الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم فصل أعمال العمال، وما أعد لهم من الثواب فقال: فَالَّذِينَ هاجَرُوا دار الشرك، وفارقوا الأوطان والأصحاب والعشائر، وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي بسبب إيمانهم بالله، وَقاتَلُوا الكفار، وَقُتِلُوا أي: ماتوا في الجهاد. وقرىء بالعكس لأن الواو لا ترتب، أو قتل بعضهم، وقاتل الباقون ولم يضعفوا، لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ أي: لأمحونها، وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي: أثيبهم ثواباً من عند الله تفضلاً وإحساناً، وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ لا يعجزه شيء.
الإشارة: لما توجهوا إليه بهممهم العلية، وعزائمهم القوية، فقرعوا بابه بدوام ذكره، والتفكر في عظمة ذاته، وجميل إحسانه وبره، وتضرعوا إليه بلسان الذل والانكسار، وحال الخضوع والاضطرار، أجابهم ففتح في وجوههم الباب، وأدخلهم في حضرته مع الأحباب، لأنه يجيب السؤال، ولا يخيب الآمال، بعد أن هاجروا الأوطان، وفارقوا العشائر والإخوان، إلا من يزيد بهم إلى الرحمن، فقاتلوا نفوسهم حتى ماتت فحييت بالوصال، إلى جوار الكبير المتعال، قال الشاعر:
إنْ تُردْ وَصْلنَا فَمَوْتكَ شَرْطٌ
…
لا يَنَالُ الوِصَالَ من فيه فضله
فمحا عن عين بصائرهم سيئات الأغيار، وطهَّر قلوبهم من درن الأكدار، حتى دخلوا جنة المعارف، التي لا يحيط بوصفها وصف واصف، تجري من تحتها أنهار العلوم، وتنفتح منها مخازن الفهوم، ثواباً من عند الحيّ القيوم والله تعالى أعلم.
ولما بسط الله الدنيا على اليهود والمشركين، استدراجا، قال بعض المؤمنين: إن أعداء الله فيما نرى من الخير، وقد هلكنا من الجوع والجهد، فأنزل الله تعالى:
[سورة آل عمران (3) : الآيات 196 الى 198]
لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (196) مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (197) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ (198)
قلت: النُزل- ويسكن-: ما يُقَدم للنازل من طعام وشراب وصلة، وانتصابه: على الحال من (جنات)، والعامل فيه: الظرف، أو على المصدر المؤكد، أي: أُنزلوها نزلاً.
يقول الحق جل جلاله: لا يَغُرَّنَّكَ أيها السامع أو أيها الرسول، والمراد: تثبيته على ما كان عليه، كقوله:
فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ، أي: دُمْ على ما أنت عليه من عدم اغترارك بظاهر ما ترى عليه الكفار من البسط في الدنيا، والتقلب فيها بالتجارات والزراعات، وما هم عليه من الخصب ولين عيش، فإن ذلك مَتاعٌ قَلِيلٌ بلغة فانية، ومتعة زائلة، وظلال آفلة، وسحابة حائلة. قال صلى الله عليه وسلم:«ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلَاّ مِثْلُ ما يَجْعَلُ أَحَدُكُم إصْبَعَهِ في اليَمِّ، فَلْيَنْظُر بِمَ يَرْجِعَ» . فلا بد أن يرحلوا عنها قهراً، ثُمَّ مَأْواهُمْ أي: مصيرهم جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ ما مهدوا لأنفسهم.
والمعتبر عند الأكياس هو ما أعد الله للمتقين من الناس، قال تعالى: لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ وخافوا عقابه، لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها، هيأ ذلك لهم وأعده نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هذا النزول الذي يقدم للضيف، وأما ما أعد لهم بعد النزول فلا يعبر عنه لسان، ولذلك قال: وَما عِنْدَ اللَّهِ من النعيم الذي لا يفنى، جسماني وروحاني، خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ مما ينقلب إليه الفجار. قيل: حقيقة البر: هو الذي لا يؤذي الذرّ.
الإشارة: لا يغرنك أيها الفقير ما ترى عليه أهل الدنيا من اتخاذ المنازل المشيدة، والفرش الممهدة، فإن الدنيا متاعها قليل، وعزيزها قليل، وغنيها فقير، وكبيرها حقير، واعتبر بحال نبيك- عليه الصلاة والسلام.
قال أنس رضي الله عنه: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهُو على سَرِير مرفل بالشريط- أي: مضفور به- وتحت رَأسِهِ وسَادَةٌ من أدم، حشوها ليف، فدخل عليه عمر، وانحرف النبي صلى الله عليه وسلم انحرافة، فرأى عمر أثر الشريط في جَنْبِهِ، فَبكَى، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:«ما يُبْكِيكَ يا عمر» ؟ فقال: مَالِيَ لا أبْكِي وكِسْرى وقَيْصَرُ يعيشان فيما يعيشان فيه من الدنيا، وأنت على الحال الذي أرى، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:«يا عمر أمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لهُم الدُّنيا وَلَنا الآخرَةُ» .
رواه البخاري.
وانظر ما أعدّ الله للمتقين الأبرار، الذين صبروا قدر ساعة من نهار، فأفضوا إلى جوار الكريم الغفار فى دار القرار، وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ، ولا سيما العارفين الكبار. قال الورتجبي: بيِّن الحق- تعالى- رفعة منزل المتقين في الجنان، ثم أبْهم لطائف العناية بقوله: وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ أي: ما عنده من نعيم المشاهدة، ولطائف القربة، وحلاوة الوصلة، خير مما هم فيه من نعيم الجنة، وأيضاً: صرح في هذه الآية ببيان مراتب الولاية، لأنه ذكر المتقين، والتقوى: تقديس الباطن عن لوث الطبيعة، وتنزيه الأخلاق عن دنس