الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(20) باب ما يحل من الحائض
293 -
[227] عَن عَائِشَةَ؛ قَالَت: كَانَت إِحدَانَا، إِذَا كَانَت حَائِضًا، أَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَن تَأتَزِرَ فِي فَورِ حَيضَتِهَا، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا.
ــ
(20)
ومن باب ما يحل من الحائض
(قوله: أمرها أن تأتزِرَ في فورِ حيضتها) الائتزارُ: شد الإزار على الوسط إلى الركبة، وقال ابن القصَّار: من السرة إلى الركبة، وهذا منه صلى الله عليه وسلم مبالغة في التحرز من النجاسة، وإلا فالحماية تحصُل بخرقة تحتشي بها. وفور الحيضة: معظم صبها، من فوران القِدر والبحر، وهو غليانهما. قال ابن عرفة: والمحيض والحيض: اجتماع الدم إلى ذلك المكان، وبه سمي الحوض لاجتماع الماء فيه، يقال: حاضت المرأة، وتحيضت حيضًا ومحاضًا ومحيضًا، إذا سال الدم منها في أوقات معلومة، فإذا سال في غيرها قيل: استحيضت، فهي مستحاضة، قال: ويقال: حاضت المرأة، وتحيضت، ودرست، وعركت، وطمثت.
قال غيره: ونفست، بفتح النون وكسر الفاء، وحكي في النون الضم، وقيل: في قوله تعالى: وَامرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَت؛ أي: حاضت؛ وقيل: سُمي المحيض حيضًا من قولهم: حاضت السمرة: إذا خرج منها ماء أحمر. قال الشيخ: ويحتمل أن يكون قولهم: حاضت السمرة (1) تشبيهًا بحيض المرأة، والله تعالى أعلم.
و(قوله: ثم يباشرها) أي: تلتقي بشرتاهما، والبشرة: ظاهر الجلد، والأَدَمَةُ: باطنه، ويعني بذلك: الاستمتاع بما فوق الإزار والمضاجعة، كما قال صلى الله عليه وسلم للذي سأله عما يحل له من امرأته الحائض، فقال: لتشُدَّ عليها إزارها،
(1) ساقط من (ع).
قَالَت: وأَيُّكُم يَملِكُ إِربَهُ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَملِكُ إِربَهُ.
رواه البخاري (302)، ومسلم (293)، وأبو داود (268 و 273)، والترمذي (132)، والنسائي (1/ 189).
[228]
وَعَن مَيمُونَةَ، قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُبَاشِرُ نِسَاءَهُ فَوقَ الإِزَارِ، وَهُنَّ حُيَّضٌ.
رواه البخاري (303)، ومسلم (295)، وأبو داود (267)، والنسائي (1/ 189 - 190).
[229]
وَعَن أُمِّ سَلَمَةَ؛ قَالَت: بَينَمَا أَنَا مُضطَجِعَةٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم
ــ
ثم شأنك فأعلاها (1)، وهذا مبالغة في الحماية، وأما المحرمُ لنفسِهِ فهو الفَرجُ، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء من السلف وغيرهم.
و(قولها: وأيكم يملك إربه) قيدناه بكسر الهمزة وإسكان الراء، وبفتح الهمزة وفتح الراء، وكلاهما له معنى صحيحٌ، وإن كان الخطابي قد أنكر الأول على المحدثين، ووجه الأوّل أن الإرب هو العضو، والآراب: الأعضاء، فكنّت به عن شهوة الفرج؛ إذ هو عضو من الأعضاء، وهذا تكلف، بل في الصحاح أن الإرب: العضو والدهاء والحاجة أيضًا، وفيه لغات: إربٌ وإربةٌ وأربٌ ومأربةٌ، ويقال: هو ذو أربٍ؛ أي: ذو عقل، فقولها: يملك إربه بالروايتين، يعني: حاجته للنساء. وقول أم سلمة (2) في الخميلة أي القطيفة، قاله ابن دُريد. وقال الخليل: الخميلة: ثوب له خملٌ، أي: هُدب.
(1) رواه مالك في الموطأ (1/ 57).
(2)
في الأصول: عائشة، والتصحيح من التلخيص وصحيح مسلم.
فِي الخَمِيلَةِ، إِذ حِضتُ، فَانسَلَلتُ، فَأَخَذتُ ثِيَابَ حيضَتِي، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَنَفِستِ؟ قُلتُ: نَعَم. فَدَعَانِي، فَاضطَجَعتُ مَعَهُ فِي الخَمِيلَةِ. قَالَت: وَكَانَت هِيَ وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَغتَسِلان فِي الإِنَاءِ الوَاحِدِ مِنَ الجَنَابَةِ.
رواه أحمد (6/ 294 و 300 و 318)، والبخاري (298)، ومسلم (296)، والنسائي (1/ 149 - 150).
ــ
و(قولها: فأخذت ثياب حيضتي) بفتح الحاء كذا قرأناه، تعني بها الدم، وقد قيده بعض الناس بكسر الحاء، يعني به الهيئة والحالة، كما تقول العرب: هو حَسنُ القعدَة والجلسَة، وكذا قاله الخطابي في قوله عليه الصلاة والسلام: إن حيضتك ليست في يدك: أن صوابه بكسر الحاء. وعاب على المحدثين الفتح، وعيبه معابٌ؛ لأن الهيئة هنا غير مرادة، وإنما هو الدم في الموضعين.
و(قوله: أنفست؟ قيدناه بضم النون وفتحها. قال الهروي وغيره: نُفِست المرأة ونفِست إذا ولدت، وإذا حاضت قيل: نَفَسَت بفتح النون لا غير، فعلى هذا يكون ضم النون هنا خطأ، فإن المراد به هنا الحيض قطعًا، لكن حكى أبو حاتم عن الأصمعي الوجهين في الحيض والولادة، وذكر ذلك غير واحد، فعلى هذا تصحُّ الروايتان. وأصل ذلك كله من خروج الدم، وهو المسمى: نفسًا، كما قال (1):
تَسِيلُ على حَدِّ الظُّبَاتِ نُفُوسُنا
…
وليست (2) على غَيرِ الظُّبَاتِ تَسِيلُ
(1) الشاعر هو: السموأل.
(2)
في (ع) و (م): ليس.
[230]
وَعَن عَائِشَةَ، قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُخرِجُ إِلَيَّ رَأسَهُ مِنَ المَسجِدِ، وهو مُجَاوِرٌ، فَأَغسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ.
رواه أحمد (6/ 181)، والبخاري (295)، ومسلم (297)، وأبو داود (2467 - 2469)، والترمذي (804)، والنسائي (1/ 193).
[231]
وَعَنهَا؛ قَالَت: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: نَاوِلِينِي الخُمرَةَ مِنَ المَسجِدِ قَالَت: فَقُلتُ: إِنِّي حَائِضٌ. فَقَالَ: إِنَّ حَيضَتَكِ لَيسَت فِي يَدِكِ.
رواه أحمد (6/ 101 و 106 و 173)، ومسلم (298)، وأبو داود (261)، والترمذي (134)، والنسائي (1/ 192).
ــ
و(قولها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج إليَّ رأسه من المسجد وهو مجاورٌ) أي: معتكفٌ، وكذا جاء في رواية أخرى.
و(قوله: ناوليني الخُمرةَ من المسجد) الخُمرة: حصير ينسج من الخُوصٍ يُسجَدُ عليه، سُمي بذلك؛ لأنه يخمر الوجه، أي: يستره، وهو أصل هذا الحرف، وقد اختلف في هذا المجرور الذي هو من المسجد بماذا يتعلق؟ فعلقته طائفة بـ ناوليني، واستدلوا به على جواز دخول الحائض المسجد للحاجة تعرض لها، إذا لم يكن على جسدها نجاسة، ولأنها لا تمنع من المسجد إلا مخافة ما يكون منها، وإلى هذا نحا محمد بن مسلمة من أصحابنا، وبعض المتأخرين: إذا استثفرت، ومتى خرج منها شيء في الثفر (1) لم تدخله، تنزيها للمسجد عن النجاسة.
وعلقته طائفة أخرى بقولها: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: من المسجد ناوليني الخمرة على التقديم والتأخير، وعليه المشهور من مذاهب العلماء، أنها
(1)"الثفر": هو ما تشدّه المرأة على فرجها لتمنع سيلان الدم.
[232]
وَعَنهَا؛ قَالَت: كُنتُ أَشرَبُ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوضِعِ فِيَّ، فَيَشرَبُ. وَأَتَعَرَّقُ العَرقَ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوضِعِ فِيَّ.
رواه أحمد (6/ 210)، ومسلم (300)، وأبو داود (259)، والنسائي (1/ 148).
[233]
وَعَنهَا؛ أَنَّهَا قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَتَّكِئُ فِي حِجرِي فَيَقرَأُ القُرآنَ، وَأَنَا حَائِضٌ.
رواه أحمد (6/ 117 و 135)، والبخاري (297)، ومسلم (301)، وأبو داود (260)، والنسائي (1/ 191).
ــ
لا تدخل المسجد لا مقيمة ولا عابرة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: لا أُحل المسجد لحائض ولا جنب، خرجه أبو داود (1)، وبأن حَدَثها أفحش من حدث الجنابة، وقد اتفق على أن الجنب لا يلبث فيه، وإنما اختلفوا في جواز عبوره فيه، والمشهور من مذاهب العلماء منعه، والحائض أولى بالمنع.
قال الشيخ رحمه الله: ويحتمل: أن يريد بالمسجد هنا مسجد بيته الذي كان يتنفل فيه.
و(قولها: وأتعرق العرق) أي: العظم الذي عليه اللحم، وجمعه عراق، وأتعرقه: آكل ما عليه من اللحم. وهذه الأحاديث متفقة على الدلالة على أن الحائض لا ينجس منها شيء، ولا يُجتنب منها إلا موضع الأذى فحسب، والله تعالى أعلم.
و(قولها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكئ في حجري فيقرأ القرآن وأنا حائض)
(1) رواه أبو داود (232) من حديث عائشة رضي الله عنها.
[234]
وَعَن أَنَسٍ؛ أَنَّ اليَهُودَ كَانُوا - إِذَا حَاضَتِ المَرأَةُ فِيهِم - لَم يُؤَاكِلُوهَا وَلَم يُجَامِعُوهنَّ فِي البُيُوتِ. فَسَأَلَ أَصحَابُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَنزَلَ اللهُ: وَيَسأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُل هُوَ أَذًى فَاعتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ. . . إِلَى آخِرِ الآيَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
ــ
كذا صوابه عند الرواة كلهم هنا، وفي البخاري. ووقع للعذري: في حجرتي بضم الحاء وبالتاء باثنتين من فوق، وهو وهم، وقد استدل بعض العلماء على جواز قراءة الحائض القرآن، وحملها المصحف. وفيه بُعد، لكن جواز قراءة الحائض للقرآن عن ظهر قلب، أو نظر في المصحف، ولا تمسه، هي إحدى الروايتين عن مالك، وهي أحسنها تمسكًا بعموم الأوامر بالقراءة، وبأصل ندبية مشروعيتها. ولا يصح ما يذكر في منعها القراءة من نهيه عليه الصلاة والسلام الحائض عن قراءة القرآن، وقياسها على الجنب ليس بصحيح، فإن أمرها يطول، وليست متمكنة من رفع حدثها، فافترقا.
ويؤخذ من قراءته عليه الصلاة والسلام القرآن في حجر الحائض جواز استناد المريض إلى الحائض في صلاته؛ إذا كانت أثوابها طاهرة، وهو أحد القولين عندنا. وصحيح الرواية: وأنا حائض بغير هاء ووقع عند الصدفي حائضةٌ والأول أفصح، وهذه جائزة؛ لأنها جارية على الفعل، كما قال الأعشى:
أيا جارتا بِينِي فإنك طالقة (1)
…
. . . . . . . . . . . . . . . . .
وكما قال: وَلِسُلَيمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً وللنحاة في الأول وجهان:
(1) وعجزه: ومَوْمُوقَةٌ ما دُمْتِ فينا ووامِقَه.
اصنَعُوا كُلَّ شَيءٍ إِلا النِّكَاحَ فَبَلَغَ ذَلِكَ اليَهُودَ فَقَالُوا: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَن يَدَعَ مِن أَمرِنَا شَيئًا إِلا خَالَفَنَا فِيهِ. فَجَاءَ أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ وَعَبَّادُ بنُ بِشرٍ فَقَالا: يَا رسولَ الله! إِنَّ اليَهُودَ تَقُولُ: كَذَا وَكَذَا. أَفَلا نُجَامِعُهُنَّ؟ فَتَغَيَّرَ وَجهُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى ظَنَنَّا أَن قَد وَجَدَ عَلَيهِمَا، فَخَرَجَا فَاستَقبَلهُمَا هَدِيَّةٌ مِن لَبَنٍ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَأَرسَلَ فِي آثَارِهِمَا، فَسَقَاهُمَا، فَعَرَفَا أَن لَم يَجِد عَلَيهِمَا.
رواه أحمد (3/ 246)، ومسلم (302)، وأبو داود (2165)، والترمذي (2981)، والنسائي (1/ 152).
* * *
ــ
أحدهما: أن حائض وطالق ومرضع مما لا شركة فيه للمذكر، فاستغنى عن العلامة.
والثاني - وهو الصحيح -: أن ذلك على طريق النسب؛ أي: ذات حيض ورضاع وطلاق، كما قال تعالى: السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ؛ أي: ذات انفطار.
وتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول أُسيد بن الحُضير وعباد بن بشر إنما كان ليبين: أن الحامل على مشروعية الأحكام إنما هو أمر الله ونهيه، لا مخالفة أحد ولا موافقته، كما ظنا، ثم لما خرجا من عنده وتركاه على تلك الحالة، خاف عليهما أن يحزنا، وأن يتكدر حالهما، فاستدرك ذلك واستمالهما، وأزال عنهما ما أصابهما، بأن أرسل إليهما فسقاهما اللبن رأفة ورحمة منه لهما، على مقتضى خُلقِه الكريم، كما قال تعالى: بِالمُؤمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ.