الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر تفويض أمور الدّولة وإمرة الجيوش للمأمون البطائحى
قال المؤرخ: وفى الخامس من ذى الحجة من سنة خمس عشرة وخمسمائة فوّض الآمر بأحكام الله أمور الدّولة وإمرة الجيوش للقائد أبى عبد الله محمّد بن الأمير ثقة الدّولة أبى شجاع فاتك بن الأمير منجد الدّولة أبى الحسن مختار المستنصرىّ المعروف بابن البطائحى «1» ، وكان قبل ذلك عند الأفضل أستاذ داره «2» . واستقرّت نعوته فى سجلّه المقروء على كافة الأمراء والأجناد بالأجلّ المأمون، تاج الخلافة، وجيه الملك، فخر الصنّائع، ذخر أمير المؤمنين. ثمّ نعت بعد ذلك بالأجلّ المأمون، تاج الخلافة، عزّ الإسلام، فخر الأنام، نظام الدّين والدعاة. ثمّ نعت بعد ذلك بنعوت الأفضل وهى: السّيّد الأجل المأمون، أمير الجيوش، سيف الإسلام، ناصر الأنام، كافل قضاة المسلمين، وهادى دعاة المؤمنين «3» .
قال ناظم سيرة المأمون: ولما كان يوم الثلاثاء الثالث عشر من ذى الحجة من السّنة، وهو يوم الهناء بعيد النّحر، جلس المأمون فى داره وقت أذان
الفجر، وجاء النّاس لخدمته للهناء على طبقاتهم فى أرباب البيوت والأقلام، ثم الشّعراء، وركب إلى القصور، فأتى باب الذّهب، فوجد المرتبة المختصّة بالوزارة قد هيّئت له فى موضعها الجارى به العادة، وأغلق الباب الّذى عندها على الرّسم المعتاد لوزير السّيف والقلم، وهذا الباب يعرف بباب السّرداب. فلما شاهد المرتبة توقّف عن الجلوس عليها لأنّه لم يذكر له ذلك قبل حضوره، ثم ألجأته الضّرورة، لأجل حضور الأمراء، إلى الجلوس عليها فجالس وأولاده الثّلاثة عن يمينه، وأخواه عن يساره، والأمراء المطوّقون «1» خاصّة قائمون بين يديه، ومن عداهم لا يصل إلى هذا الموضع. فما كان بأسرع من أن فتح الباب وخرج عدّة من الأستاذين المحنكين «2» وخرج إليه الأمير الثّقة متولّى الرّسالة وزمام القصور «3» ، فوقف أمام المرتبة وقال: أمير المؤمنين يردّ على السّيّد الأجلّ المأمون السّلام. فوقف المأمون عند ذلك وقبل الأرض، وجلس فى موضعه، وتأخر الأمير الثّقة حتى نزل من على المصطبة التى عليها المرتبة وقبّل الأرض ويد المأمون، ودخل من فوره من الباب، وأغلق الباب، على [حاله على]«4» ما كان عليه الأفضل.
قال: وكان الأفضل يقول: ما أزال أعدّ نفسى سلطانا حتى أجلس على تلك المرتبة ويعلق الباب فى وجهى والدّخان فى أنفى؛ لأن الحمّام كانت خلف الباب فى السّرداب.
قال: ثم فتح الباب وعاد الثّقة وأشار بالدّخول إلى القصر؛ فدخل المأمون إلى المكان الذى هيّئ له، ودعى لمجلس الوزارة. وبقى الأمراء بالدّهاليز إلى أن جلس الخليفة واستفتح المقرئون. واستدعى المأمون فحضر بين يديه وسلّم عليه أولاده وإخوته «1» ؛ ثم دخل الأمراء وسلّموا على طبقاتهم، ثمّ الأشراف وديوان المكاتبات والإنشاء، ثمّ قاضى القضاة [86] ، والشهود، والداعى، ثم مقدّموا الرّكاب ومتولّى ديوان المملكة.
ثمّ دخل الأجناد من باب البحر، وهو الباب الذى يقابل المدرسة الكامليّة الآن، ثمّ دخل والى القاهرة ووالى مصر وسلّما ببياض أهل البلدين، ثم البطرك والنّصارى والكتّاب منهم، وكذلك رئيس اليهود.
ودخل الشّعراء على طبقاتهم، وأنشد كلّ منهم ما سمحت به قريحته.
وكانت هذه عادة السّلام على ملوك هذه الدّولة، وإنما أوردنا ذلك ليعلم منه كيف كانت عادتهم «2» .
وفى سنة سبع عشرة وخمسمائة ورد إلى الدّيار المصريّة طائفة كثيرة من عرب لواته من جهة المغرب، وانتهوا إلى الإسكندريّة وأعمالها، وأفسدوا فسادا متحكّما. فندب المأمون إليهم أخاه نظام الملك «3» حيدرة، الملقّب بالمؤتمن، فقاتلهم وهزمهم، وغنم أموالهم. وتوجّه إلى الإسكندرية