الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تنبيه: العلم باعتبار وجوب إظهاره وكتمه على ثلاثة أقسام:
قسم يجب إظهاره، ومَنْ كَتَمَه دخل في وعيد الآية، وهو علم الشريعة الظاهرة، إذا تعيَّن على المسئول بحيث لم يُوجَد من يُفتِي في تلك النازلة.
وقسم يجب كتمه، وهو علم سرّ الربوبية، أعني التوحيدَ الخاص، فهذا لا يجوز إفشاؤه إلا لأهله، وهو من بذل نَفْسَه وفَلْسَهُ وخَرقَ عوائد نفسه، فهذا لا يحل كتمه عنه إذا طلبه.
وقسم يُستحب كتمه، وهو أسرار القدَر المُغَيَّبَات، فهذا من باب الكرامات يستحب كتمها ولا يجب، والله تعالى أعلم.
هنا انتهى العتاب لبني إسرائيل والكلام معهم، وابتداؤه من قوله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ..،. وإنما تخلَّل الكلامَ ذكرُ إبراهيم وبنيه توطئةً لنسخ القبلة الذي أنكروه، فذكر بناء الكعبة وبيان شرفها، وانجر الكلام إلى ذكر الصفا والمروة لقرب المناسبة والجوار.
فلما فرغ من عتابهم دلَّهم على التوحيد، وشاركهم فى ذلك غيرهم، فقال:
[سورة البقرة (2) : الآيات 163 الى 164]
وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لَا إِلهَ إِلَاّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (163) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)
قلت: إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ مبتدأ وخبر، وجملة لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ: تقرير لها وتأكيد، والرَّحْمنُ الرَّحِيمُ: خبران آخران، أو عن مبتدأ مضمر، وأنث الْفُلْكِ لأنه بمعنى السفينة، ومِنَ السَّماءِ ابتدائية، ومِنْ ماءٍ بيانية، وبَثَّ: عطف على أَنْزَلَ أو فَأَحْيا لأن الحيوانات تنمو بنزول المطر والخصب، والبث: النشر والتفريق وتَصْرِيفِ الرِّياحِ: هبوبها من الجهات المختلفة.
يقول الحق جل جلاله: وَإِلهُكُمْ يا معشر العباد الذي يستحق ان يُعبد إِلهٌ واحِدٌ لا شريك له، ولا نظير، ولا ضد له ولا ند، لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ، إذ لا يستحق العبادة غيره، إذ هو الرَّحْمنُ بنعمة الإيجاد الرَّحِيمُ بنعمة الإمداد، فكل ما سواه مُكونٌ مخلوق، إما مُنْعَم عليه أو نعمة، فلم يستحق العبادة غيره.
ثم برهن على وجوده، وثبوت وحدانيته بثمانية أمور، فقال: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ طباقاً متفاصلة مرفوعة بغير عمد، وما اشتملت عليه من الكواكب والبروج والمنازل، وفي الْأَرْضِ وما اشتملت عليه من الجبال والبحار والأنهار والأشجار وأنواع الثمار، وفي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ بالطول والقصر، أو تعاقبهما بالذهاب والمجيء، (و) في الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بقدرته مع إمكان رسوبها إلى الأسفل، متلبسة بِما يَنْفَعُ النَّاسَ من التجارة وغيرها. وقال البيضاوي: القصد الاستدلال بالبحر وأحواله، وتخصيص الفلك بالذكر لأنه سبب الخوض فيه والاطلاع على عجائبه ولذلك قَدَّمه على ذكر المطر والسحاب، لأن منشأهما منه في الغالب. هـ.
(و) في ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ من غير ظهور مادة سابقة، بل تُبرزه القدرة من عالم الغيب قريب عهد بالله، ولذلك (كان عليه الصلاة والسلام يَتَمَطَّر) أي: يَنْصُبُ وجهه للمطر إذا نزل تبركاً به، فَأَحْيا الحقّ تعالى بذلك المطر الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ويُبْسِها، بالنبات والأزهار وأصناف النّوار والثمار، وفيما نشر فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ من النملة إلى الفيلة، (و) في تَصْرِيفِ الرِّياحِ وهبوبها من جهات مختلفة، وهي الجهات الأربع وما بينها بصفات مختلفة، مُلَقِّحَةٍ للشجر وعقيم وصرِ «1» ، وللنصر والهلاك، (و) في السَّحابِ الْمُسَخَّرِ أي: المذلَّل بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا يسقط ولا يرتفع، مع أن الطبع يقتضي أحدهما، أو مسخر للرياح تُقَلِّبه في جو السماء بمشيئة الله لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ. أي: تلك المخلوقات آيات دالة على وحدانيته تعالى وباهر قدرته، ولَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا.
وفي الآية حَضٍّ على التفكر، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام:«ويلٌ لِمَنْ قَرأَ هَذهِ الآيةِ فَمَجَّ بِها» «2» ،. أي:
لم يتفكر فيها، وفيها دلالة على شرف علم التوحيد العام والخاص. والله تعالى أعلم.
الإشارة: قال الجنيد: (التوحيد معنى تضْمَحِل فيه الرسوم وتندرج فيه العلوم، ويكونُ الله كما لم يزل) . قلت:
وهذا هو التوحيد الخاص، أعني توحيد أهل الشهود والعيان. ثم قال: (وأصولُه خمسة أشياء: رفعُ الحدَث، وإثبات
(1) ريح صر وصرصر: شديدة البرد.
(2)
لم يرد هذا الحديث فى شأن هذه الآية، وإنما ورد فى شأن قوله تعالى:(إن فى خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب) الآية 190 من سورة آل عمران. وأخرجه ابن حبان فى صحيحه (الإحسان: كتاب الرقاق: باب التوبة 2/ 10) مطولا عن السيدة عائشة رضى الله عنها.
القدم، وهُجْران الإخُوان، ومفارقةُ الأوطان، ونسيان ما عَلِم وجَهِل) . هـ. قلت: قوله: (وهجران الإخوان)، يعني:
غيرَ من يستعين بهم على السير، وأما من يستعين بهم فلا يستغني عنهم.
واعلم أن توحيد الخلق لله تعالى على ثلاث درجات:
الأولى: توحيد العامة: وهو الذي يعصِمُ النفس والمال، وينجو به من الخلود في النار، وهو نَفْيُ الشركاء والأنداد، والصاحبةِ والأولاد، والأشباه والأضداد.
الثانية: توحيد الخاصة: وهو أنْ يَرى الأفعال كلها صادرة من الله وحده، ويشاهد ذلك بطريق الكشف لا بطريق الاستدلال، فإنَّ ذلك حاصل لكل مؤمن، وإنما مَقامُ الخاصة يقينٌ في القلب بعلم ضروري لا يحتاج إلى دليل، وثمرة هذا العلم الانقطاعُ إلى الله، والتوكل عليه وحده، فلا يرجو إلا الله، ولا يخاف أحداً سواه، إذ ليس يرى فاعلا إلا الله، فيطرح الأسباب، وينبذ الأرباب.
الدرجة الثالثة: ألا يرى في الوجود إلا الله، ولا يشهد معه سواه، فيغيبَ عن النظر إلى الأكوان في شهود المكون، وهذا مقام الفناء، فإن رُدّ إلى شهود الأثر بالله سُمي مقام البقاء. هـ. قال بعضَه ابنُ جُزَيّ باختصار.
قلت: وفي التحقيق أنهما مقامان مقام أهل الدليل والبرهان، وهو المذكور في الآية، لأنه هو الذي يطيقه جميع العباد، ومقام أهل الشهود والعيان، وهو خاص بالأفراد الذين بذلوا مهجهم في طلب الله، باعوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله، فعوّضهم الله في الدنيا جنة المعارف، وزادهم في الآخرة جنة الزخارف.
(أهل الدليل والبرهان عموم عند أهل الشهود والعيان) لأن أهل الشهود والعيان قدسوا الحقّ تعالى عن أن يحتاج إلى دليل، فكيف يُعرف بالمعارف مَن به عرفت المعارف؟ كيف يستدل عليه بما هو في وجوده مفتقر إليه؟ أيكون لغيره من الظهور ما ليس له؟ - متى غاب حتى يحتاج إلى دليل عليه؟ ومتى بَعُدَ حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه؟ - ولله در القائل:
لَقَدْ ظهرتَ فَمَا تَخْفَى على أحدٍ
…
إلا على أَكْمَهِ لا يُبْصِرُ القمرَا
لَكِنْ بَطَنْتَ بِما أَظْهَرْتَ مُحْتَجِبا
…
وكيفَ يُبْصَرُ مَن بالعزةِ استترَا؟