الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يَهُودِيّاً، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم:«فَهَلمُّوا إلى التَّوراةِ فهي بَيْنَنَا وبينكم» فأبَيا عليه، فنزلت الآية) . وقيل: نزلت في الرجم، على ما يأتي في العقود.
ذلِكَ الأعراض بسبب اغترارهم وتسهيلهم أمر العقاب، فقالوا: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ أربعين يوماً، قدر عبادتهم العجل، ثم يَخْلفهم المسلمون، وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ بزعمهم الفاسد وطمعهم الفارغ.
يقول الحق جل جلاله: فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ، وهذا تهويل لشأنهم، واستعظام لما يحيق بهم، وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ من خير أو شر، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ أي: لا يبخسون من أعمالهم شيئاً، فلا ينقص من الحسنات، ولا يزاد على السيئات. وفيه دليل على أنَّ المؤمن لا يخلد في النار. قال ابن عباس:(أولُ رايةٍ تُرفع لأهل الموقف، ذلك اليوم، رايةُ اليهود، فيفضحهم الله تعالى على رءوس الأشهاد، ثم يؤمر بهم إلى النار) .
الإشارة: ترى كثيراً ممن ينتسب إلى العلم والدين ينطلق لسانه بدعوى الخصوصية، وأنه منخرط في سلك المقربين، فإذا دُعي إلى حق، أو وقف على عيب من عيوب نفسه، أعرض وتولى، وغرته نفسه، وغلبه الهوى، فجعل يحتج لنفسه بما عنده من العلم أو الدين، أو بمن ينتسب إليهم من الصالحين، فكيف يكون حاله إذا أقبل على الله بقلب سقيم، ورأى منازل أهل الصفا، الذين لقوا الله بقلب سليم، حين ترفع درجاتهم مع المقربين، ويبقى هو مع عوام أهل اليمين؟ قال تعالى: وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ الآية.
ثم ذكر الحق تعالى نزع ملك أهل الكتاب، وسلب عزهم، وانتقاله إلى المسلمين، فقال:
[سورة آل عمران (3) : الآيات 26 الى 27]
قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (27)
قلت: (اللهم) منادى مبني على الضم، حذفت منه الياء المتضمنة للفرق، وعوضت منها الميم المُؤْذِنة بالجمع، لئلا يبقى بين الداعي والمدعو فَرْقٌ «1» ، و (مالك) : نعت لمحل المنادي لأنه مفعول، ومنادى ثانٍ عند سيبويه، لأن الميم عنده تمنع الوصفية.
يقول الحق جل جلاله: قُلِ يا محمد في استنصارك على عدوك: اللَّهُمَّ يا مالِكَ الْمُلْكِ مُلك الدنيا وملك الآخرة، تُؤْتِي الْمُلْكَ والنصر مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ، فهب لنا ملك الدارين،
(1) هذا توجيه إشارى. [.....]
والنصر على الأعداء في كل أين، وانزع الملك من يد عدونا، وانقله إلينا وإلى من تبعنا إلى يوم الدين. قال قتادة:
(ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يجعل مُلك فارس والروم في أمته، فأنزل الله تعالى هذه الآية) .
وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ بالإيمان والطاعة وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بالكفر والمعصية، أو تعز من تشاء بالمعرفة، وتذل من تشاء بالفكرة، أو تعز من تشاء بالقناعة والورع، وتذل من تشاء بالحرص والطمع، أو تعز من تشاء بالتوفيق والإذعان، وتذل من تشاء بالكسل والخذلان، بِيَدِكَ الْخَيْرُ كله، فأعطنا من خيرك الجزيل، وأجرنا من الشر الوبيل، فالأمور كلها بيدك.
قال البيضاوي: ذكر الخير وحده لأنه المقضى بالذات، والشر مقتضى بالعرض إذ لا يوجد شر جزئي ما لم يتضمن خيراً كليّاً. أو لمراعاة الأدب في الخطاب، أو لأن الكلام وقع فيه، إذ رُوِيَ أنه عليه الصلاة والسلام لَمَّا خَطَّ الخَنْدَقَ، وقَطَعَ لكل عَشَرَة أربعينَ ذِرَاعاً، وأخذوا يَحْفرُون، فظهر فيه صخْرَةٌ عظيمةٌ لم تَعْمَلْ فيها المَعَاوِلُ، فَوَجَّهُوا سلْمَانَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره، فجاء عليه الصلاة والسلام، فأخذ المعْول منه، فَضَرب به ضَرْبَةً صدعَهَا، وَبَرَقَ منها برق أضَاءَ ما بَيْنَ لابَتَيْها «1» ، لكأن مصباحاً في جوْف بَيتِ مُظلم، فكَبَّرَ، وكَبَّرَ معه المسلمونَ، وقال: أضَاءَتْ لي مِنْهَا قُصُور الحيرة، كأنها أنيابُ الكلاب، ثم ضرب الثانية، فقال: أضَاءَتْ لي مِنْها القُصور الحمر من أرض الروم، ثم ضرب الثالثة، فقال: أضاءت لي منها قُصُورُ صَنعاء، وأخْبرَنِي جِبْريل أنَّ أُمَّتِي ظَاهرةٌ علَى كُلِّها، فأبشروا، فقال المنافقون: ألا تَعْجَبُون! يمنيكم ويعدكم الباطل، ويُخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحِيَرةِ، وأنَّها تُفْتحُ لَكُمْ، وأنتم إنما تَحْفُرون الخنْدَقَ مِنَ الفَرَق «2» فنزلت، أي: الآية. ونبّه على أن الشر أيضاً بيده بقوله: إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. هـ.
ثم استدلّ على نفوذ قدرته بقوله: تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ أي: تُدخل أحدَهما في الآخر بالتعقيب، أو بالزيادة أو النقص، فيولج الليلَ في النهارِ، إذا طال النهار حتى يكون خمس عشرة ساعة، وفي الليل تِسْعٌ، ويُولج النهارَ في الليل، إذا طال الليل كذلك، وفيه دلالة على أنَّ مَنْ قَدَر على ذلك قدر على معاقبة العز بالذل، والمُلك بنزعه. وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ كالحيوانات من النُّطَف، وبالعكس، والنباتات من الحبوب، وبالعكس، أو المؤمن من الكافر والعالم من الجاهل، وبالعكس، وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ من الأقوات والعلوم والأسرار، بِغَيْرِ حِسابٍ، ولا تقدير ولا حصر. اللهم ارزقنا من ذلك الحظ الأوفر، (إِنك على كل شيءٍ قدير) .
(1) اللابة: الحرة، وهى الحجارة السوداء، ولابتيها: حرتان تكتنفان المدينة.
(2)
الفرق- بفتحتين-: الخوف.
روى معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «يا معاذُ، أتحبُّ أن يقضيَ اللهُ عنك دَيْنك؟» قال: نعم يا رسول الله، قال:«قل» (اللهم مالك الملك) إلى قوله: (بغير حساب) ، رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما، تعطي منهما ما تشاء، وتمنع منهما ما تشاء، اقضِ عني ديني، فلو كان عليك ملءُ الأرض ذهباً وفضة لأدَّاه الله عنك» .
وروى عن على رضي الله عنه أنه قال: الفاتحة، وآية الكرسي، و (شهد الله) ، و (قل اللهم مالك الملك
…
) إلى (
…
بغير حساب) ، لمّا أراد الله أن ينزلهن، تعلقن بالعرش وقلن: تهبطنا إلى دار الذنوب فقال الله عز وجل: وعزّتي وجلالي لا يقرؤكن عبد، دبر كل صلاة مكتوبة، إلا أسكنته حظيرة القدس، على ما كان فيه، وإلا نظرت إليه بعيني المكنونة في كل يوم سبعين نظرة، وقضييت له في كل يوم سبعين حاجة، وأعززته من كل عدو، نصرته عليه
…
»
الحديث «1» . انظر الثعلبي.
الإشارة: من ملك نفسه وهواه فقد ملكه الله ملك الدارين، ومن ملكته نفسه وهواه فقد أذلّه الله فى الدارين، ومن ملك نفسه لله فقد مكنه الله من التصرف في الكون بأسره، وكان حرّاً حقيقة، وفي ذلك يقول الشاعر:
دَعَوْنِي لمُلْكِهم، فلمَّا أجبتُهم
…
قالُوا: دَعَوْنَاك للمُلْك لا للمِلْكِ
ومن أذلَّ نفسه لله فقد أعزّه الله، قال الشاعر:
تَذَلَّلْ لِمَنْ تَهْوَى لِتَكْسِبَ عِزةً
…
فكم عزة قد نالها المرء بِالذُّلِّ
إِذَا كَانَ مَنْ تَهْوى عَزِيزاً وَلَمْ تَكُنْ
…
ذَلِيلاً لَهُ، فَاقْرَ السَّلامَ على الْوصْلِ
قال ابن المبارك: (قلت لسفيان الثوري: من الناس؟ قال: الفقهاء، قلت: فمن الملوك؟ قال: الزهاد، قلت: فمن الأشراف؟ قال: الأتقياء، قلت فمن الغوغاء؟ قال: الذين يكتبون الحديث ليستأكلوا به أموال الناس، قلت: أخبرني ما السفلة؟ قال: الظلمة.) وقال الشبلي: (المُلك هو الاستغناء بالمكون عن الكونين) . وقال الوراق: (تُعز من تشاء بقهر النفس ومخالفة الهوى، وتذل من تشاء باتباع الهوى) . قلت: وفي ذلك يقول البرعى رضي الله عنه:
لا تتبع النفس في هَوَاهَا
…
إنَّ اتِّبَاعَ الْهَوَى هَوَانُ
وقال وهب: «خرج الغِنَى والعز يجولان، فلقيا القناعة فاستقرا» . وقال عيسى عليه السلام لأصحابه: أنتم أغنى من الملوك، قالوا: يا روح الله كيف، ولسنا نملك شيئاً؟ قال: أنتم ليس عندكم شيء ولا تريدونها، وهم عندهم أشياء ولا تكفيهم هـ.
(1) الحديث: أخرجه ابن السنى فى عمل اليوم والليلة. عن سيدنا على مرفوعا وفى سنده الحارث بن عمير البصري. قال ابن حبان:
يروى عن الأثبات الموضوعات، وأورد له الذهبي هذا الحديث على سبيل الإنكار.