الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفى شهر رمضان لسبع خلون منه كمل بناء الجامع بالقاهرة، وجمعت فيه الجمعة.
وفى شوّال منها ابتدأ القائد جوهر يحفر الخندق الذى كان عبد الرحمن ابن جحدم «1» ، خليفة عبد الله بن الزبير، حفره قبلىّ «2» مصر، ثم شقّ الخندق حتى بلغ قبر الإمام الشّافعى رحمه الله، فعدل به عنه، ثم شقّه مشرّقا إلى الجبل على المقابر، أراد بذلك أن يحفظ طريق الحج من ناحية القلزم.
وفى ذى القعدة منها خرج أبو محمد الحسن بن عمّار إلى تنّيس، فسار إليه أسطول القرامطة فواقعه وأسر منه سبع مراكب، وسيّرها إلى مصر ومعها خمسمائة رجل منهم «3» .
ذكر خروج المعز لدين الله من بلاد الغرب إلى الديار المصرية [43] وما رتّبه ببلاد المغرب قبل مسيره
وفى يوم الاثنين لثمان بقين من شوّال سنة إحدى وستّين وثلاثمائة، رحل
المعزّ لدين الله من المنصورية إلى سردانية «1» ومعه يوسف بن زيرى «2» بن مناد فسلّم إليه إفريقية وأعمالها وسائر أعمال المغرب، وذلك فى يوم الأربعاء لسبع بقين من ذى الحجة منها، وأمر الناس بالسّمع والطّاعة له، وفوّض إليه أمور البلاد كلّها إلّا بلاد جزيرة صقليّة وطرابلس. وأقام المعز بسردانية أربعة أشهر، ورحل منها لخمس خلون من صفر سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، وسار حتى أتى قابس، ثم وصل إلى طرابلس فأقام بها أيّاما، ورحل منها فى يوم السّبت لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر منها، وسار فوصل إلى الإسكندرية فى يوم الجمعة لستّ خلون من «3» شعبان، ونزل تحت المنار، وأنزل النّاس حولها، وأتاه أهلها فسلّموا عليه، ووافى يوم الأحد أبو طاهر «4» قاضى مصر، ومعه العدول وقدم أبو عبد الرحمن بن أبى الأعز فى بنى عمّه وغيرهم من العرب، فركب لهم المعزّ فسلّموا عليه وانصرفوا.
ثم رحل من الإسكندرية يوم الاثنين لثلاث بقين من شعبان. فلما
كان يوم السّبت لليلتين خلتا من شهر رمضان نزل المنية بساحل مصر، وهى بولاق، فأقام بها إلى يوم الاثنين؛ وخرج إليه الشريف أبو جعفر مسلم الحسنى قبل وصوله فى جماعة الأشراف ووجوه البلد، فرأى المعزّ وهو سائر والمظلّة على رأسه، فنادى مناد: يتقدم الشّريف أوّل الناس، فقتدّم وسلّم على المعز. ثم تقدّم النّاس كلّهم وسلّموا عليه واحدا بعد واحد حتى فرغوا، وهو واقف على دابّته؛ ثم سار والشريف يحادثه.
قال: وأخذ الناس فى التّعدية بعيالاتهم وأثقالهم فى هذه الأيام إلى ساحل مصر، وتفرق النّاس فى الدّور بمصر والقاهرة، وأكثرهم فى المضارب فيما «1» بين القاهرة ومصر.
ثم عبر المعزّ لدين الله إلى القاهرة يوم الثلاثاء لخمس خلون «2» من شهر رمضان، سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، ولم يدخل إلى مصر ودخل إلى قصره.
فلما انتهى إلى الإيوان الكبير خرّ ساجدا لله تعالى، وجلس على سرير الجوهر «3» الذى صنعه له القائد جوهر، وقبل الهناء، ومدحه الشعراء.
قال: وكان تلقّى القائد جوهر له عند جوازه من الجسر الثّانى، فكانت مدّة تدبير جوهر الديار المصرية إلى أن قدم المعز، أربع سنين وعشرين يوما.
وحكى بعض المؤرخين أنّه لما وصل المعزّ وخرج الأشراف للقائه، قال له أبو [محمد]«1» عبد الله بن أحمد بن طباطبا الحسينى، من بينهم يا مولانا، إلى من تنتسب؟ فقال المعزّ: سنقعد لكم ونجمعكم ونسرد عليكم نسبنا.
فلما استقرّ فى قصره جمع النّاس فى مجلس عامّ وقال: هل بقى من جماعتكم أحد؟ فقالوا: لم يبق منا معتبر فجرّد عند ذلك سيفه إلى نصفه وقال هذا نسبى وفرّق المال وقال: هذا حسبى. فقالوا: سمعنا وأطعنا.
وكان الخليق بما قيل:
جلوا صارما وتلوا باطلا
…
وقالوا: صدقنا؟ فقلنا: نعم!
وقال ابن جلب راغلب فى تاريخه: إنّ المعزّ لمّا قدم صعد المنبر وخطب خطبة بليغة، وذكر نسبه إلى علىّ بن أبى طالب، رضى الله عنه، فكتب إليه بعض المصريين ورقة ولصقها بالمنبر فيها:
إنّا سمعنا نسبا منكرا
…
يتلى على المنبر فى الجامع
إن كنت فيما تدّعى «2» صادقا
…
فاذكر أبا بعد الأب الرّابع
أو فدع «1» الأنساب مستورة
…
وادخل بنا فى النّسب الواسع
أو كنت فيما تدّعى صادقا
…
فانسب لنا نفسك كالطّائع «2»
قال: وكان يتظاهر بذكر الماجريات قبل وقوعها لاطلاعه على علم النّجامة ولكتب كاتب عنده يستدلّ، فكتب إليه بعض المصريين ورقة وطرحها فى مجلسه، فيها:
بالظلم والجور قد رضينا
…
وليس بالكفر والحماقة
إن كنت أوتيت «3» علم غيب
…
فقل لنا كاتب البطاقة «4»
وقال بعض المؤرخين: لمّا قدم المعزّ إلى مصر أحضر معه توابيت آبائه.
وكان معه خمسة عشر ألف رجل تحمل صناديق الأموال والسّلاح وغير ذلك، وكان معه مائة جمل تحمل شبه الطّواحين من الذهب، وثلاثة آلاف جمل على كل جمل صندوقان وألف وثمانمائة بختى محملة، وثلاثمائة جمل تحمل الخركاهات وجملان يحملان «5» الإكسير الذى يصنع به الكيمياء [44]
وثلاثة آلاف شينى وغراب «1» فى البحر تحمل الموجود. ومن الرجال المقاتلة من قبيلة كتامة مائة ألف، ومن البربر أربعون ألفا، ومن الرموح ستون ألفا، وغير هؤلاء من قبائل العرب والمغاربة، وهو مع ذلك شديد الخوف من القرمطّى.
قال ابن زولاق»
فى تاريخ مصر: ولما انقضى شهر رمضان ركب المعزّ لصلاة العيد وصلّى بالناس، وكان القاضى ابن النعمان «3» يبلّغ عنه فى التكبير.
وقرأ فى الأولى بعد الفاتحة «هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ»
، وفى الثانية بعد الفاتحة بسورة الضّحى، ثم صعد المنبر وخطب بعد أن سلّم على الناس يمينا وشمالا، وذلك بالمصلى الذى بناه القائد جوهر «4» قال: وأقام المعزّ بعد مقدمه أيّاما وعزل القائد جوهرا من جميع ما كان إليه من النّظر على الدّواوين وجباية الأموال، وتدبير الأمور، وغير ذلك.
والله أعلم «5» .