون، قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ، وقوم أقامهم لتسكين الفتن ودفع المظالم والمحن وهم الحكام ومَن يستعان بهم في تلك الوجهة، وقوم أقامهم لحفظ نظام الحكمة وهم القائمون بالأسباب الشرعية على اختلاف أنواعها وتعدد فروعها، وقوم أعدهم لظهور حلمه وعفوه فيهم وهم أهل المعاصي والذنوب، وقوم أعدهم للانتقام وظهور اسمه القهار وهم أنواع الكفار.
فكل وجهة من هؤلاء توجهت لحق شرعي أقامتها القدرة فيه، وحَكم بها القضاء والقدر، إلا أن القسمين الأخيرين لا تقررهما الشريعة. فلو حسنت المقاصد لكان الكل عُمالاً لله، فيقال لهم: اسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ
بتحسين المقاصد والنيات، وبادروا إلى الطاعات قبل هجوم هادم اللذات، أينما تكونوا يجمعكم للحساب، وتُعاينوا جزاء ما أسلفتم من عذاب أو ثواب، ومن حيث خرجت أيها العارف فولّ وجهتك وكليتك لمسجد الحضرة باستعمال الفكرة والنظرة، فإنها حق وما سواها باطل، كما قال الشاعر:
ألا كُلُّ شيء ما خلا الله باطل
…
وكل نعيم لا مَحَالَةَ زائلُ «1»
وحيثما كنتم أيها العارفون فولّوا وجوهكم إلى قبلة تلك الحضرة، واعبدوا ربكم بعبادة الفكرة، فإنها صلاة القلوب، ومفتاح ميادين الغيوب، وفي ذلك يقول القائل «2» :
يَا قِبْلَتِي في صَلَاتِي
…
إذَا وقَفْتُ أصَلِّي
جَمَالُكم نُصْبَ عَيْنِي
…
إليهِ وَجَّهْتُ كُلِّي
فإذا تحققتم بهذه الحضرة، وتحصنتم بحصن الشهود والنظرة، انقطع عنكم حجج خصيم النفس والجنس، وتنزهتم في رياض القرب والأنس، إلا الخواطر التي تحوم على القلوب، فلا تقدح في مشاهدة الغيوب، فلا تخافوا غيري، ولا تتوجه همتكم إلا لإحساني وبرَّي فإني أتم عليكم نعمتي، وأرشدكم إلى كمال معرفتي، وأتحفكم بنصري ومعونتى.
(1) نقل الحافظ ابن حجر فى الفتح 7/ 188: (أن لبيدا أنشد من شعره (ألا كل شيء ما خلا الله باطل)، فقال عثمان بن مظعون:
صدقت. فقال لبيد: (وكل نعيم لا محالة زائل) . فقال عثمان: كذبت نعيم الجنة لا يزول..) .
(2)
ابن الفارض.