الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يقول الحق جل جلاله: سَتَجِدُونَ قوماً آخَرِينَ منافقين، وهم أسد وغطفان، قَدِمُوا المدينة، وأظهروا الإسلام نفاقًا ورياء إذا لقوا النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: إنا على دينك، يريدون الأمن، إذا لقوا قومهم، وقالوا لأحدهم: لماذا أسلمت، ومن تعبد؟ فيقول: لهذا القرد ولهذا العقرب والخنفساء، يُرِيدُونَ بإظهار الإسلام أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ، كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها، أي: كلما دُعُوا إلى الكفر رَجَعُوا إليه أقبحَ رد، فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ أي: ولم يلقوا إليكم المسالمة والصلح، ولم يَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ بأن تعرضوا لكم وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ أي: وجدتموهم، وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً، أي: تسلطاً مُبِيناً ظاهرًا، لظهور كفرهم وثبوت عداوتهم.
الإشارة: النفوس على ثلاثة أقسام: قسم مطلقة العنان في الجرائم والعصيان، وهي النفوس الأمارة، وإليها الإشارة بالآية قبلها، والله أعلم. وقسم مذبذبة تارة تظهر الطاعة والإذعان، تريد أن يأمنها صاحبها، وتارة ترجع إلى الغي والعصيان، مهما دعيت إلى فتنة وقعت فيها، فإن لم تنته عن ذلك، وتكف عن غيها، فالواجب جهادها وقتلها حتى تنقاد بالكلية إلى ربها، وأما النفس المطمئنة فلا كلام معها لتحقق إسلامها، فالواجب الكف عنها وحبها. والله تعالى أعلم.
ولما فرغ من حفظ الأديان تكلم على بقية حفظ الأبدان، فقال:
[سورة النساء (4) : آية 92]
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَاّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (92)
قلت: (وما كان لمؤمن) النفي هنا بمعنى النهي، كقوله: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ، و (إلا خطًأ) : استثناء منقطع، و (خطأ) : حال، أو مفعول من أجله، أو صفة لمصدر محذوف، أي: لا يحل له أن يقتل مؤمنًا في حال من الأحوال، لكن إن وقع خطّأ فحكمه ما يأتي. وقيل: متصل. انظر ابن جزي. أو: إلا قتلا خطّأ، و (إلا أن يصدقوا) : حال، أي: إلا حال تصدقهم، و (توبة) : مفعول من أجله، أي: شرع ذلك لأجل التوبة. أو، مصدر، أي: تاب عليكم توبة.
يقول الحق جل جلاله: وَما كانَ ينبغي لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً مثله، أي: هو حرام عليه، إِلَّا أن يقتله خَطَأً بأن ظنه كافرًا، أو رمى غيرَه فصادفه. والآية نزلت بسبب قتل عياش بن ربيعة للحارث بن زيد، وكان الحارث يعذبه على الإسلام، ثم أسلم الحارث، وهاجر، ولم يعلم عياشُ بإسلامه، فقتله.
ثم ذكر حُكمه فقال: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ أي: فعليه تحرير رقبة مُؤْمِنَةٍ سالمة من العيوب، ليس فيها شوب حرية، تكون من مال القاتل، وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ أي: مدفوعة إِلى أَهْلِهِ وهي على العاقلة كما بيّن الرسول- عليه الصلاة والسلام، وهي عند مالك: مائة من الإبل على أهل الإبل، وألف دينار شرعية على أهل الذهب، وأثنا عشر ألف درهم، على أهل الوَرِق، مقسطة على ثلاث سنين، فإن لم تكن العاقلة فعلى بيت المال، وتقسم على أهله، على حسب المواريث، إلا أن يتصدقوا بالدية على القاتل فتسقط، أي: تسمح فيها الورثة أو القتيل قبل موته.
فَإِنْ كانَ المقتول مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ أي: محاربين لكم، وَهُوَ أي: المقتول مُؤْمِنٌ فعلى القاتل تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ولا دية لأنهم محاربون فيتقووا بها على المسلمين، ورأى مالك أن الدية في هذا واجبة لبيت المال، وَإِنْ كانَ المقتول مؤمنًا وهو مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أي: عقد الصلح أو الذمة، فعلى القاتل دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ، وعليه أيضًا تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ كفارة لخطئه. فإن كان غير مؤمن فلا كفارة فيه. وفيه نصف دية المسلم، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ الرقبة، أو لم يقدر عليها فعليه فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ عوضًا من العتق، جعل الله ذلك تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ على القاتل لتفريطه. وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بما فرض، حَكِيماً فيما قدَّر ودبَّر. والله تعالى أعلم.
الإشارة: اعلم أن الحق- جل جلاله قد رغَّب في إحياء النفوس، حسًا ومعنًى، ونهى عن قتلها حسًا ومعنًى، وما ذلك إلا لخصوص محبة له فيها، ومزيد اعتناء له بشأنها فليس في الوجود أعز عند الله من مظهر هذا الآدمي إن استقام في العبودية لربه، فهو قلب الوجود، ومن أجله ظهر كل موجود، وهو المنظور إليه من هذا العالم السفلي، والمقصود بالخطاب التكليفي: جزئي وكلي، فهو المقصود من بيت القصيد، وهو المحبوب إليه، دون سائر العبيد، قال تعالى: وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي.