المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(11) باب لا يكفي مجرد التلفظ بالشهادتين، بل لا بد من استيقان القلب - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم - جـ ١

[أبو العباس القرطبي]

فهرس الكتاب

- ‌الفهرس الألفبائي للكتب الواردة في تلخيص مسلم والمفهم

- ‌كلمة الناشر

- ‌(1) مقدمة التحقيق

- ‌(2) توثيق التلخيص والمفهم ومنهج المؤلف فيهما

- ‌أولًا - التوثيق:

- ‌ثانيًا - المنهج والأسلوب:

- ‌(3) فوائد إخراج كتاب "المفهم

- ‌ مكانته في شرح صحيح مسلم:

- ‌ أهميته في شرح غريب الأحاديث:

- ‌ تفرّده في تدوين فوائد الأحاديث:

- ‌ أسبقيته في حل الأحاديث المشكلة:

- ‌ إنصافه في عَرْض الآراء المذهبية:

- ‌ لماذا هذه الطبعة؟ وما فائدتها

- ‌(4) وصف النسخ الخطية المعتمدة وخطة التحقيق

- ‌أولًا - نسخ التلخيص:

- ‌ثانيًا - نُسَخ المفهم:

- ‌ثالثًا - خطة تحقيق كتاب "المفهم

- ‌(5) ترجمة المؤلف

- ‌1 - نسبُه ونشأته:

- ‌2 - عالم الإسكندرية:

- ‌3 - الفقيه المُحدِّث:

- ‌ مواقفه وآراؤه:

- ‌5 - شيوخه وتلاميذه:

- ‌6 - كتبه:

- ‌7 - وفاته:

- ‌صور النسخ المخطوطة

- ‌مقدمة كتاب المفهم

- ‌ مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم

- ‌(1) بابُ ما تضمَّنتهُ خُطبَةُ الكتابِ وصدرُهُ من المعاني والغريب

- ‌(2) بَابُ

- ‌(3) بَابُالنَّهيِ عَن أَن يُحَدِّثَ مُحَدِّثٌ بِكُلِّ مَا سَمِعَ

- ‌(4) بَابُالتَّحذِيرِ مِنَ الكَذَّابِينَ

- ‌(5) بَابالإِسنَادِ مِنَ الدِّينِ

- ‌(6) بَابُ الأَمرِ بِتَنزِيلِ النَّاسِ مَنَازِلَهُم وَوُجُوبِ الكَشفِ عَمَّن لَهُ عَيبٌ مِن رُوَاةِ الحَدِيثِ

- ‌(1) كِتَابُ الإِيمَانِ

- ‌(1) بَابُ مَعَانِي الإِيمَانِ وَالإِسلَامِ وَالإِحسَانِ شَرعًا

- ‌(2) بَابُ وُجُوبِ التِزَامِ شَرَائِعِ الإِسلَامِ

- ‌(3) بَابُ مَنِ اقتَصَرَ عَلَى فِعلِ مَا وَجَبَ عَلَيهِ وَانتَهَى عَمَّا حُرِّمَ عَلَيهِ دَخَلَ الجَنَّةَ

- ‌(4) بَابُ مَبَانِي الإِسلَامِ

- ‌(5) بَابُ إِطلَاقِ اسمِ الإِيمَانِ عَلَى مَا جَعَلَهُ فِي حَدِيثِ جِبرِيلَ إِسلَامًا

- ‌(6) بَابُ أَوَّلِ مَا يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِينَ

- ‌(7) بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ إِلَى أَن يُوَحِّدُوا الله وَيَلتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ

- ‌(8) بَابٌ فِي قَولِهِ تَعَالَى: إِنَّكَ لَا تَهدِي مَن أَحبَبتَ

- ‌(9) بَابُ مَن لَقِيَ اللهَ تَعَالَى عَالِمًا بِهِ، دَخَلَ الجَنَّةَ

- ‌(10) بَابُ حَقِّ الله تعالى عَلَى العِبَادِ

- ‌(11) بَابٌ لَا يَكفِي مُجَرَّدُ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَينِ، بَل لَا بُدَّ مِنِ استِيقَانِ القَلبِ

- ‌(12) بَابُ مَن يَذُوقُ طَعمَ الإِيمَانِ وَحَلَاوَتَهُ

- ‌(13) بَابٌ الإِيمَانُ شُعَبٌ، وَالحَيَاءُ شُعبَةٌ مِنهَا

- ‌(14) بَابُ الاِستِقَامَةِ فِي الإِسلَامِ، وَأَيُّ خِصَالِهِ خَيرٌ

- ‌(15) بَابٌ لَا يَصِحُّ الإِيمَانُ حَتَّى تَكُونَ مَحَبَّةُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم رَاجِحَةً عَلَى كُلِّ مَحبُوبٍ مِنَ الخَلقِ

- ‌(16) بَابٌ حُسنُ الجِوَارِ وَإِكرَامُ الضَّيفِ مِنَ الإِيمَانِ

- ‌(17) بَابٌ تَغيِيرُ المُنكَرِ مِنَ الإِيمَانِ

- ‌(18) بَابٌ الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالحِكمَةُ يَمَانِيَةٌ

- ‌(19) بَابٌ المَحَبَّةُ فِي اللهِ تَعَالَى وَالنُّصحُ مِنَ الإِيمَانِ

- ‌(20) بَابٌ لَا يَزنِي الزَّانِي حِينَ يَزنِي وهو كَامِلُ الإِيمَانِ

- ‌(21) بَابُ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ

- ‌(22) بَابُ إِثمِ مَن كَفَّرَ مُسلِمًا أو كَفَرَ حَقَّهُ

- ‌(23) بَابٌ نِسبَةُ الاِختِرَاعِ لِغَيرِ اللهِ حَقِيقَةً كُفرٌ

- ‌(24) بَابٌ حُبُّ عَلِيٍّ وَالأَنصَارِ آيَةُ الإيمَانِ، وَبُغضُهُم آيَةُ النِّفَاقِ

- ‌(25) بَابُ كُفرَانِ العَشِيرِ، وَكُفرٍ دُونَ كُفرٍ

- ‌(26) بَابُ تَركُ الصَّلَاةِ جَحدًا أو تَسفِيهًا لِلأَمرِ كُفرٌ

- ‌(27) بَابٌ الإِيمَانُ بِاللهِ أَفضَلُ الأَعمَالِ

- ‌(28) بَابٌ أيُّ الأَعمَالِ أَفضَلُ بَعدَ الإِيمَانِ

- ‌(29) بَابُ أَيُّ الذَّنبِ أَعظَمُ؟ وَذِكرِ الكَبَائِرِ

- ‌(30) بَابٌ لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ مَن فِي قَلبِهِ كِبرٌ

- ‌(31) بَابٌ رُكُوبُ الكَبَائِرِ غَيرُ مُخرِجٍ للمُؤمِنَ مِن إِيمَانِهِ

- ‌(32) بَابٌ يُكتَفَى بِظَاهِرِ الإِسلَامِ، وَلَا يُبقَّرُ عَمَّا فِي القُلُوبِ

- ‌(33) بَابٌ مَن تَبَرَّأَ مِنهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم

- ‌(34) بَابٌ مَن لَا يُكَلِّمُهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ وَلَا يَنظُرُ إِلَيهِ

- ‌(35) بَابٌ مَن قَتَلَ نَفسَهُ بِشَيءٍ عُذِّبَ بِهِ

- ‌(36) بَابُ لَا يُغتَرُّ بِعَمَلِ عَامِلٍ حَتَّى يُنظَرَ بِمَا يُختَمُ لَهُ

- ‌(37) بَابٌ قَتلُ الإِنسَانِ نَفسَهُ لَيسَ بِكُفرٍ

- ‌(38) بَابُ مَا يُخَافُ مِن سُرعَةِ سَلبِ الإِيمَانِ

- ‌(39) بَابٌ الإسلَامُ إِذَا حَسُنَ، هَدَمَ مَا قَبلَهُ مِنَ الآثَامِ، وَأَحرَزَ مَا قَبلَهُ مِنَ البِرِّ

- ‌(40) بَابُ ظُلمٍ دُونَ ظُلمٍ

- ‌(41) بَابٌ فِي قَولِهِ عز وجل: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرضِ إلَى آخِرِ السُّورَةِ

- ‌(42) بَابُ مَا يَهُمُّ بِهِ العَبدُ مِنَ الحَسَنَةِ وَالسَّيِّئَةِ

- ‌(43) بَابُ استِعظَامُ الوَسوَسَةِ وَالنُّفرَةُ مِنهَا خَالِصُ الإِيمَانِ وَالأَمرِ بِالاِستِعَاذَةِ عِندَ وُقُوعِهَا

- ‌(44) بَاب إِثمِ مَنِ اقتَطَعَ حَقَّ امرِئٍ بِيَمِينِهِ

- ‌(45) بَابُ مَن قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فهو شَهِيدٌ

- ‌(46) بَابُ مَنِ استُرعِيَ رَعِيَّةً، فَلَم يَجتَهِد، وَلَم يَنصَح لَهُم لَم يَدخُلِ الجَنَّةَ، وَمَن نَمَّ الحَدِيثَ لَم يَدخُلِ الجَنَّةَ

- ‌(47) بَابٌ فِي رَفعِ الأَمَانَةِ وَالإِيمَانِ مِنَ القُلُوبِ، وَعَرضِ الفِتَنِ عَلَيهَا

- ‌(48) باب كيف بدأ الإسلام وكيف يعود

- ‌(49) باب إعطاء من يخاف على إيمانه

- ‌(50) باب مضاعفة أجر الكتابي إذا آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وشدة عذابه إذا لم يؤمن

- ‌(51) باب ما جاء في نزول عيسى ابن مريم وما ينزل به

- ‌(52) باب في قوله تعالى: يَومَ يَأتِي بَعضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفسًا إِيمَانُهَا الآية

- ‌(53) باب كيف كان ابتداء الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وانتهاؤه

- ‌(54) باب في شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم في صغره واستخراج حظ الشيطان من قلبه

- ‌(55) باب في شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم ثانية، وتطهير قلبه، وحشوه حكمة وإيمانًا عند الإسراء

- ‌(56) باب ما خَصَّ الله به محمدًا نبينا صلى الله عليه وسلم من كرامة الإسراء

- ‌(57) باب رؤية النبي صلى الله عليه وسلم للأنبياء، ووصفه لهم وصلاتهم وذكر الدجال

- ‌(58) باب هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه

- ‌(59) باب ما جاء في رؤية الله تعالى في الدار الآخرة

- ‌(60) باب ما خُصَّ به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من الشفاعة العامة لأهل المحشر

- ‌(61) باب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لمن أدخل النار من الموحدين

- ‌(62) باب شفاعة الملائكة والنبيين والمؤمنين

- ‌(63) باب كيفية عذاب من يعذب من الموحدين وكيفية خروجهم من النار

- ‌(64) باب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر الأنبياء أتباعًا وأولهم تفتح له الجنة، وأولهم شفاعة، واختباء دعوته شفاعة لأمته

- ‌(65) باب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لعمه في التخفيف عنه

- ‌(66) باب من لم يؤمن لم ينفعه عمل صالح ولا قربة في الآخرة

- ‌(67) باب يدخل الجنة من أمة النبي صلى الله عليه وسلم سبعون ألفًا بغير حساب

- ‌(68) باب أمة محمد صلى الله عليه وسلم شطر أهل الجنة

- ‌(2) كتاب الطهارة

- ‌(1) باب فضل الطهارة وشرطها في الصلاة

- ‌(2) باب في صفة الوضوء

- ‌(3) باب فضل تحسين الوضوء والمحافظة على الصلوات

- ‌(4) باب ما يقال بعد الوضوء

- ‌(5) باب توعد من لم يُسبِغ، وغسله ما ترك، وإعادته الصلاة

- ‌(6) باب الغرة والتحجيل من الإسباغ وأين تبلغ الحلية وفضل الإسباغ على المكاره

- ‌(7) باب السواك عند كل صلاة والتيمن في الطهور

- ‌(8) باب خصال الفطرة والتوقيت فيها

- ‌(9) باب ما يُستَنجَى به والنهي عن الاستنجاء باليمين

- ‌(10) باب ما جاء في استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط والنهي عن التخلي في الطرق والظلال

- ‌(11) باب ما جاء في البول قائمًا

- ‌(12) باب المسح على الخفين والتوقيت فيه

- ‌(13) باب المسح على الناصية والعمامة والخمار

- ‌(14) باب فعل الصلوات بوضوء واحد، وغسل اليدين عند القيام من النوم، وأن النوم ليس بحدث

- ‌(15) باب إذا ولغ الكلب في الإناء أريق الماء، وغسل الإناء سبع مرات

- ‌(16) باب النهي أن يبال في الماء الراكد وصب الماء على البول في المسجد

- ‌(17) باب نضح بول الرضيع

- ‌(18) باب غَسلِ المَنِيّ مِنَ الثَّوبِ وغسلِ دَمِ الحَيضِ

- ‌(19) باب في الاستبراء من البول والتستر وما يقول إذا دخل الخلاء

- ‌(20) باب ما يحل من الحائض

- ‌(21) باب في الوضوء من المذي وغسل الذكر منه

- ‌(22) باب وضوء الجنب إذا أراد النوم أو معاودة أهله

- ‌(23) باب وجوب الغسل على المرأة إذا رأت في المنام مثل ما يرى الرجل

- ‌(24) باب الولد من ماء الرجل وماء المرأة

- ‌(25) باب في صفة غسله عليه الصلاة والسلام من الجنابة

- ‌(26) باب قدر الماء الذي يُغتَسَل به ويُتَوَضَّأُ به واغتسال الرجل وامرأته من إناء واحد، واغتساله بفضلها

- ‌(27) باب كم يُصَبُّ على الرأس، والتخفيف في ترك نقض الضفر

- ‌(28) باب صفة غسل المرأة من الحيض

- ‌(29) باب في الفرق بين دم الحيض والاستحاضة وغسل المستحاضة

- ‌(30) باب لا تقضي الحائض الصلاة

- ‌(31) باب سترة المغتسل والنهي عن النظر إلى العورة

- ‌(32) باب ما يستتر به لقضاء الحاجة

- ‌(33) باب ما جاء في الرجل يطأ ثم لا يُنزِلُ

- ‌(34) باب الأمر بالوضوء مما مست النار ونسخه

- ‌(35) باب الوضوء من لحوم الإبل والمضمضة من اللبن

- ‌(36) باب في الذي يخيل إليه أنه خرج منه حدث

- ‌(37) باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت

- ‌(38) باب ما جاء في التيمم

- ‌(39) باب تيمم الجنب والتيمم لرد السلام

- ‌(40) باب المؤمن لا ينجس، وذكر الله تعالى على كل حال، وما يتوضأ له

الفصل: ‌(11) باب لا يكفي مجرد التلفظ بالشهادتين، بل لا بد من استيقان القلب

(11) بَابٌ لَا يَكفِي مُجَرَّدُ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَينِ، بَل لَا بُدَّ مِنِ استِيقَانِ القَلبِ

[25]

عَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: كُنَّا قُعُودًا حَولَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، مَعَنَا أبو بَكرٍ وَعُمَرُ رضي الله عنهما فِي نَفَرٍ، فَقَامَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِن بَينِ أَظهُرِنَا، فَأَبطَأَ عَلَينَا، وَخَشِينَا أَن يُقتَطَعَ دُونَنَا، فَفَزِعنَا وَقُمنَا، فَكُنتُ أَوَّلَ مَن فَزِعَ، فَخَرَجتُ أَبتَغِي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم حَتَّى أَتَيتُ حَائِطًا لِلأنصَارِ لِبَنِي

ــ

(11)

وَمِن بابِ لَا يَكفِي مُجَرَّدُ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَينِ، بَل لَا بُدَّ مِنِ استِيقَانِ القَلبِ

هذه الترجمةُ تنبيهٌ على فسادِ مذهبِ غُلَاةِ المرجئةِ القائلين: إنَّ التلفُّظَ بالشهادتين كافٍ في الإيمان، وأحاديثُ هذا الباب تَدُلُّ على فساده، بل هو مذهبٌ معلومٌ الفساد من الشريعة لمن وَقَفَ عليها، ولأنَّهُ يَلزَمُ منه تسويغُ النفاقِ، والحُكمُ للمنافق بالإيمانِ الصحيح، وهو باطلٌ قطعًا.

و(قوله: وَخَشِينَا أَن يُقتَطَعَ دُونَنَا) أي: يحالَ بيننا وبينه بِأَخذٍ أو هلاك.

و(قوله: فَفَزِعنَا وَقُمنَا) أي: تَرَكنَا ما كنا فيه، وأقبلنا على طلبه؛ من قولهم: فَزِعتُ إلى كذا: إذا أقبَلتَ عليه، وتفرَّغتَ له؛ ومنه قول الشاعر:

فَزِعتُ إليكُم من بَلَايَا تَنُوبُنِي

فَأَلفَيتُكُم منها كَرِيمًا مُمَجَّدَا

وقد دلَّ على ذلك قوله: فَكُنتُ أَوَّلَ مَن فَزِعَ، أي: أوَّلَ مَن أخذ في طلبه، وليس هو من الفَزَعِ الذي هو (1) الذُّعرُ والخوف؛ لأنَّه قد قال قبل هذا: فَخَشِينَا أَن

(1) في (ع): هو ضد، وهو خطأ.

ص: 204

النَّجَّارِ، فَدُرتُ بِهِ، هَل أَجِدُ لَهُ بَابًا؟ فَلَم أَجِد، فَإِذَا رَبِيعٌ يَدخُلُ فِي جَوفِ حَائِطٍ مِن بِئرٍ خَارِجَةٍ - وَالرَّبِيعُ: الجَدوَلُ - فَاحتَفَزتُ، فَدَخَلتُ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: أبو هُرَيرةَ؟ فَقُلتُ: نَعَم يَا رسولَ الله، قَالَ: مَا شَأنُكَ؟ قُلتُ: كُنتَ بَينَ أَظهُرِنَا، فَقُمتَ، فَأَبطَأتَ عَلَينَا، فَخَشِينَا أَن تُقتَطَعَ دُونَنَا، فَفَزِعنَا، فَكُنتُ أَوَّلَ مَن فَزِعَ، فَأَتَيتُ هَذَا الحَائِطَ، فَاحتَفَزتُ كَمَا يَحتَفِزُ الثَّعلَبُ، وَهَؤُلاءِ النَّاسُ وَرَائِي، فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيرَةَ! - وَأَعطَانِي

ــ

يُقتَطَعَ دُونَنَا، ثم رتَّب فَزِعنَا عليه بفاء التعقيب المُشعِرَةِ بالتسبُّب، والفَزَعُ: لفظٌ مشترك ينطلقُ على ذَينِكَ المعنيَينِ، وعلى الإغاثة.

و(قوله: فَاحتَفَزتُ كَمَا يَحتَفِزُ الثَّعلَبُ) رواه عامَّةُ الشيوخ في المواضع الثلاثة بالراء من الحَفر، ورُوِيَ عن الجُلُوديِّ: بالزاي؛ وكأنَّه الصواب، ويعني به: أنَّه تضامَمَ وتصاغَرَ ليسعه الجدول، ومنه حديث عليٍّ: إذا صَلَّتِ المرأةُ، فلتحتَفِز (1)، أي: لِتَضَامَّ وتَنزَو (2) إذا سجدَت.

و(قوله: كُنتَ بَينَ أَظهُرِنَا) أي: بيننا، ورواه الفارسي: ظَهرَينَا. وقال الأصمعي: العربُ تقولُ: بين ظَهرَيكُم وظَهرَانَيكُم؛ قال الخليل: أي: بينكم.

و(قوله: وَهَؤُلاءِ النَّاسُ من وَرَائِي) يعني به: النفر الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقام عنهم، وأخذوا في طلبه، وهم المعنيُّون للنبيِّ صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا - بقوله: فَمَن لَقِيتَ مِن وَرَاءِ هَذَا الحَائِطِ يَشهَدُ أَن لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ مُستَيقِنًا بِهَا قَلبُهُ، فَبَشِّرهُ بِالجَنَّةِ؛ فإنَّه قيَّده بقوله: مَن لَقِيتَ مِن وَرَاءِ هَذَا الحَائِطِ، ولا شكَّ في أنَّ أولئك هم (3) مِن

(1) ذكره أبو عبيد في غريبه (2/ 305) والزمخشري في الفائق (1/ 402) وابن الأثير في النهاية (1/ 407).

(2)

"تنزو": تجتمع وتتضام بعضها إلى بعض.

(3)

من (م) و (ط).

ص: 205

نَعلَيهِ - فقَالَ: اذهَب بِنَعلَيَّ هَاتَينِ، فَمَن لَقِيتَ مِن وَرَاءِ هَذَا الحَائِطِ يَشهَدُ أَن لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ مُستَيقِنًا بِهَا قَلبُهُ، فَبَشِّرهُ بِالجَنَّةِ، وكَانَ أَوَّلَ مَن لَقِيتُ عُمَرُ، فَقَالَ: مَا هَاتَانِ النَّعلَانِ يَا أَبَا هُرَيرَةَ؟ ! قُلتُ: هَاتَانِ نَعلَا رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، بَعَثَنِي بِهِمَا، مَن لَقِيتُ يَشهَدُ أَن لا إِلهَ إِلا اللهُ مُستَيقِنًا بِهَا قَلبُهُ، بَشَّرتُهُ بِالجَنَّةِ. قَالَ: فَضَرَبَ عُمَرُ بِيَدِيهِ بَينَ ثَديَيَّ، فَخَرَرتُ لاِستِي، فَقَالَ: ارجِع يَا أَبَا هُرَيرَةَ! فَرَجَعتُ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَأَجهَشتُ بُكَاءً، وَرَكِبَنِي عُمَرُ، فَإِذَا هو عَلَى أَثَرِي، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: مَا لَكَ يَا أَبَا هُرَيرَةَ؟ ! قُلتُ: لَقِيتُ عُمَرَ،

ــ

أهل الجنة، وهذا ظاهرُ اللفظ. ويَحتمِلُ أن يقال: إنَّ ذلك القيدَ مُلغًى، والمراد: هم وكُلُّ مَن شاركهم في التَّلفُّظِ بالشهادتَينِ واستيقانِ القلبِ بهما؛ وحينئذٍ: يُرجَعُ إلى التأصيلِ والتفصيل الذي ذكرناه في البابِ قبلَ هذا.

وفي دفع النبيِّ صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة بنعلَيه: دليلٌ على جوازِ عَضدِ المُخبِرِ الواحد بالقرائن؛ تقويةً لخبره وإن كان لا يُتَّهَمُ. وفيه اعتبارُ القرائنِ والعلامات، والعملُ على ما يقتضيه من الأعمالِ والأحكام.

واليَقِينُ: هو العلمُ الراسخُ في القلب الثابتُ فيه، يقال منه: يقِنتُ الأمرَ، بالكسر، معناه أيقنتُ واستيقَنتُ وتيقَّنتُ، كلُّه بمعنًى واحدٍ، وربَّما عبَّروا عن الظنِّ باليقين، وباليقين عن الظن؛ قال الشاعر (1):

تَحَسَّبَ هَوَّاسٌ وَأَيقَنَ أَنَّنِي

بِهَا مُفتَدٍ مِن وَاحِدٍ لَا أُغَامِرُه

يقولُ: تشمَّم الأَسَدُ ناقتي يظُنُّ أنَّني أفتدي بها مِنهُ وأتركُهَا له ولا أقاتلُهُ، قاله الجوهريُّ.

وقال غيره: اليقينُ هو السكونُ مع الوضوح؛ يقال: يَقِنَ الماءُ، أي: سَكَنَ وظهَرَ ما تحته.

و(قوله: وَرَكِبَنِي عُمَرُ) أي: اتَّبَعَنِي في الحالِ مِن غير تربُّص، وضَربُ عُمَرَ

(1) هو أبو مسعدة الأسدي، ويقال: الهجيمي.

ص: 206

فَأَخبَرتُهُ بِالَّذِي بَعَثتَنِي بِهِ، فَضَرَبَ بَينَ ثَديَيَّ ضَربَةً خَرَرتُ لاِستِي، فقَالَ: ارجِع، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: يَا عُمَرُ، مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلتَ؟ فقَالَ: يَا رسولَ الله - بِأَبِي أَنتَ وَأُمِّي! - أَبَعَثتَ أَبَا هُرَيرَةَ بِنَعلَيكَ: مَن لَقِيَ يَشهَدُ أَن لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ مُستَيقِنًا بِهَا قَلبُهُ، بَشَّرَهُ بِالجَنَّةِ؟ قَالَ: نَعَم، قَالَ: فَلا تَفعَل؛ فَإِنِّي أَخشَى أَن يَتَّكِلَ النَّاسُ عَلَيهَا، فَخَلِّهِم يَعمَلُونَ! قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: فَخَلِّهِم.

رواه مسلم (31).

ــ

أبي هريرةَ حتى سقطَ لم يكن ليؤذيَهُ ويوقعه، لكن إنما كان ليوقفَهُ ويمنَعَهُ من النهوضِ بالبشرى حتى يراجعَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، ولم يكن ذلك من عمر اعتراضًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ردًّا لأمره، وإنما كان ذلك سعيًا في استكشافٍ عَن مصلحةٍ ظهرَت له، لم يعارض بها حكمًا ولا شرعًا؛ إذ ليس فيما أَمَرَهُ به إلا تطييبُ قلوب أصحابه أو أمَّته بتلك البشرى، فرأى عُمَرُ أنَّ السكوتَ عن تلك البشرى أصلَحَ لهم؛ لئلا يتَّكلوا على ذلك، فتقلَّ أعمالهم وأجورهم.

ولعلَّ عمر قد كان سَمِعَ ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم كما سمعه معاذٌ على ما يأتي في حديثه (1)، فيكونَ ذلك تذكيرًا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم بما قد سمع منه، ويكونُ سكوت النبيِّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك تعديلاً على ما قد كان تعذر لهم تبيانه لذلك، ويكونُ عمر لِمَا خصَّه الله تعالى به من الفِطنة وحضور الذهن تذكَّر ذلك. واستبلَدَ أبا هريرة؛ إذ لم يتفطَّن لذلك ولا تذكره، فضربه تلك الضربةَ؛ تأديبًا وتذكيرًا، والله تعالى أعلم.

و(قوله: فَخَرِرتُ لاِستِي) أي: على استي؛ كما قال تعالى: يَخِرُّونَ لِلأَذقَانِ أي: عليها، وكأنَّه وَكَزَهُ في صدره فوقَعَ على استه، وليس قولُ من قال: خرَّ على وَجهه بشيء.

(1) أى: حديث معاذ الآتي.

ص: 207

[26]

وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وَمُعَاذُ بنُ جَبَلٍ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحلِ - قَالَ: يَا مُعَاذُ، قَالَ: لَبَّيكَ رسولَ الله وَسَعدَيكَ! قَالَ: يَا مُعَاذُ، قَالَ: لَبَّيكَ رسولَ الله وَسَعدَيكَ! قَالَ: يَا مُعَاذُ، قَالَ: لَبَّيكَ رسولَ الله وَسَعدَيكَ! قَالَ: مَا مِن عَبدٍ يَشهَدُ أَن لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ - فِي البُخَارِيِّ: صِدقًا مِن قَلبِهِ - إِلَاّ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّار،

ــ

و(قوله: أَجهَشتُ بُكَاءً) أي: تهيَّأتُ له وأخذتُ فيه؛ قال أبو عُبَيد: الجَهشُ: أن يفزعَ الإنسانُ إلى الإنسان مريدًا للبكاء؛ كالصبيِّ يَفزَعُ لأمه، فقال: جَهَشتُ، وأجهشتُ: لغتان، وقال أبو زيد: جَهَشتُ للبكاء والحُزنِ والشوقِ جُهُوشًا.

وفي هذا الحديث: دليلٌ على جواز تخصيصِ العموم بالمصلحةِ المشهودِ لها بالاعتبار، وقد اختلَفَ فيه الأصوليُّون، وفيه: عَرضُ المصالح على الإمام وإن لم يستَدعِ ذلك، وفيه أبوابٌ لا تخفى.

و(قوله في حديث معاذ: مَا مِن عَبدٍ يَشهَدُ أَن لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلَاّ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّار) هكذا وقع هذا الحديث في كتاب مسلم عن جميع رواته فيما عَلِمتُهُ، وقد زاد البخاريُّ فيه: صِدقًا مِن قَلبِهِ، وهي زيادةٌ حسنةٌ تنُصُّ على صحَّةِ ما تضمَّنَتهُ الترجمة المتقدِّمة، وعلى فساد مذهب المرجئة؛ كما قد قدَّمناه.

ومعنى صدق القلب: تصديقُهُ الجازمُ بحيث لا يخطُرُ له نقيضُ ما صدَّق به، وذلك إمَّا عن برهان، فيكونُ عِلمًا، أو عن غيره، فيكونُ اعتقادًا جَزمًا. ويجوز: أن يحرِّم اللهُ مَن مات على الشهادتين على النار مطلقًا، ومَن دخلَ النارَ مِن أهل الشهادتين بكبائرِهِ، حرَّم على النارِ جميعَهُ أو بعضَهُ؛ كما قال في الحديث الآخر: فَيحَرَّمُ صُوَرُهُم على النارِ (1)، وقال: حرَّم اللهُ على النار أن تَأكُلَ أَثَرَ

(1) رواه البخاري (7439).

ص: 208

قَالَ: يَا رسولَ الله، أَفَلَا أُخبِرُ بِهَا النَّاسَ فَيَستَبشِرُوا؟ قَالَ: إِذَن يَتَّكِلُوا؛ فَأَخبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِندَ مَوتِهِ تَأَثُّمًا.

رواه البخاري (128)، ومسلم (32).

* * *

ــ

السجود (1). ويجوز أن يكون معناه: إنَّ الله يحرِّمه على نارِ الكفَّار التي تُنضِجُ جلودَهُم، ثمَّ تُبَدَّل بعد ذلك؛ كما قال تعالى:{كُلَّمَا نَضِجَت جُلُودُهُم بَدَّلنَاهُم جُلُودًا غَيرَهَا} الآية.

وقد قال صلى الله عليه وسلم: أمَّا أهلُ النار الذين هُم أهلُهَا، فإنَّهم لا يموتون فيها ولا يَحيَونَ، ولكن ناسا أصابتهم النارُ بذنوبهم، فأماتَهُم اللهُ إماتةً، حتى إذا كانوا فَحَمًا، أُذِنَ لهم في الشفاعة .. (2) الحديثَ، وسيأتي.

و(قوله: فَأَخبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِندَ مَوتِهِ تَأَثُّمًا) أي: تحرُّجًا من الإثم، وخوفًا منه؛ قال الهرويُّ وغيره. وتَفَعَّل كثيرًا ما يأتي لإلقاء الرَّجُل الشيءَ عن نفسه، وإزالتِهِ عنه؛ يقال: تحنَّت، وتحرَّج، وتحوَّب: إذا ألقَى عن نفسه ذلك، ومنه: فلانٌ يَتهجَّدُ، أي: يُلقِي الهُجُودَ عن نفسه، ومنه: امرأةٌ قَذُوّرٌ: إذا كانت تتَجَنَّبُ الأقذارَ؛ حكاه الثعالبيُّ.

* * *

(1) رواه البخاري (6573)، ومسلم (182).

(2)

سيأتي برقم (

).

ص: 209