الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقال القشيري: قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ الأمر في هذه الآية مضمر، أي: قولوا: اهدنا.
والصراط المستقيم: طريق الحق، وهو ما عليه أهل التوحيد، أي: أرشدْنا إلى الحق لئلا نتكل على وسائط المعاملات، فيقعَ على وجه التوحيد غُبَارُ الظنون والحسابات لتكون دليلنا عليك. ثم قال: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ أي: الواصلين بك إليك، ثم قال: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ بنسيان التوفيق والتَّعامِي عن رؤية التأييد، وَلَا الضَّالِّينَ عن شهودِ سابقِ الاختيار، وجريان تصاريف الأقدار. هـ.
تتمات:
الأولى: هذه السورة جمعت معانى القرآن كلّها، فكأنها نسخة مختصرة منه، ولذلك سميت أمّ القرآن، فالإلهيات حاصلة من قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، والدار الآخرة من قوله: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، والعبادات كلّها من الاعتقادات والأحكام الظاهرة التي تقتضيها الأوامر والنواهي، من قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ والمقامات وأسرار المعاملات الباطنة- تخلية وتحلية- من قوله: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ والأنبياء وغيرهم من قوله: الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ وذكر طوائف الكفار من قوله: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ.
وقال الشيخ ابن أبي جمرة رضى الله عنه فى بيان تضمنها لكتاب الله: إن لفظ (الحمد) يتضمن كل ما في كتاب الله من الحمد والشكر لأن الحمد أعمّ من الشكر، وأتى بالعام ليدل على الصفتين. ولفظة (الله) تدل على ما فى الكتاب العزيز من أسماء الترفيع والتعظيم لأنه قيل: أنه اسم الله الأعظم، ولفظ: رَبِّ الْعالَمِينَ يدل على ما فيه من أسماء الله، سبحانه، وعلى العوالم وعلى اختلافها وخالقها والمتصرف فيها. ولفظ: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يتضمن كل ما فى الكتاب من المغفرة والرحمة والإنعام والعفو والإفضال، ولفظ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يدل على ما فيه من ذكر الآخرة وما فيه من الأهوال، ولفظ إِيَّاكَ نَعْبُدُ يتضمن ما فيه من التعبّدات وإفراده بالألوهية، ولفظ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يدل على ما فيه من طلب الاستعانة وذكر الاضطرار، ولفظ اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ يتضمن ما فيه من طلب الهداية إلى سبيل الخير، ولفظ: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ يتضمن ما فيه من ذكر الخصوص والمرضىّ عنهم والمعفوّ عنهم وأهل السعادة، ولفظ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ يتضمن ما فيه من أنواع الكفر والمخالفات ومساوئهم ومآلهم فاستحقّت أن تسمى أمّا. هـ.
وعن عليّ- كرّم الله وجهه- قال: (شرح موسى عليه السلام التوراة فى سبعين سفرا، ولو أذن لى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأوقرت على الفاتحة سبعين بعيرا) . قلت: قوله (سبعين) تقريبا، وإلا فهى قابلة لأكثر من ذلك، وتفصيل ذلك يطول، وقد ذكرنا أصول علومها فى شرحنا الكبير عليها. والله تعالى أعلم.
الثانية: قال ابن جزىّ: قولنا: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ أفضل عند المحققين من (لا إله إلا الله) لوجهين:
أحدهما: ما أخرج النّسائيّ: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنه مَن قال: لا إله إلا الله، كتبت له عشرون حسنة، ومن قال:
الحمد لله رب العالمين، كتبت له ثلاثون حسنة» . والثاني: أن التوحيد الذي تقتضيه (لا إله إلا الله)، حاصل فى قولك:(رب العالمين) وزادت بقولك: الحمد لله، وفيه من المعاني ما قدّمنا. وأما قوله صلى الله عليه وسلم:«أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلى: لا إله إلا الله» فإنما ذلك للتوحيد الذي تقتضيه، وقد شاركتها (الحمد لله رب العالمين) فى ذلك وزادت عليها. وهذا لمؤمن حقّق إيمانه وطلب الثواب، وأما لمن دخل فى الإسلام فيتعيّن «لا إله إلا الله» . هـ.
قلت: والتحقيق أن كل ما يدل على التوحيد من الألفاظ يكفى فى الدخول فى الإسلام، كما قال البنانىّ فى حاشيته.
الثالثة: قراءة الفاتحة فى الصلاة واجبة عند مالك والشافعي خلافاً لأبي حنيفة، وقد ذكرنا فى الشرح الكبير منشأ الخلاف.
الرابعة: التأمين عند ختم الفاتحة مطلوب للدعاء الذي فيها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ما حسدتكم اليهود على شىء ما حسدتكم على السّلام والتّأمين» . رواه ابن ماجة. وقال أيضا صلى الله عليه وسلم: «إن الله أعطانى خصالا ثلاثة:
أعطانى صلاة الصّفوف وأعطانى التحية، وإنها لتحية أهل الجنة، وأعطانى التأمين، ولم يعطه أحدا من النبيين قبلى، إلا أن يكون الله أعطاه هارون، يدعو موسى ويؤمن هارون» رواه ابن خزيمة. وسمع عليه الصلاة والسلام رجلا يدعو ويلح فقال:«أوجب إن ختم» فقال بعض القوم: بأيّ شىء يختم؟ فقال: «يؤمن فإنه إن ختم بآمين فقد أوجب» . قال أبو زهير- راوى الحديث- فإن آمين مثل الطّابع على الصحيفة. ولعلّه مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، رواه أبو داود.
ولفظ آمِّينَ بالمدّ والقصر مخففا. وتشديد الميم لغة. قيل: هو اسم من أسماء الله تعالى.. وقيل معناه: اللهم استجب، أو كذلك فافعل، أو كذلك فليكن. قاله المنذرى فى الترغيب. قال البيضاوي: بنى على الفتح كأين لالتقاء الساكنين، وجاء مدّ ألفه وقصرها. قال:
ويرحم الله عبدا قال آمينا «1»
(1) هذا شطر بيت، أوله: (يا رب لا تسلبنى حبها أبدا
…
) ونسبه ابن منظور فى اللسان إلى عمر بن أبى ربيعة. قلت: وقد أغفل الشيخ المفسر ذكر مثال القصر. وهو كما فى أنوار التنزيل ولسان العرب:
تباعد منى فطحل، إذ سألته
…
أمين فزاد الله ما بيننا بعدا
وليس من القرآن اتفاقا، ولكن يسنّ ختم السورة به لقوله عليه الصلاة والسلام:«علّمنى جبريل عليه السلام آمين عند فراغى من قراءة الفاتحة» . وقال: إنّه كالختم على الكتاب.
ويقوله الإمام ويجهر به فى الجهرية، لما روى عن وائل بن حجر «أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا قرأ: وَلَا الضَّالِّينَ قال: آمين، رفع بها صوته» وعن أبى حنيفة- رحمه الله أنه لا يقوله. والمشهور عنه أنه يخفيه كما رواه عبد الله بن مُغفل وأنس. قلت: ومشهور مذهب مالك أن الإمام لا يقوله فى الجهرية.
ثم قال: والمأموم يؤمن معه لقوله- عليه الصلاة والسلام: «إذا قال الإمام ولا الضالين، فقولوا: آمين، فإن الملائكة تقول: آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفِر لَه ما تقدَم من ذنبه» . وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. وصلّى الله على سيدنا ومولانا محمد عين الحق والتحقيق، وعلى آله وصحبه المطهرين بعده، أعلام الطريق، وسلّم تسليما.