الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه: والله ما بيني وبين الرجل إلَاّ أن أنظر إليه وقد أغنيته. وقال فيه شيخه: نعم الرجل أبو العباس، يأتيه البدويُّ يبول على ساقه، فلا يُمسي إلا وقد أوصله إلى ربه. وقال شيخ شيوخنا سيدي العربي بن عبد الله: لو أتاني يهودي أو نصراني، لَمْ يُمْسِ إلا وقد أوصلته إلى الله. هـ. وفي كل زمان رجال يُغْنُونَ بالنظر، وقد أدركتهم، وصحبتُهم والحمد لله. والإشارة بقوله: وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إلى أهل الغنى بالله، يتصدقون على الفقراء بالنظرة والهمة، حتى يحصل لهم الغنى بالله. والله تعالى أعلم.
ثم أمر الحق تعالى بتحصين الأموال بتقييد الديون والإشهاد عليها، فقال:
[سورة البقرة (2) : آية 282]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَاّ تَرْتابُوا إِلَاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَاّ تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282)
يقول الحق جل جلاله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ أي: داين بعضكم بعضاً فى بيع أو سلف، إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أي: معلوم بالأيام أو الأشهر، لا بالحصاد أو قدوم الحاج، ألا في السَّلمَ، فَاكْتُبُوهُ لأنه أوثق وأدفع للنزاع. والجمهور: أن الأمر للاستحباب، وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ لا يزيد ولا ينقص، ولا بد أن يكون عدلا حتى يجيىء مكتوبه موثوقاً به، وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ أي: ولا يمتنع كاتب من الكتابة كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ أي: فليكتب كما علمه الله من كتابه الوثائق، أو: لا يأب أن ينفع الناس بكتابته كما نفعه الله بتعليمها. وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ أي: وليكن المُملي مَنْ عليه الحق لأنه المُقر للشهود، يقال: أملل وأملي، إذا ذكر ما عنده أو ما عليه، وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ أي: المملي أو الكاتب، وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً أي: ولا ينقص من الحق الذي عليه شيئاً في الإملاء أو في الكتابة.
فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً: ناقص العقل مُبذراً، أَوْ ضَعِيفاً شيخاً مخبلاً، أو صبيّاً صغيراً، أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ، لخرس أو جهل باللغة، فَلْيُمْلِلْ عنه وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ، من وَصِيٍّ أو وكيل، وَاسْتَشْهِدُوا على معاملتكم شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ المسلمين، فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ، بأن تعذر إحضارهما، فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ فأكثر، تقوم مقام رجلين مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ لعلمكم بعدالتهم، وإنما شرط تعدد النساء لأجل أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى أي: إن ضلت إحداهما الشهادة، ونسيتها، ذكرتها الأخرى لأنها ناقصة عقل ودين.
ثم حذَّر الشهود من الامتناع عن تحمل الشهادة أو أدائها، فقال:
وَلا يَأْبَ
…
قلت: السَّأَمُ هو: الملَلُ، و (لا يضار) يحتمل أن يكون مبنيّاً للفاعل، وأصله: يضارر بالكسر، أو للمفعول، فيكون الأصح بالفتح.
يقول الحق جل جلاله: ولا يمتنع الشُّهَداءِ من تحمل الشهادة إذا دعوا إليها، حيث تعيَّنت عليهم، وسُموا شهداء باعتبار المآل، وإنما تتعين إذا لم يوجد غيرهم. أو: من أدائها حيث لا ضرر، وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ أي: ولا تملوا من كتابة الحق إذا تكرر صَغِيراً كان أَوْ كَبِيراً، فقيدوا ذلك إِلى أَجَلِهِ، ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ أي: ذلك الكتاب والتقييد للحقوق، أكثر قسطاً عند الله لأنه أدفع للنزاع وأحفظ للحقوق، وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ أي: أثبتُ لها وأعون على أدائها، وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا أي: وأقرب لعدم الريب والشك في جنس الدين وقَدْره وأجلَه، لأنه إذا كتب جنسه وقدره وأجله لم يبق لأحد شك في ذلك، إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً لا أجَل فيها، تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ أي: تتعاملون فيها نقداً، فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها لقلة النزاع فيها، وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ مطلقاً بدين أو نقد لأنه أحوط، خوفاً من الإنكار، والأوامر في هذه الآية للاستحباب عند الأكثر.