الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فإن قلت: ما ذكر في الأنفال إلا ألفاً، وهنا خمسة آلاف. فالجواب: أن الله تعالى أمدهم أولاً بألف، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف. قال ابن عباس: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر، وفيما سوى ذلك يشهدون القتال معنا، ولا يقاتلون. هـ.
الإشارة: كل مَن توجَّه لجهاد نفسه في الله، واشتغل بذكر مولاه، أمده الله في الباطن بالأنوار والأسرار، وفي الظاهر بالملائكة الأبرار، وقد شوهد ذلك في الفقراء أصحابنا، إذا كانوا ثلاثة رآهم العامة ثلاثين، وإذا كانوا ثلاثين رأوهم ثلاثمائة، وقد كنا في سَفْره سبعين، فرأونا سبعمائة على ما أخبرونا به، وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ.
ثم ذكر الحق تعالى حكمة إمداده لهم، فقال:
[سورة آل عمران (3) : الآيات 126 الى 129]
وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَاّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَاّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ (127) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (128) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129)
قلت: (ليس لك من الأمر شيء) : جملة معترضة بين قوله: (أو يكبتهم) وقوله: (أو يتوب عليهم) ، أو تكون (أو) بمعنى (إلا)، أي: ليس لك من الأمر شيء، إلا أن يتوب عليهم فتبشرهم، أو يعذبهم فتتشفى فيهم. قاله البيضاوي.
يقول الحق جل جلاله: وما جعل الله ذلك الإمداد إلا بشارة لكم بالنصر، وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ فتثبتوا للقتال، وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فهو قادر على أن ينصركم بلا واسطة، لكن أراد أن يثيبكم وينسب المزية إليكم، حيث قتلهم على أيديكم، فإن الله عزيز لا يغلب، حكيم فيما دبر وأبرم، وإنما نصركم يوم بدر لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بقتل بعض وأسر آخرين، فإنه قتل يومئذ سبعون، وأسر سبعون، أَوْ يَكْبِتَهُمْ أي: يحزنهم ويغيظهم، والكبت: شدة الغيظ، فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ مما أملوا.
ولما جرح- عليه الصلاة والسلام في وجهه، وشُجَّ على قرن حاجبه، وكُسِرَت رباعيته، هَمَّ بالدعاء على الكفار، بل دعا عليهم، فأنزل الله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ إنما أنت رسول إليهم، مأمور بإنذارهم وجهادهم، وأمرهم بيد مالكهم، إن شاء هداهم وإن شاء عذّبهم. وإنما نهاه عن الدعاء عليهم لعلمه بأن منهم من يُسلم ويجاهد في سبيل الله، وقد كان كذلك فجُلَّهم أسلموا وجاهدوا، منهم خالد بن الوليد- سيف الله فى أرضه.
ثم عطف على قوله: لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ قوله: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إن أسلموا أَوْ يُعَذِّبَهُمْ إن لم يسلموا، فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ قد استحقوا العذاب بظلمهم، والأمور كلها بيد الله، وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ خلقا وملكاً وعبيداً، يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ غفرانه، وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ تعذيبه، ولا يجب عليه شيء، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لعباده، فلا تبادر بالدعاء عليهم.
الإشارة: وما جعل الله التأييد الذي ينزله على أهل التجريد، حين يقابلهم بالابتلاء والتشديد، إذا أراد أن يوصلهم لصفاء التوحيد، إلا بشارة لفتحهم، ولتطمئن بمعرفته قلوبهم، فإن الامتكان على قدر الامتحان، وكل محنة تزيد مكنة، وهذه سُنة الله في أوليائه يسلط عليهم الخلق في بدايتهم، ويشدد عليهم البلاء، حتى إذا طهروا من البقايا، وكملت فيهم المزايا، كف عنهم الأذى، وانقلب الجلال جمالاً، وذلك اعتناء بهم، ونصراً لهم على أنفسهم، فإن النصر كله مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ. وذلك ليقطع عنهم طرفاً من الشواغل والعلائق، التي تقبضهم عن العروج إلى سماء الحقائق، فإن الروح إذا رقدت في ظل العز والجاه صعب خروجها من هذا العالم، فإذا ضيق عليها، وعكس مرادها، رحلت إلى عالم الملكوت، والأمر كله بيد الله. ليس لك أيها الفقير من الأمر شيء، إنما أنت مأمور بتحريك الأسباب «1» والله يفتح الباب. وليس لك أيها الشيخ من الأمر شيء، إنما أنت مذكر، وعلى الله البلاغ، فلا تأس على ما فاتك، ولا تفرح بما آتاك، فملكوت السموات والأرض بيد الله، يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
قال القشيري: جرَّده- أي: نبيه صلى الله عليه وسلم لما به عرفه عن كُلِّ غيْرٍ وسبب، حيث أخبره أنه ليس له من الأمر شيء، ثم قال: ويقال: أقامه في وقتٍ مقاماً رمى بقبضة من التراب، فأصابت جميع الوجوه، وقال: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وقال في وقت آخر: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ. هـ.
يشير إلى أنهما مقامان: نيابة عن الله بالله، ونيابة الله عن عبده، والأول بقاء، والثاني فناء، قاله المحشى.
قلت: الأول في مقام البسط، والثاني في مقام القبض، فقد قالوا: إذا بسط فلا فاقة، وإذا قبض فلا طاقة. والله تعالى أعلم.
ولما كان النصر فى الجهاد لا يكون إلا بأكل الحلال وطاعة الكبير المتعال، قدّم ذكر ذلك قبل الأمر بالقتال فى قضية أحد، فقال:
(1) فى «أ» السبب.