الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(26) بَابُ تَركُ الصَّلَاةِ جَحدًا أو تَسفِيهًا لِلأَمرِ كُفرٌ
[63]
عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ؛ قَالَ: سَمِعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: بَينَ الرَّجُلِ وَبَينَ الشِّركِ وَالكُفرِ تَركُ الصَّلاةِ.
رواه أحمد (3/ 289)، ومسلم (82)، وأبو داود (4678)، والترمذي (2622)، وابن ماجه (1078).
ــ
(26)
وَمِن بَابِ: تَركُ الصَّلَاةِ جَحدًا أو تَسفِيهًا لِلأَمرِ كُفرٌ
(قوله: بَينَ الرَّجُلِ وَبَينَ الشِّركِ تَركُ الصَّلَاةِ) يعني: أَنَّ من تركَ الصلَاةَ، لم يَبقَ بينه وبين الكفر حاجزٌ يحجزه عنه، ولا مانعٌ يمنعه منه، أي: قد صار كافرًا؛ وهذا إنَّما يكونُ بالاتِّفاق فيمَن كان جاحدًا لوجوبها، فأمَّا لو كان معترِفًا بوجوبها، متهاونًا بفعلها، وتاركًا لها، فالجمهورُ: على أنَّه يُقتَلُ إذا أخرَجَهَا عن آخِرِ وقتها، ثُمَّ هل يُقتَلُ كُفرًا، أو حَدًّا؟ فممَّن ذهَبَ إلى الأوَّل: أحمدُ بنُ حنبل، وابنُ المبارك، وإسحاقُ، وابنُ حَبِيبٍ من أصحابنا، ورُوِيَ ذلك عن عليٍّ بن أبي طالب، وممن ذهَبَ إلى الثاني: مالكٌ، والشافعيُّ، وكثيرٌ من أهل العلم؛ قالوا: يقتل حَدًّا إذا عُرِضَت عليه فلم يفعلها، ثم هل يستتاب أم لا؟ قولان لأصحابنا.
وقال الكوفيُّون: لا يقتلُ، ويؤمر بفعلها، ويعزَّرُ حتى يفعلها. والصحيحُ: أنَّه ليس بكافر؛ لأنَّ الكفر الجحد كما تقدم، وليس بجاحد، ولأنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قد قال: خَمسُ صَلَوَاتٍ افتَرَضَهُنَّ اللهُ على العِبَادِ، فَمَن جَاءَ بِهِنَّ لَم يُضَيِّع مِنهُنَّ شَيئًا، كَانَ لَهُ عِندَ اللهِ عَهدٌ أَن يَغفِرَ لَهُ، وَمَن لَم يَأتِ بِهِنَّ، فَلَيسَ لَهُ على اللهِ عَهدٌ؛ إِن شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وَإِن شَاءَ عَذَّبَهُ (1)؛ فهذا ينصٌّ على أَنَّ تركَ الصلاةِ ليس بِكُفر، وأنَّه مما دون الشِّركِ الذي قال
(1) رواه أحمد (5/ 317 و 322)، وأبو داود (425)، والنسائى (1/ 230)، ومالك في الموطأ (1/ 123).
[64]
وعَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِذَا قَرَأَ ابنُ آدَمَ السَّجدَةَ فَسَجَدَ، اعتَزَلَ الشَّيطَانُ يَبكِي، ويَقُولُ: يَا وَيلَهُ! - وَفِي رِوَايَةٍ:
ــ
الله تعالى فيه: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغفِرُ أَن يُشرَكَ بِهِ وَيَغفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ. واختلف العلماء في أخواتِ الصلاة من الفرائض؛ كالزكاة، والصيام، والحج، والوضوءِ، والغُسلِ من الجنابة، هل يُقتَلُ الآبي مِن فعِلِهَا وإن اعترَفَ بوجوبها، أم يعاقبُ حتى يَفعَل؟ وهل هو كافرٌ أم عاصٍ؟ مذهب مالك: في أنَّ من قال: لا أتوضَّأُ ولا أصوم، أنَّه يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل، وإن قال: لا أُزَكِّي، أُخِذَت منه كرهًا، فإن امتنع، قوتل، فإن قال: لا أَحُجُّ، لم يُجبَر؛ لكونِ فرضِهِ على التراخي.
قال المؤلف رحمه الله: هكذا أطلق أئمتنا، وينبغي أن يقال: إنَّه إذا انتهى الممتنع إلى حالةٍ يخافُ معها الفَوتَ؛ كالهَرَمِ، والمرض، حُمِلَ على الفعل؛ لئلا يُخلى زمانَهُ عن الحجِّ مع استطاعته، وأما من يقول: إنَّ الحجَّ على الفور إذا حصلَت الاستطاعةُ، فقياسُ مذهبه: يقتضي أن يُحمَلَ على الفعل في تلك الحال، لكنَّ أصحابنا لم يقولوا به، ولا كفَّروه بترك الحجِّ كما فعلوا في الصلاة؛ لأنَّ كونَ وجوبِهِ على الفور ليس بمعلومِ التحديد والتوقيف مِنَ الشرع؛ كما هو في الصلاة، وإنما قيل ذلك بالاجتهادِ والظَّنِّ، والله أعلم.
وقال ابن حَبِيب: مَن قال عند الإمام: لا أصلِّي وهي عَلَيَّ، قُتِلَ ولا يستتاب، وكذلك من قال: لا أتوضَّأ، ولا أغتسلُ من الجنابة، ولا أصوم. وقال أيضًا: مَن ترك الصلاةَ متعمِّدًا أو مُفَرِّطًا: كافرٌ، ومَن ترك أخواتِهَا متعمِّدًا؛ من زكاة، وحجٍّ، وصوم: كافر، وقاله الحَكَم بن عُتَيبة وجماعةٌ من السلف.
و(قوله: إِذَا قَرَأَ ابنُ آدَمَ السَّجدَةَ، اعتَزَلَ الشَّيطَانُ) أصلُ السجود في اللغة: الخضوعُ والخشوع؛ قال زَيدُ الخَيلِ:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِجَمعٍ تَصلي البُلقُ (1) فِي حَجَرَاتِه
…
تَرَى الأُكمَ فِيهَا سُجَّدًا لِلحَوَافِرِ
أي: خاضعةً. ويقالُ أيضًا: على المَيلِ؛ يقال: سجَدَتِ النخلةُ، أي: مالَت، وسجدَتِ الناقةُ: طأطأَت رأسَهَا، قال يعقوبُ: أسجَدَ الرجلُ: إذا طأطَأَ رأسه، وسجَدَ: إذا وضع جبهتَهُ في الأرض، وقال ابن دُرَيد: أصلُ السجود: إدامةُ النظر مع إطراقٍ إلى الأرض.
قال المؤلف رحمه الله: والحاصلُ أن أصلَ السجودِ: الخضوعُ، وسُمِّيَت هذه الأحوالُ سجودًا؛ لأنها تلازمُ الخضوع غالبًا، ثم قد صار (2) في الشرعِ عبارةً عن وضع الجبهة على الأرض على نحو مخصوصٍ. والسجودُ المذكور في هذا الحديث: هو سجودُ التلاوة؛ لقوله: إِذَا قَرَأَ ابنُ آدَمَ السَّجدَةَ فَسَجَدَ. وقد اختُلِفَ في حُكمه:
فذهَبَ الجمهور: إلى أنَّه مندوبٌ وفضيلة، وصار أبو حنيفة: إلى أنه واجب؛ مستدلاًّ بهذا الحديث. ووجهه: أنَّ إبليس عصَى بترك ما أُمِرَ به من السجود؛ فذُمَّ ولُعِنَ، وابنُ آدم أطاعَ بفعله؛ فمُدِحَ وأُثِيبَ بالجنَّة؛ فلو تَرَكَهُ لعصى؛ إذ السجودُ نوعٌ واحد، فلزم من ذلك كونُ السجود واجبًا. والجوابُ: أنَّ ذمَّ إبليس ولَعنَهُ لم يكن لأجلِ تَركِ السجود فقط، بل لترك السجود عُتُوًّا على الله وكِبرًا، وتسفيهًا لأمره تعالى، وبذلك كفَرَ، لا بترك العملِ بمطلق السجود؛ أَلَا ترى قوله تعالى مُخبِرًا عنه بذلك حين قال: أَبَى وَاستَكبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ، وقال: لَم أَكُن لِأَسجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقتَهُ مِن صَلصَالٍ مِن حَمَإٍ مَسنُونٍ، وقال: أَنَا خَيرٌ مِنهُ خَلَقتَنِي مِن نَارٍ وَخَلَقتَهُ مِن طِينٍ. سلَّمنا: أنَّه ذُمَّ على ترك السجود، لكن لا نُسلِّمُ أنَّ السجودَ نوعٌ واحد؛ فقد قال بعضُ المفسِّرين: إنَّ
(1) في (ع): الخيل، والمثبت من (م) و (ل). والفرس الأبلق: ما كان فيه سواد وبياض.
(2)
قوله: (قد صار) ساقط من (ع).
يَا وَيلَتَا! - أُمِرَ ابنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ؛ فَلَهُ الجَنَّةُ، وَأُمِرتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيتُ؛ فَلِيَ النَّارُ.
رواه أحمد (2/ 440 و 443)، ومسلم (81)، وابن ماجه (1052).
* * *
ــ
السجود الذي أمَرَ اللهُ به الملائكةَ إنَّما كان طأطأةَ الرأسِ لآدمَ تحيَّةً له، وسجودُ التلاوة وَضعُ الجبهة بالأرض على كيفيَّة مخصوصة، فافترَقَا؛ سلَّمنا: أنَّه نوعٌ واحد؛ لكن منقسمٌ بالإضافة، ومتغايرٌ بها، فيصحُّ أن يُؤمَرَ بأحدها ويُنهَى عن الآخر؛ كما يؤمَرُ بالسجود لله تعالى ويُنهَى عن السجود للصنم؛ فما أُمِرَ به الملائكةُ من السجود لآدم محرَّمٌ على ذُرِّيَّته (1)، كما قد حُرِّمَ ذلك علينا؛ وكيف يُستَدَلُّ بوجوبِ أحدهما على وجوبِ الآخر؟ ! وسيأتي القولُ في سجود القرآن في بابِهِ، إن شاء الله تعالى.
وبكاءُ إبليسَ المذكورُ في الحديث: ليس ندمًا على معصية، ولا رجوعًا عنها، وإنَّما ذلك لفرطِ حَسَده وغيظِهِ وألمِهِ مما أصابه مِن دخولِ أحدٍ من ذُرِّيَّةِ آدم الجنَّةَ ونجاتِهِ، وذلك نحو ما يعتريه عند الأذانِ والإقامةِ ويومِ عرفة؛ على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
و(قوله: يَا وَيلَتَا) الويلُ: الهلاك، وويلٌ: كلمةٌ تقال لمن وقَعَ في هلكة، والألف في يا ويلتا: للندبةِ والتفجُّع.
* * *
(1) سجود الملائكة لادم كان عبادة لله وطاعة لأمره، كما أمرنا نحن بالسجود للكعبة، أي: لجهتها تعظيمًا من الله لشأنها.