الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكان شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل رضي الله عنه يقول: (عداوة العدو حقاً هي اشتغالك بمحبة الحبيب حقا، وأما إذا اشتغلت بعداوة العدو فاتتك محبة الحبيب،، ونال العدو مراده منك) . هـ. وأخرجوهم من قلوبكم من حيث أخرجوكم من حضرة ربكم، يعني: كما أخرجوكم من الحضرة في أيام الغفلة، أخرجوهم من قلوبكم في أيام اليقظة. والفتنة بالاشتغال بهم أشد من القتل لهم، ولا تقاتلوهم عند مسجد الحضرة وحال الغيبة في الله، فإن ذلك التفات إلى غير الله، كمن كان مقبلاً عليه حبيبه فجعل يلتفت إلى مَن يكلمه ويشغله عنه. وذلك في غاية الجفاء، حتى يقاتلوكم فيه، ويريدون أن يخرجوكم منه بوسوستهم، فإن قاتلوكم، وخطر على بالكم شيء من وسوستهم، فاقتلوهم بذكر الله، والتعوّذ منهم، فإن الله يكفيكم أمرهم، وينهزمون عنكم، كذلك جزاء الكافرين. فإن انتهوا عنكم، وانقطع عنكم خواطرهم، فغيبوا عنهم فإن الله يستركم عنهم، وقاتلوهم على الدوام حتى لا تكون في قلوبكم فتنة منهم، ويكون التوجه كله لله، لا ينازعه شيىء مما سواه، فإن انتهوا عنكم فلا تتعرضوا لهم فإن ذلك عدوان وظلم، فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ.
فإن جَنَحَتْ نفسُك إلى حرمة الطاعة الظاهرة كتدريس علم أو جهاد أو صلاة أو غيرها، وأرادت أن تخرجك من حرمة الحضرة القدسية وهي الفكرة والشهود والمعاينة، فقاتلها وأخرجها من حرمة تلك الطاعة، فالحرمات قصاص. فكما أخرجتك من حضرة ربك القدسية أخرِجْها من حضرة الطاعة الحسية إلى الطاعة القلبية. فإن الذرة من أعمال القلوب أفضل من أمثال الجبال من أعمال الجوارح.
فمَن اعتدى عليكم، في زمن البطالة، فاعتدوا عليه في زمن اليقظة بمثل ما اعتدى عليكم. وكان شيخنا البوزيدى رضي الله عنه يقول: جوروا على نفوسكم بقدر ما جارت عليكم. هـ. أي: اقتلوها بقدر ما قتلتكم بالبعد عن ربكم.
وكان أيضاً يقول: (جوروا على الوهم قبل أن يجور عليكم) . هـ. واتقوا الله فإن الله يعينكم عليها، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ. وأنفقوا أنفسكم ومهجكم في سبيل الله، بأن تطرحوها في يد الله يفعل بها ما يشاء. وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ فتدبروا لها، وتختاروا لها، وتعتنوا بشئونها، فإن ذلك غفلة عن ربكم. وَأَحْسِنُوا أي: ادخلوا في مقام الإحسان بأن تعبدوا الله كأنكم ترونه إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ أي: يقربهم إلى حضرته، ويصطفيهم إلى محبته ومعرفته، خرطنا الله في سلكهم بمنِّه وكرمه.
ثم أمر الحق تعالى بإتمام النسك الذي دخل فيه، وحض على الإخلاص فيه، فقال:
[سورة البقرة (2) : آية 196]
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (196)
قلت: المشهور في اللغة أن أحصر الرباعي: بالمرض، وحصر الثلاثي: بالعدو، وقيل: بالعكس، وقيل: هما سواء. و (ما استيسر) : خبر أو مبتدأ، أي: فالواجب ما استيسر، أو: فعليه ما استيسر.
يقول الحق جل جلاله: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ الذي دخلتم فيه، وَالْعُمْرَةَ وجوباً كالصلاة والصوم، ويكون ذلك لِلَّهِ لا رياء ولا سمعة، وإنما خصّ الحج والعمرة بالحض على الإخلاص، لما يسرع إليهما من الخلل أكثر من غيرهما، فمن أفسدهما وجب عليه قضاؤهما، فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ومنعتم من إتمامهما فتحللوا منهما، وعليكم فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، وذلك شاة وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ أي: لا تتحللوا حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، أي: حيث يحل ذبحه، وهو محل الإحصار عند الشافعي، فيذبح فيه بنية التحلل ويُفرق، ومِنَى أو مكة عند مالك، فيُرسله فإذا تحقق أنه وصل وذُبح حل وحلق.
ويحرم على المُحْرِم إزالة الشعث، ولبس المخيط بالعضو، فمن كان مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً صُداع أو نحوه، فحلق رأسه، أو لبس ثيابه، فعليه فديه مِنْ صِيامٍ ثلاثة أيام، أَوْ صَدَقَةٍ على ستة مساكين، مُدَّان لكل مسكين، أَوْ نُسُكٍ بشاة فأعلى، فهو مخير بين الثلاثة. والله تعالى أعلم.
الإشارة: إذا عقد المريد مع ربه عُقْدةً، فالواجب عليه إتمامها حتى يَجْني ثمرتَها، فإذا عقد عقدة المجاهدة فليجاهد نفسه حتى يجني ثمرتها، وهي المشاهدة، وإذا عقد مع الشيخ عقدة الصحبة، فليلزم خدمته حتى يدخله إلى بيت الحضرة، ويشهد له بالترشيد. وهكذا كل من عقد مع الله عقدة يجب عليه إتمامها، فإن أُحصر ومُنع من إتمامها فليفعل ما استيسر من ذبح نفسه وحط رأسه، ولا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها، ولا ينبغي أن يستعجل الفتح قبل إِبَّانِه، فلعلَّه يُعاقَب بحرمانه، فكم من مريد طلب من شيخه أَنْ يُطلعه على سر الربوبية قبل بلوغ محله، فكان ذلك سبب عطبه، فيقال له: ولا تحلق رأسك من شهود السوى حتى يبلغ هَديُ نفسك محلة فيذبح، فإذا ذُبِحت النفس وأُجهِز عليها حلق رأسه حينئذٍ من شهود السِّوى، وفي ذلك يقول الششتري رضي الله عنه:
إنْ تُرِدَ وَصْلَنَا فَمَوْتكَ شَرْطٌ
…
لا يَنَالُ الوِصَالَ مَنْ فِيهِ فَضْلَهْ
فمن كان مريضاً بضعف عزمه، أو به أذى بعدم نهوض حاله، بحيث لم تُسعفْه المقادير في مجاهدة نفسه، فليشتغل بالنسك الظاهر من صيام أو صدقة أو قراءة أو غير ذلك، حتى يَمنَّ عليه العليمُ الحكيمُ. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
ولما ذكر الحق تعالى هدى الإحصار وفديَة الأذى، ذكر هدى التمتع، فقال:
فَإِذا أَمِنْتُمْ
…
يقول الحق جل جلاله: فإذا حصل لكم الأمن من المرض أو العدو، وأردتم الحج فَمَنْ تَمَتَّعَ منكم بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ بأن قدَّم العمرة في أشهر الحج، ثم حجّ من عامة، فالواجب عليه فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ شاة فأعلى لكونه تمتَّعَ بإسقاط أحد السَّفَرَيْن ولم يُفرِد لكل عبادة سفراً مخصوصاً. فَمَنْ لَمْ يَجِدْ الهدي، ولم يقدِر على شرائه، فعليه فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي زمن الْحَجَّ، وهو زمنُ إحرامه إلى وقوفه بعرفة، فإن لم يصم في ذلك الزمان صام أيام التشريق. ثم يصوم سبعة أيام إذا رجَع إلى مكة أو إلى بلده. فتلك عَشَرَةٌ أيام كامِلَةٌ، ولا تتوهموا أن السبعة بدل من الثلاثة، فلذلك صرّح الحقّ تعالى بفَذْلَكة الحساب «1» .
وهذا الهَدْي أو الصيام إنما يجب على المتمتع إذا لم يكن ساكناً بأهله في مكة أو ذي طَوى، وأما مَن كان (أهلُه حاضري المسجد الحرام) فلا هَدى عليه لأنه يُحرم بالحج من مكة فلم يسقط أحد السفرين، وَاتَّقُوا اللَّهَ في امتثال أوامره، وخصوصاً مناسك الحج لكثرتها وتشعب فروعها، ولذلك أُفردت بالتأليف، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ لمن ترك أوامرَه وارتكب نواهيه. وبالله التوفيق.
الإشارة: يقول الحق جل جلاله على طريق الإشارة للمتوجهين إليه: فإذا أمنتُمْ من أعدائكم الذين يقطعونكم عن الوصول إلى حضرتنا، أو أمِنْتُم من الرجوع بعد الوصال، أو من السلب بعد العطاء، وذلك بعد التمكين من شهود أسرار الذات، وأنوار الصفات، إذ الكريم إذا أعطى لا يرجع، فإذا حصل لكم الأَمْن، فمن تمتع بأنوار الشريعة إلى أسرار الحقيقة فعليه ما استطاع من الهدي والسمت الحسَن والخلُق الحَسن لأنه إذ ذاك قد اتصف بصفة الكمال وتصدَّر لتربية الرجال، فمن لم يجد ذلك فليرجع إلى ما تيسر من المجاهدة حتى يتمكن من ذلك الهَدْي الحسن والخلق الحسن، هذا لمن لم يتمكن في الحضرة الأزلية، وأما مَن كان مقيماً بها، عاكفاً في شهود أنوارها، فلا كلام عليه، لأنه قد تولاّه مولاه، وغيَّبَه عن شهود نفسه وهواه، فَأمْرُه كله بالله وإلى الله. جعلنا الله فيهم بمنّه وكرمه،
(1) الفذلكة: مجمل ما فصل وخلاصته.