الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحسين محمد بن أحمد بن جبير الأندلسى «1» فى ذلك من قصيدة يمدح بها الملك الناصر:
رفعت مكارم مكس الحجاز
…
بإنعامك الشّامل الغامر
وأمّنت أكناف تلك البلاد
…
فهان السّبيل على العابر
وسمت أياديك فيّاضة
…
على وارد وعلى صادر
فكم لك بالشّرق من حامد
…
وكم لك بالغرب من شاكر
ذكر قتل جماعة من المصريين
وفى سنة تسع وستين وخمسمائة أيضا، فى ثانى شهر رمضان صلب جماعة ممّن أراد الوثوب بمصر من أصحاب الخلفاء العبيديّين. وسبب ذلك أن جماعة من شيعتهم، منهم عمارة اليمنى الشاعر، وعبد الصّمد الكاتب، والقاضى الأعزّ سلامة المعروف بالعوريس «2» ، والقاضى ضياء الدّين نصر بن عبد الله بن كامل، وداعى الدعاة، وغيرهم من جند العبيديين ورجال السّودان وحاشية القصر ومن وافقهم من الأمراء الصّلاحية والجند- اتّفق رأيهم على استدعاء الفرنج من جزيرة صقليّة ومن سواحل الشّام إلى الديار المصريّة على شىء بذلوه لهم من المال والبلاد، وقرّروا أنّ الملك الناصر إذا خرج إليهم بنفسه ثار هؤلاء بالقاهرة ومصر وأعادوا الدولة العبيديّة، العلوية بزعمهم، ويعود من معه من العساكر الذين وافقوهم عنه فلا يبقى له مقام بالبلاد. وإن أقام هو وأرسل العساكر إليهم ثاروا به فأخذوه باليد. وقال لهم عمارة: وأنا فقد أبعدت أخاه إلى اليمن خوفا أن يسدّ مسدّه، وتجتمع الكلمة عليه بعده.
وأرسلوا إلى الفرنج وتقرّرت هذه القاعدة بينهم.
قال: وكان ممن أدخلوه معهم فى هذا الأمر زين الدّين علىّ «1» بن نجا الواعظ، وهو القاضى ابن نجيّة، ثمّ اختلفوا فى وزارة الخليفة؛ فقال بنو رزّيك: يكون الوزير منّا. والقاضى؛ وقال بنو شاور: بل يكون الوزير منّا فحضر ابن نجا إلى الملك النّاصر وأعلمه بصورة الحال، فأمره بمباطنتهم وموافقتهم، ومطالعته بأحوالهم. ففعل ذلك.
ثم وصل رسول من ملك الفرنج إلى الملك النّاصر بهدايا، وهو فى الظّاهر له وفى الباطن لهؤلاء، فوضع الملك النّاصر عليه من النّصارى من داخله وباطنه؛ فذكر له الحال على جليّته، فأعلم به الملك النّاصر. فلما تحقّقه قبض على هؤلاء وصلبهم، فكان ممن صلب عمارة اليمنى، وعبد الصّمد الكاتب، والقاضى الأعز العوريس، وغيرهم «2» .
وجاء عمارة إلى باب القاضى الفاضل لمّا مسك، فاحتجب عنه، فقال عمارة:
عبد الرّحيم قد احتجب
…
إنّ الخلاص من العجب «3»
ونودى فى أجناد المصريين بالرّحيل من ديار مصر ومفارقتها إلى أقاصى الصّعيد، واحتاط الملك النّاصر على من بالقصر من سلالة العاضد
وأهله. وأمّا من كان قد وافقهم من أصحابه فلم يخاطبهم فى ذلك ولا أوهمهم أنّه علم به. وبلغ ذلك فرنج السّاحل فلم يتحركوا من أماكنهم، وأما فرنج صقليّة فإنهم قصدوا ثغر الإسكندريّة على ما نذكره.
وفى سنة سبعين وخمسمائة، فى أوائلها، خالف الكنز «1» ، أمير العرب، على الملك النّاصر بصعيد مصر، واجتمع معه جماعة كبيرة من رعايا البلاد والعربان والسّودان وغيرهم، وقتل أخا الأمير أبى الهيجاء السّمين، وكان قد توجّه لإقطاعه بالصّعيد. فعظم قتله على أخيه، وكان من أكابر الأمراء النّاصريّة، فسار إلى قتال الكنز. وندب معه الملك الناصر جماعة من الأمراء والعسكر، فوصلوا إلى مدينة طود، وهى على مسافة يوم من مدينة قوص إلى جهة الصّعيد، فامتنع من بها عليهم، فقاتلوهم وظفروا بهم وقتلوا كثيرا منهم، وأخربوا البلد، فهى إلى وقتنا هذا تعرف بطود الخراب، وغيطانها عامرة. ثمّ سار العسكر منها إلى الكنز، فقاتلوه، فقتل هو ومن معه من الأعراب، وأمنت البلاد واستقرّ أهلها «2» .
وفى سنة سبع وسبعين وخمسمائة ظهر بالدّيار المصرية فأر كثير جدّا.
قال القاضى الفاضل عبد الرحيم: حدّثنى من شاهد هذا الفأر وهو يرحل من بقعة إلى أخرى فيغطّى الأرض بكمالها حتى لا يظهر منها شىء ألبتّة
وأنه شاهد يمرّ بأماكن فلا يلمّ بها ولا يخرج عليها والزّروع بها محصورة، ويمرّ بأخرى فلا يلبث أن يفسد جميع ما فيها ولا يرتحل عنها وبها شىء من الزّرع ولا المقات بالجملة.
وفى سنة تسع وسبعين وخمسمائة [112] ظهر بأبو صير السدر «1» من أعمال الجيزة بيت أشاع النّاس أنّه بيت هرمس، ففتح بحضور القاضى نظام الدّين بن الشّهرزورى وأخرج منه أشياء، من جملتها صور كباش وضفادع بأزهر، وقوارير دهنج، وفلوس من فضّة ونحاس، وأصنام نحاس وياقوت، وغير ذلك من الذّهب والفضة والتّحف القديمة ووجد فيه خلق كثير من الأموات.
وفى سنة ثمانين وخمسمائة فى يوم الاثنين مستهلّ المحرم درّس فى المدرسة الفاضلية «2» الّتى أنشأها القاضى الفاضل عبد الرّحيم بالقاهرة بدرب ملوخيّا؛ ورتّب فيها لإقراء كتاب الله تعالى الشيخ الإمام العالم الزّكى أبو [محمد]«3» القاسم بن فيرّه الرّعينى الشّاطبى؛ وفى التّدريس على مذهبى الشّافعى ومالك الفقيه أبو القاسم عبد الرحيم بن سلامة الإسكندرى، رحمهما الله تعالى.
وحيث ذكرنا هذه النّبذة من الحوادث الّتى اتّفقت فى خلال دولته، فلنذكر ما استولى عليه من البلاد الإسلاميّة.