الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقال آخر «1» :
ما لِلحِجَابِ مَكَانٌ في وجُودِكُمُ
…
إِلا بِسِرِّ حُروفِ (انظُرْ إلى الجَبَلَ)
أنتُم دلَلْتُمُ عليكُم مِنكُمُ ولكُمْ
…
دَيمُومَةٌ عبَّرتْ عَنْ غاَمِضِ الأزلِ
عَرَّفْتُم بكُم هذا الخبيرَ بِكُم
…
أنتُمْ هُمُ يا حياةَ القلْبِ يا أمَلِي
ولما كانت المحبة تزيد وتنقص باعتبار شهود الوحدانية، فكلما قَويَ التوحيدُ في القلب قويت المحبة لانحصارها في واحد، ذكرها بأثر التوحيد، فقال:
[سورة البقرة (2) : الآيات 165 الى 167]
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (165) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (166) وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167)
قلت: ويُحتمل في وجه المناسبة، أن يكون الحق تعالى لمّا ذكر دلائل التوحيد ذكّر من أعرض بعد وضوحها فأشرك معه، ليرتب بعد ذلك ما أعدَّ له من العذاب، والأنداد: جمع نِدْ وهو المِثْل، والمراد هنا الأصنام أو الرؤساء، والإضافة في كَحُبِّ اللَّهِ من إضافة المصدر إلى مفعوله، والحُب: ميل القلب إلى المحبوب، وسيأتي في الإشارة، إن شاء الله.
يقول الحق جل جلاله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أشباهاً وأمثالاً من الأصنام والرؤساء يُحِبُّونَهُمْ، وينقادون إليهم، كما يحبون الله تعالى، فيُسَوَّون في المحبة بين الله تعالى العلي الكبير، وبين المصنوع الذليل الحقير، وَالَّذِينَ آمَنُوا بالله ووحدوه أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ لأن المؤمنين لا يلتفتون عن محبوبهم في الشدة ولا في الرخاء، بخلاف الكفار فإنهم يعبدونهم في وقت الرخاء، فإذا نزل البلاء التجئوا إلى الله. قال تعالى: ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ الآية، وأيضاً: المؤمنون يعبدون الله بلا واسطة، والكفار يعبدونه بواسطة أصنامهم مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى وأيضا المؤمنون يعبدون ربّاً واحداً فاتحدت محبتهم.
قال سعيد بن جبير: (إن الله تعالى يأمر يوم القيامة مَنْ عبد الأصنام أن يدخلوا النار مع أصنامهم، فيمتنعون لعلمهم بالخلود فيها، ثم يقول للمؤمنين بين يدي الكفار: إن كنتم أحبائي فادخلوا، فيقتحم المؤمنون النار، وينادي مُنَأدٍ مِنْ تحت العرش: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ. وفي ذلك يقول ابن الفارض:
(1) وهو الششترى. [.....]
أحباي أَنتُم، أَحْسَنَ الدَّهرُ أم أَسا
…
فَكُونُوا كما شِئتُمُ، أَنا ذَلك الخِل
وقال أيضاً:
لَو قالَ تِيهاً: قِف عَلَى جَمْرِ الغَضَا «1» ،
…
لوقفتُ مُمْتثلاً ولَمْ أَتَوقَّفِ
وقال آخر:
ولَو عَذَّبْتَني في النارِ حتْماً
…
دخلتُ مُطاوعاً وسْطَ الجَحِيمِ
إذا كَانَ الجَحِيمُ رِضَاك عَنِّي
…
فَمَا ذاكَ الجَحِيمُ سِوَى نَعِيمِ
الإشارة: المحبةُ: مَيلٌ دائم بقلب هائم، أو مراقبة الحبيب في المشهد والمغيب، أو مواطأةُ القلب لمراد الرب، أو خوف ترك الخدْمة مع إقامة الحُرْمة، أو اسْتِقْلالُ الكثير من نفسك واستكثارُ القليل مِنْ حبيبك، أو معانقة الطاعة ومباينة المخالفة، وقال الشِّبْلِي:(أن تَغَار على المحبوب أن يحبه مثلك) والمحب على الحقيقة من لا سلطان على قلبه لغير محبوبه، ولا مشيئة له غير مشيئته، وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: (المحبة أخذة من الله لقلب عبده المؤمن عن كل شيء سواه، فترى النفس مائلة لطاعته، والعقل متحصّناً بمعروفه، والروح مأخوذة في حضرته، والسر مغمورا في مشاهدته، والعبد يستزيد من محبته فيزداد، ويفاتح بما هو أعذب من لذيذ مناجاته، فيكسي حلل التقريب على بساط القربة، ويمس أبكار الحقائق وثيبات العلوم، فمن أجل ذلك قالوا: أولياء الله عرائس، ولا يَرَى العرائسَ المجرمون
…
) الخ كلامه.
واعلم أن محبة العبد لمولاه سببُها شيئان:
أحدهُما: نظر العبد لإحسان الله إليه وضروب امتنانه عليه، وجُبِلَت القلوبُ على حب من أحسن إليها، وهذا هو المسمى بحب الهوى، وهو مكتسب، لأن الإنسان مغمور بإحسانات الله إليه، ومتمكن من النظر فيها، فكلما طالَع منةً مِنْ مِنَن الله التي لا تقبل الحصر ولا العدَّ، كان ذلك كحَبة زُرعت في أرض قلبه الطيب الزكي، فلا يزال يطالع مِنّةً بعد منّة، وكلُّ منّة أعظم من التي قبلها، لأنه كلما طالع المنن تنور قلبه وازداد إيماناً، وكشف من دقائق المنن ما لم يكن يُكشف له قبلُ، وظهر له خفايا المنن، وعظمت محبته.
(1) الغضى: شجر خشبه من أصلب الخشب، وجمره يبغى زمانا طويلا لا ينطفئ.
الثاني: كشْف الحجب، وإزالة الموانع عن ناظر القلب، حتى يرى جمال الحقّ وكماله، والجمال محبوب بالطبع، وهذان هما اللذان قصدت رابعة العدوية- رضى الله عنها-:
أُحِبُّكَ حُبَّين: حُبَّ الهَوَى
…
وحُبّاً لأنك أهلٌ لِذَاكَ
فأمّا الذي هو حُبُّ الهَوى
…
فَشُغْلي بِذِكْرِك عمَّن سِوَاكَ
وأمَّا الذي أنتَ أهلٌ لهُ
…
فكَشْفُكِ لِلْحُجْبِ حتى أراكَ
فَلا الحمدُ في ذَا ولا ذَاك لي
…
ولَكِنْ لكَ الحَمْدُ في ذَا وذاكَ
وإنما خَصَّصَتْ الحُبَّ الناشئ عن شهود الجمال بالأهلية دون الأول، وإن كان أهلاً للجميع لأن هذا منه إليه، لا كسب للعبد فيه، والآخر فيه كسب، وعمل العبد معلول، وقولها:(فَشُغْلي بِذِكْرِك عمَّن سِوَاكَ) من باب التعبير بالمسبب عن السبب، والأصل: فثمرته شغلي بذكرك عمن سواك، فهو مسبب عن المحبة لأنفسنا، وقولها أيضاً (كشفك للحجب حتى أراك) ، من باب التعبير بالسبب عن المسبب، والأصل، فبسببه كشفك للحجب حتى رأيتك بعينَيْ قلبي. وقولها: (فلا الحمد
…
) الخ، إخبار منها بأن الحُبَّيْن معاً منه وإليه وبه في الحقيقة، لا كسب لها في واحد منهما باعتبار الحقيقة، بل هو الحامد والمحمود، وإدراك التفاوت بين المقامين، - أعْني بين المحبة الناشئة عن شهود الإحسان، والناشئة عن شهود الجمال- ضروري عند كل ذائق، وأن الثانية أقوى. قاله في شرح الشريشية «1» .
قال ابن جُزَيّ: اعلم أن محبة العبد لربه على درجتين أحدهما: المحبة العامة، التي لا يخلو منها كل مؤمن، وهي واجبة، والأخرى: المحبة الخاصة التي ينفرد بها العلماء الربَّانيون والأولياء والأصفياء، وهي أعلى المقامات، وغاية المطلوبات، فإنَّ سائر مقامات الصالحين: كالخوف والرجاء والتوكل، وغير ذلك، مَبْنِيَةٌ على حظوظ النفس، ألا ترى أن الخائف إنما يخاف على نفسه، والراجي إنما يرجو منفعة نفسه، بخلاف المحبة، فإنها من أجل المحبوب فليست من المعاوضة.
واعلم أن سببَ محبةِ الله: معرفتُه، فتقوى المحبة على قدر المعرفة، وتضعف على قدر ضعف المعرفة، فإن الموجب للمحبة أحد أمرين أو كلاهما إذا اجتمعا، ولا شك أنهما اجتمعا في حق الله تعالى على غاية الكمال
(1) الشريشية للشيخ أحمد بن محمد البكري الشريشى، وشارحها أحمد بن يوسف الفاسى.
فالموجب الأول: الحسن والجمال، والآخر الإحسان والإجمال، فأما الجمال فهو محبوب بالطبع، فإن الإنسان بالضرورة يحب كل ما يُستحسن، ولا جمالَ مثلُ جمال الله تعالى، في حكمته البالغة وصنائعه البديعة، وصفاته الجميلة الساطعة الأنوار، التي تَرُوق العقول وتبهج القلوب، وإنما يُدْرَك جمالُه تعالى بالبصائر لا بالأبصار.
وأما الإحسان فقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، وإحسان الله إلى عباده متواتر، وإنعامُه عليهم باطن وظاهر، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها، ويكفيك أنه يُحسن إلى المطيع والعاصي، وإلى المؤمن والكافر، وكل إحسان ينسب إلى غيره فهو في الحقيقة منه وحدَه، فهو المستحق للمحبة وحده.
واعلم أن محبة الله إذا تمكنت من القلب ظهرت آثارها على الجوارح، من الجد في طاعته، والنَّشَطِ لخدمته، والحرص على مرضاته والتلذذ بمناجاته، والرضا بقضائه، والشوق إلى لقائه، والأُنْس بذكره، والاسْتِيحَاش مِنْ غيره، والفرار من الناس، والانفراد في الخلوات، وخروج الدنيا من القلب، ومحبة كل ما يحب الله، وكل من يحب الله، وإيثار الله على كل ما سواه.
قال الحارث المحاسبي: (المحبة ميلك إلى المحبوب بِكُلِّيتِكَ، ثم إيثارك له على نفسك ورُوحك، ثم موافقته سرّاً وجهراً، ثم علمك بتقصيرك في حبه) .
قلت: ظاهره أن المحبة أعلى من المعرفة، والتحقيق أن المعرفة أعلى من جميع المقامات لأنها لا تبقى معها بقية من الحجاب أصلاً، بخلاف المحبة، فإنها تكون مع بقية الحجاب، ألا ترى أن المحب يستوحش من الخلق، والعارف لا يستوحش من شيء لمعرفته في كل شيء.
قال في الحِكَم: (إنما استوحشَ العُبَّاد والزهاد من كل شيء لغيبتهم عن الله في كل شيء، ولو عرفوا الله في كل شيء ما استوحشوا من شيء) . وأيضاً: العارف أكمل أدباً من المحب لأن المعرفة إنما تحصُل بعد كمال التهذيب والتدريب، وقد تحصل المحبة قبل كمال التهذيب، مع أن المعرفة هي غاية المحبة ونهايتها، والله تعالى أعلم.
ثم ذكر الحقّ وعيدَ مَنْ أشرك مع الله في عبادته أو محبته، بعد وضوح برهان وحدانيته، فقال:
وَلَوْ يَرَى
…
قلت: لَوْ شرطية، ويَرَى شرطها، قرأ نافع وابن عامر ويعقوب بالخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم أو لكل سامع، والباقون بالغيب وإسناده إلى الظالم، لأنه المقصود بالوعيد والتهديد، وإِذْ ظرف للرؤية، وموضع يَرَوْنَ خفض بالإضافة، قرأ ابن عامر بضم الياء، على البناء للمفعول، والفاعلُ الحقيقي هو الله تعالى، بدليل يُرِيهِمُ اللَّهُ، والباقون بالفتح على البناء للفاعل، على حد: وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ. وأَنَّ الْقُوَّةَ معمول للجواب المحذوف، تعظيماً لشأنه، والتقدير: لو ترى يا محمد، أو يا مَنْ يسمَع، الذين ظلموا حين يرون العذاب، أو يريهم الله العذاب، لرأيت أمرا فظيعا وخطبا جسيماً، ولعلمت أن القوة لله جميعا.
وجَمِيعاً حال، أي: أن القوة ثابتة في حال اجتماعها، وقرأ أبو جعفر ويعقوب (إنَّ) بالكسر في الموضعين على الاستئناف، و (إذ تبرأ) بدل من (إذ يرون)، والأسباب: العهود والوُصَل التي كانت بينهم في الدنيا يتوادُّون عليها، وأصل السبب: كل شيء يتوصل به إلى شيء، ومنه قيل للحبل الذي يُصعد به: سبب، وللطريق:
سبب، قال الشاعر «1» :
ومَنْ هَابَ أَسْبابَ المَنِيِّةِ يلْقَها
…
ولَوْ رَامَ أسْبَابَ السماء بسُلَّم
و (حسَرات) : حال، إن كانت بصرية، على مذهب أهل السنة، أو مفعول ثالث إن كانت عِلمية على مذهب المعتزلة القائلين بعدم تشخص الأعمال.
يقول الحق جل جلاله: وَلَوْ يَرَى يا محمد، أو كل مَن يتأتى منه الرؤية، حالَ الَّذِينَ ظَلَمُوا باتخاذهم الأنداد والأوثان، بعد وضوح الأدلة وسُطوع البرهان، حيث يَرَوْنَ الْعَذابَ محيطاً بهم، والزبانيةُ تَغْلِبُهم، والنار تلتقطهم، لرأيت أمرا فظيعا، وخطبا جسيماً، ولعلمت أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً، أو لو يرى الذين ظلموا العذاب الذي أعد لهم بسبب شركهم، لرأوا أمراً عظيماً، ولتيقنوا أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ.
وذلك حين يتبرأ المتبوعون- وهم الرؤساء-، من الأتباع- وهم القلّة الضعفاء- والحالة أنهم رَأَوُا الْعَذابَ الفظيع، وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ أي: أسباب المودة والوُصْلات التي كانت بينهم في الدنيا، وصارت مودتهم عداوة، وَقالَ حينئذٍ الضعفاء الَّذِينَ اتَّبَعُوا شياطينهم في الكفر والضلال: لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً أي: رجعة للدنيا فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ أي: من كبرائهم كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا اليوم. كَذلِكَ أي: مثل ذلك الإبراء الفظيع يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ وندامات عَلَيْهِمْ فيدخلون النار على سبيل الخلود، وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ.
(1) وهو زهير بن أبى سلمى.