الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أن خليل الدّولة سأل الظّاهر لإعزاز دين الله أن يشرّفه بزيارته ببركة الحبش فأجابه الظّاهر إلى ذلك وحضر عنده، فاغتنم ابن العدّاس الفرصة وجعل يذكر للظاهر مثالب الوزير. فسدّ الظّاهر مسامعه وقال لابن العداس: إنّى وإن رعيت حقّ تشريفى إياك بزيارتى فما أترك حقّ من أرتضيه لوزارتى، ولا بدّ أذكر له طرفا من ذلك، فاذكر خيرا لأحكيه له. فرجع عن ذكر مثالبه وأثنى عليه، فذكر الظّاهر للوزير عنه خيرا، فكان ذلك سبب الصّلح بينهما. وسنذكر إن شاء الله تعالى أخبار الوزير الجرجرائى مستوفاة عند ذكر وفاته فى سنة ستّ وثلاثين فى أخبار المستنصر.
ذكر بيعة المستنصر بالله
هو أبو تميم معدّ «1» ؛ بن الظّاهر لإعزاز دين الله أبى هاشم علىّ. بن الحاكم بأمر الله أبى علىّ المنصور، بن العزيز بالله أبى المنصور نزار، بن المعزّ لدين الله أبى تميم معدّ، بن المنصور بنصر الله أبى طاهر إسماعيل، بن القائم بأمر الله أبى القاسم محمّد، بن المهدىّ عبيد الله.
وهو الثّامن من ملوك الدّولة العبيديّة وهو الخامس من ملوك مصر والشّام منهم.
بويع له صبيحة يوم الأربعاء لاثنتى عشرة ليلة بقيت من شعبان «1» سنة سبع وعشرين وأربعمائة. وذلك أنّ الوزير الجرجرائى أحضر وجوه القبائل من الكتاميين، وغيرهم من الأتراك، فلمّا اجتمعوا قال لهم: مولانا ضعيف والآجال بيد الله سبحانه، فإن قضى الله بانتقاله ما تقولون فى ولده الأمير معدّ؟ قالوا: الذى يقوله الوزير نحن به راضون، وله سامعون. فلمّا رتّب هذا الأمر استدعى الوزير، فنهض قائما ودخل إلى قاعة من قاعات القصر، ثم أحضر الجماعة، فوجدوا الأمير معدّا على سرير الملك وعليه التاج؛ فقال: هذا مولاكم، سلّموا عليه بالخلافة. فسلّموا عليه وانصرفوا؛ ولقّب المستنصر بالله، وكان عمره إذ ذاك سبع سنين.
فلمّا كان فى صبيحة يوم مبايعته، وهو يوم الخميس، وقف الكتاميّون وعبيد الشّراء «2» وغيرهم بباب القصر، وأغلظوا فى الكلام وطلبوا أرزاقهم واستحقاقاتهم من الوزير، فقال: أنا كنت وزير الظّاهر لإعزاز دين الله وقد توفّى، وأنا أحمل إليكم جميع ما فى دارى. وأصبح حمل جميع ما فى داره إلى القصر، فغضب له الأتراك، وأعادوا ما أحضره إلى مكانه. وتقرّر اجتماعه يوم السّبت، فاجتمع الأتراك والدّيلم وعليهم السّلاح، وجاء الكتاميّون، فلما اجتمعوا بباب القصر خرج إليهم [أحد] «3» الخدم وقال:
ليدخل من كلّ طائفة عشرة أنفس، فدخل جماعة، فقال لهم الوزير:
مولانا يقرئكم السّلام ويقول لكم: إذا كان مستهلّ شهر رمضان أمر بالنّفقة فيكم. فانصرفوا، وجلس قاضى القضاة عبد الحاكم يحلّف النّاس للمستنصر بالله. فلمّا استهلّ شهر رمضان أنفق فى الاشراف والكتاميّين والعرب والدّيلم وغيرهم لكلّ واحد منهم ثلث رزقه، فلم يرضوا بذلك.
ودامت النّفقة إلى العشر الأوسط من شوّال فتحالف الكتاميون والأتراك أن يكونوا عصبة واحدة فى طلب واجباتهم. واجتمعوا بباب القصر، فخرج إليهم الأمير أن احضروا بكرة الغد، فحضروا، وركب المستنصر إلى أن بلغ باب البحر «1» ، فرموه بالحجارة وصاحوا عليه، ورماه أحد العبيد بحربة فلم يصبه، فرمى نفسه عن دابّته ودخل من باب البحر إلى القصر. وانصرف النّاس، وعادوا بكرة نهار الغد، فدخل من كلّ طائفة مائة نفر، ووقع كلام كثير، وتقرّر فى آخر الأمر أن يحضروا [63] البغاة منهم، وخرجوا على مثل ذلك؛ ثم عادوا بعد ذلك وتنصّلوا من ذنوبهم. وسكّن الوزير جميع الطّوائف، واختلف بنو قرّة مع كتامة بالجيزة، فأخرج الوزير عسكرا فأصلح بينهم، واستقرّت الأمور.
وركب المستنصر فى مستهلّ المحرّم سنة ثمان وعشرين وأربعمائة من باب العيد «2» إلى باب الذّهب «3» ؛ ومشى النّاس كافّة بين يديه، والوزير راكب