الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال الشيخ أبو الحسن- رضي الله عنه: (العارف هو الذي عرف إساءاته في إحسان الله إليه، وعرف شدائد الزمان في الألطاف الجارية من الله عليه، فاذكروا آلاء لله لعلكم تفلحون) . وأيضاً: كل ما يصيب المؤمن فمن كسب يده، ويعفو عن كثير.
وإن كان المريد وعد بالحفظ والنصر، فقد يكون ذلك بشروط خفيت عليه، فلم تتحقق فيه، فيخلف حفظه لينفذ قدر الله فيه، وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً.
وليتميز الصادق من الكاذب والمخلص من المنافق، كما أشار إلى ذلك بقوله:
[سورة آل عمران (3) : الآيات 166 الى 168]
وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (167) الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (168)
قلت: (وقيل لهم تعالوا) : استئناف، أو معطوف على (نافقوا)، و (الذين قالوا لإخوانهم) : بدل من الضمير المجرور في (لهم)، أي: وقيل للمنافقين: قاتلوا أو ادفعوا، ثم فسرهم بقوله: وهم (الذين قالوا لإخوانهم
…
) الخ. أو من الواو في (يكتمون) ، أو منصوب على الذم، أو مبتدأ، والخبر:(قل..) على من يجيز إنشاء الخبر، و (قعدوا) :
جملة حالية، على إضمار قد.
يقول الحق جل جلاله: وَما أَصابَكُمْ يا معشر المسلمين يوم أحد يَوْمَ الْتَقَى جمع المسلمين وجمع الكفار، من القتل والجرح والهزيمة، فَبِإِذْنِ اللَّهِ وقضائه، لا راد لإمضائه، وَلِيَعْلَمَ علم ظهور في عالم الشهادة الْمُؤْمِنِينَ والمنافقين فيظهر إيمان هؤلاء وكفر هؤلاء، وقد ظهر نفاقهم حيث رجعوا مع عبد الله بن أبي، وكانوا ثلاثمائة.
وذلك انَّ ابن أُبيّ كان رأيه ألا يخرج المسلمون إلى المشركين، فلما طلب الخروجَ قومٌ من المسلمين، فخرج- عليه الصلاة والسلام كما تقدم، غضب ابن أُبيّ، وقال: أطاعهم وعصاني. فرجع، ورجع معه أصحابه، فتبعهم
أبو جابر عبد الله بن عمرو بن حرام، وقال لهم: ارجعوا (قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا)، أي: كثروا سواد المسلمين، فقال ابنُ أُبيّ- رأس المنافقين-: ما أرى أن يكون قتالاً، ولو علمنا أن يكون قتال (لاتبعناكم) ، وكنا معكم.
قال تعالى: هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ لظهور الكفر عليهم من كلامهم، فأمارات الكفر عليهم أكثر من أمارات الإيمان، أو: هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان، لأن رجوعهم ومقالتهم تقوية للكفار عليهم وتخذيل للمسلمين، يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ، فهم يظهرون خلاف ما يبطنون، لا تواطئ قلوبهم ألسنتهم بالإيمان، وإضافة القول إلى الأفواه تأكيد وتغليظ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ منكم بِما يَكْتُمُونَ من النفاق لأنه يعلمه مفصلاً بعلم واجب، وأنتم تعلمونه مجملا بأمارات.
وهؤلاء المنافقون هم (الذين قالوا) في شأن إخوانهم الذين قُتلوا يوم أحد: لَوْ أَطاعُونا وجلسوا في ديارهم ما قُتِلُوا، قالوا هذه المقالة وقد قعدوا عن الخروج، قُلْ لهم يا محمد: فَادْرَؤُا أي: فادفعوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنكم تقدرون أن تدفعوا القتل عمن كتب عليه، فادفعوا عن أنفسكم الموت وأسبابه حين يبلغ أجلكم، فإنه أحرى بكم، فالقعود لا يُنجي من الموت إذا وصل الأجل، فإن أسباب الموت كثيرة، فقد يكون القعود سبباً للموت إن بلغ الأجل، وقد يكون الخروج سبباً للنجاة إن لم يبلغ. والله تعالى أعلم.
الإشارة: وما أصابكم يا معشر الفقراء عند توجهكم إلى الحق فارين من الخلق، حين استشرفتم على الجمع وجمع الجمع فبإذن الله فإنَّ الداخل على الله منكور، والراجع إلى الناس مبرور، وليظهر الصادق من الكاذب، فإن محبة الله مقرونة بالبلاء، والطريق الموصلة إليها محفوفة بالمكاره، مشروطة بقتل النفوس وحط الرؤوس، ودفع العلائق، والفرار من العوائق.
فإذا قيل للعوام: قاتلوا أنفسكم في سبيل الله لتدخلوا حضرة الله، أو ادفعوا عن أنفسكم العلائق لتشرق عليكم أنوار الحقائق، قالوا: قد انقطع هذا الطريق واندرست أرباب علم التحقيق، ولو نعلم قتالاً بقي يُوصلنا إلى ربنا، كما زعمتم لاتبعناكم ودخلنا فى طريقكم. هم للكفر يومئذ أقرب للإيمان، حيث تحكموا على القدرة الأزلية، وسدوا باب الرحمة الإلهية، وإنما يقولون ذلك احتجاجاً لنفوسهم، وأبقاء على حظوظهم، وليس ذلك من خالص قلوبهم، يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم.
وإذا نزل بأهل النسبة نكبة أو بلية، قالوا لأخوانهم، الذين دخلوا في طريق القوم، وقد قعدوا هُم مع العوام: لو أطاعونا ولم يدخلوا في هذا الشأن، ما قتلوا أو عذبوا، فقل لهم أيها الفقير: القضاء والقدر يجري على الجميع، فادفعوا عن أنفسكم ما تكرهون، إن كنتم صادقين أن المكاره لا تصيب إلا من توجه لقتال نفسه. والله تعالى أعلم بأسرار كتابه.