الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فلما رأوا جدَّه قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا مَا هِيَ، هل هي كبيرة أو صغيرة أو متوسطة؟ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لَاّ فارِضٌ أي: كبيرة، وَلا بِكْرٌ أي: ولا صغيرة، عَوانٌ متوسطة بين ما ذكر من الصغر والكبر، فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ، فإن الله يُبين لكم القاتل، قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها، أهي حمراء أو سوداء أو صفراء؟ قالَ إِنَّهُ تعالى يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها ناصع صفرتها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ لسمنها وبهجة لونها، قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ، فإن البقر الصفر كثير، وقد تشابه علينا أمرها؟ قالَ إِنَّهُ تعالى يقول: إنها مسلمة من العمل ليست ذلولاً، أي: مذللة بالعمل لا تُثِيرُ أي: تقلب الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ بالسانية «1» . مُسَلَّمَةٌ من العيوب كلها، لَاّ شِيَةَ فِيها أي: لا رقم فيها يخالف الصفرة.
فلما تبين لهم الأمر قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ الواضح، فوجدوها عند شاب كان بيد أمه، قد استودعها له أبوه في غيضة «2» ، فاشتروها منه بملء جلدها ذهباً، أو بوزنها، فَذَبَحُوها، وضربوا القتيل بجزء منها، فجلس وعروقه تسيل دماً، وقال: قتلني ابن عم لي، ثم رجع، وَما كادُوا يَفْعَلُونَ لكثرة ترددهم، أو لفحش غلوها. قال عليه الصلاة والسلام:«لو ذبحوا أدنى بقرة لكفتهم لكن شددوا فشدد الله عليهم» .
ثم ذكر أول القصة، فقال:
[سورة البقرة (2) : الآيات 72 الى 73]
وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73)
قلت: حق هذه الآية أن تتقدم قبل قوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ
…
وإنما أخَّرها الحق تعالى ليتوجه العتاب إليهم مرتين على ترك المسارعة لامتثال أمر نبيهم، وعلى قتل النفس، ولو قدمها لكانت قصة واحدة بتوبيخ واحد.
يقول الحق جل جلاله: وَاذكروا إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً حرصاً على الدنيا فَادَّارَأْتُمْ أي: تدافعتم في شأنها، كل قرية تدفع عنها، وَاللَّهُ تعالى مُخْرِجٌ ومبين مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ من القتل، ومن قتله، فَقُلْنا
: اضربوا القتيل أو قبره بِبَعْضِها
قيل: اللسان، وقيل: القلب، وقيل: الفخد أو الذنب، فضربوه فحيى، وأخبر بقاتله كما تقدم، كَذلِكَ
أي: كما أحيا هذا القتيل، يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى
من قبورها وَيُرِيكُمْ آياتِهِ
الدالة على قدرته، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
فتعلمون أنَّ مَن قَدَر على إحياء نفس واحدة يقدر على إحياء الأنفس كلها.
(1) السانية: الساقية.
(2)
الموضع الذي يكثر فيه الشجر.
واستدلت المالكية بالقصة على التدمية الحمراء «1» ، وهي قبول قول القتيل قبل موته بأن فلاناً قتله، وفيه نظر لأن هذا حيى بعد موته فلا يتطرقه الكذب، واستدلت أيضاً على حرمان القاتل من الإرث، وفيه نظر لأن هذه شريعة من قبلنا يتطرقها النسخ، لكن ثبت في الحديث أنه لا يرث. والله تعالى أعلم.
الإشارة: إذا أمر الشيخ المريدين بذبح نفوسهم بخرق عوائدها، فمن تردد منهم في فعل ما تموت به نفسه، كان ذلك دليلاً على قلة صدقه وضعف نهايته، ومن بادر منهم إلى قتلها دلّ ذلك على صدقه وفلاحه ونجح نهايته، فإذا ماتت النفس بالكلية حييت روحه بالمعرفة والمشاهدة الدائمة، فلا موت بعدها أبداً، قال تعالى:
لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى، وأما الموت الطبيعي فإنما هو انتقال من مقام إلى مقام، ومن وطن ضيق إلى وطن واسع، وأنشدوا:
لا تظُنُّوا الموتَ موتاً إنهُ
…
لَحَيَاةٌ، وَهْو غايةُ المنَى
لا تَرُعْكُم هَجْمَةُ الموتِ فَما
…
هُو إلا انْتِقَالٌ مِنْ هنَا
فاخلعوا الأجساد من أنفسكم
…
تُبْصِرُوا الحقَّ عيَاناً بَيِّنَا
قلت: والسيف الذي يُجْهز على النفس ويسرع قتلها هو الذل والفقر، فمن ذلّ نفسه بين أبناء جنسه، وخرق عوائد نفسه، وزهد في الدنيا، ماتت نفسه في طرفة عين، وحيِيَتْ روحه، وظفر بِقُرَّةِ العين، وهي معرفة مولاه، والغيبة عما سواه.
وكمال الوقت في ذبح النفس أن تكون متوسطة بين الصغر والكبر، فإن الصغيرة جدّاً لا يؤمن عليها الرجوع، والكبيرة جدّاً قد يصعب عليها النزوع، كاملة الأوصاف بحسن الزهد والعفاف، تسر الناظرين لبهجة منظرها وحسن طلعتها، وكذلك مَن كان من أهل الشهود والنظرة، تسحر مشاهدته القلوب، ويسوقها بسرعة إلى حضرة علام الغيوب، لما أقيم به من مشاهدته الملكوت، حتى إن من لا حظه تناسى أحوال البشرية، واستولت عليه أنوار الروحانية، وغاب في ذكر الحبيب عن البعيد والقريب، كما في الحديث:«أولياء اللَّهِ مَنْ إِذا رُؤوا ذُكر الله» وتكون أيضاً هذه النفس غير مذللة بطلب الدنيا والحرص عليها، مسلمة لا عيب فيها، ولا رِقَّ لشيء من الأثر عليها، فحينئذٍ تصلح للحضرة، وتتمتع بنعيم الشهود والنظرة، لم يبق لخصم الفَرْقِ معها تدارؤٌ ولا نزاع، بل أقر الخصم وارتفع النزاع.
(1) التدمية الحمراء فى القتيل الذي به جرح أو أثر ضرب أو سم، فإن لم يكن به فهى التدمية البيضاء.