الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هذا الوضع لتكون الأخبار متتابعة ولا تنقطع بالسنين والدول. وقد نبّهنا عليه فيما تقدم من أخبار الدولة العباسية «1» .
والذى نذكره الآن فى هذا الموضع هو ما استولوا عليه [74] من سواحل الشام سنة إحدى وتسعين وأربعمائة وما بعدها.
وكان ابتداء ظهورهم وامتدادهم وتطرّقهم إلى البلاد الإسلامية فى سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، وذلك أن بلاد الأندلس «2» لما تقسّم ملوكها بعد بنى أمية وصارت كلّ جهة بيد ملك، وأنفت نفس كل واحد أن ينقاد إلى الآخر، ويدخل تحت طاعته، فكانوا كملوك الطوائف فى زمن الفرس، وعجز كلّ واحد عن مقاومة من يليه أو يقصده من الفرنج، أدى ذلك إلى اختلال الأحوال، وتغلب الأعداء على البلاد الإسلامية. فأول ما استولوا عليه مدينة طليطلة من الأندلس، على ما ذكرناه «3» فى سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، ثم ملكوا جزيرة صقليّة فى سنة أربع وثمانين وأربعمائة، وتطرّقوا إلى أطراف أفريقية فملكوا منها شيئا ثم استرجع منهم، على ما قدّمناه «4»
ذكر ملكهم مدينة أنطاكيّة
كان استيلاء الفرنج خذلهم الله تعالى، على مدينة أنطاكيّة فى جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين وأربعمائة. وكانت بيد ملوك الرّوم من سنة ثمان
وخمسين وثلاثمائة إلى أن افتتحها الملك سليمان «1» بن شهاب الدين ولد قتلمش السلجقى، صاحب أقصرا وقونية وغير ذلك من بلاد الروم فى سنة سبع وسبعين وأربعمائة، على ما ذكرناه فى أخبار الدولة السّلجقية «2» ، وبقيت فى يده إلى أن قتل. وتداولتها أيدى المتغلّبين من ملوك الإسلام وأمرائهم إلى أن استقرت بيد ياغى سيان وهو يخطب فيها للملك رضوان ابن تتش صاحب حلب، ولأخيه الملك دقاق صاحب دمشق.
فلمّا كان فى سنة تسعين وأربعمائة جمع بغدوين «3» ملك الفرنج جمعا كثيرا من الفرنج، وكان تسيب رجار «4» الفرنجى صاحب صقلّية، فأرسل إليه بغدوين يقول: قد جمعت جمعا كثيرا وأنا واصل إليك وسائر من عندك إلى إفريقية أفتحها وأكون مجاورا لك.
فجمع رجار أصحابه واستشارهم فقالوا كلّهم: هذا جيد لنا ولهم، وتصبح البلاد كلّها للنصرانية. فلمّا سمع رجار كلامهم وما اجتمعوا عليه، رفع رجله وحبق حبقة قوية، وقال: وحقّ دينى هذه خير من كلامكم.
قالوا: وكيف ذلك؟ قال إذا وصلوا إلىّ احتجت إلى كلفة كثيرة، ومراكب تحملهم إلى إفريقية، وعساكر من جهتى معهم، فإن فتحوا البلاد وكانت
لهم وصارت مؤونتهم من صقلّية وينقطع عنى ما يصل إلىّ من المال من ثمن الغلّات فى كل سنة، وإن لم يفتحوها رجعوا إلى بلادى وتأذّيت بهم، ويقول تميم «1» ، صاحب إفريقية غدرت بى ونقضت عهدى، وتنقطع الوصلة والأسفار بيننا وبين بلاد إفريقية، وإفريقية باقية متى وجدنا قوة أخذناها بها.
ثم أحضر رسوله وقال له إذا عزمتم على جهاد المسلمين فاقصدوا بذلك فتح بيت المقدس وخلّصوه من أيديهم، ويكون لكم الفخر، وأمّا إفريقية فبينى وبين أهلها أيمان وعهود، فاخرجوا إلى الشام. «2»
وقيل إنّ المستنصر، أو المستعلى، لمّا رأى قوة الدولة السلجقية وتمكّنها، وأنهم استولوا على ملك بلاد الشام [إلى]«3» غزّة، ولم يبق بينهم وبين مصر ولاية أخرى تمنعهم، راسل الفرنج يدعوهم إلى الخروج إلى الشّام، ليملكوه، ويكونوا بينه وبين المسلمين. والله تعالى أعلم «4» .
قال فلمّا عزم الفرنج على قصد الشّام ساروا إلى قسطنطينية ليعبروا المجاز إلى بلاد الإسلام ويسيروا فى البرّ فيكون أسهل عليهم. فمنعهم ملك الروم «5» من ذلك، ولم يمكّنهم أن يمرّوا ببلاده، وقال: لا أمكّنكم من العبور إلّا أن تحلفوا أنكم تسلمون إلىّ أنطاكية. وكان قصده أن يحثّهم على
الخروج إلى بلاد الإسلام ظنّا منه أن الترك لا يبقون منهم أحدا لما أرى من صرامتهم وملكهم «1» البلاد.
فأجابوه إلى ذلك وعبروا الخليج فى سنة تسعين وأربعمائة. ووصلوا إلى بلاد قلج أرسلان «2» بن سليمان بن قتلمش، فلقيهم فى جموعه ومنعهم، فقاتلوه وهزموه، وذلك فى شهر رجب منها. ومرّوا فى بلاده إلى بلاد ابن ليون الأرمنى، فسلكوها وخرجوا منها إلى أنطاكيّة، فحصروها. «3»
قال المؤرّخ «4» : فلمّا سمع صاحبها ياغى سيان بتوجّههم إليها خاف من النّصارى الذين بها، فأخرج من بها من المسلمين بمفردهم فى أول يوم وأمرهم أن يحفروا الخندق، ثم أخرج النصارى من الغد لذلك. فعملوا فيه إلى العصر، فلمّا أرادوا دخول البلد منعهم، وقال لهم: أنطاكية لكم فهبوها لى حتى أنظر ما يكون بيننا وبين الفرنج. فقالوا: من يحفظ أولادنا ونساءنا؟ فقال: أنا أخلفكم فيهم «5» فأمسكوا ثم صاروا فى عسكر الفرنج.
وحصرت أنطاكية تسعة أشهر، وظهر من حزم ياغى سيان واحتياطه وجودة رأيه ما لم يشاهد مثله، وهلك [75] أكثر الفرنج موتا وقتلا، وحفظ ياغى سيان أهل نصارى أنطاكية الذين أخرجهم، وكفّ الأيدى عنهم.
فلمّا طال مقام الفرنج عليها راسلوا أحد المستحفظين للأبراج، وهو ذراد، ويعرف بروزبة «1» ، وبذلوا له مالا وإقطاعا، وكان يتولى حفظ برج يلى الوادى، وهو مبنى على شباك فى الوادى.
فلمّا تقرّر الأمر بينهم وبينه، جاءوا إلى الشباك ففتحوه ودخلوا منه، وصعد جماعة كثيرة منهم بالحبال، فلما زادت عدتهم على خمسمائة، ضربوا البوق وذلك عند السّحر وقد تعب الناس من كثرة السهر والحراسة، فاستيقظ ياغى سيان وسأل عن الحال فقيل له: هذا البوق من القلعة، ولا شك أنها قد أخذت. ولم يكن من القلعة وإنما من ذلك البرج. فداخله الرّعب؛ ففتح باب البلد وهرب فى ثلاثين غلاما، وجاء نائبه ليحفظ البلد، فقيل له: إنه قد هرب، فخرج من الباب الآخر هاربا. وكان ذلك إعانة للفرنج، ولو ثبت ساعة لهلكوا.
ثم إن الفرنج دخلوا البلد من بابه، ونهبوا وقتلوا من فيه من المسلمين.
وأما ياغى سيان فإنه لما طلع عليه النهار رجع إلى عقله وكان كالولهان.
فرأى نفسه وقد قطع عدّة فراسخ؛ فقال لمن معه: أين أنا؟ فقالوا: على أربعة فراسخ من أنطاكية. فندم كيف خلص سالما ولم يقاتل حتى يزيلهم عن البلد أو يقتل.
وجعل يتلهّف على ترك أهله وأولاده والمسلمين، ويسترجع؛ فسقط عن فرسه لشدة ما ناله، وغشى عليه. فأراد أصحابه أن يركبوه فلم يكن فيه