المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(34) باب من لا يكلمه الله يوم القيامة ولا ينظر إليه - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم - جـ ١

[أبو العباس القرطبي]

فهرس الكتاب

- ‌الفهرس الألفبائي للكتب الواردة في تلخيص مسلم والمفهم

- ‌كلمة الناشر

- ‌(1) مقدمة التحقيق

- ‌(2) توثيق التلخيص والمفهم ومنهج المؤلف فيهما

- ‌أولًا - التوثيق:

- ‌ثانيًا - المنهج والأسلوب:

- ‌(3) فوائد إخراج كتاب "المفهم

- ‌ مكانته في شرح صحيح مسلم:

- ‌ أهميته في شرح غريب الأحاديث:

- ‌ تفرّده في تدوين فوائد الأحاديث:

- ‌ أسبقيته في حل الأحاديث المشكلة:

- ‌ إنصافه في عَرْض الآراء المذهبية:

- ‌ لماذا هذه الطبعة؟ وما فائدتها

- ‌(4) وصف النسخ الخطية المعتمدة وخطة التحقيق

- ‌أولًا - نسخ التلخيص:

- ‌ثانيًا - نُسَخ المفهم:

- ‌ثالثًا - خطة تحقيق كتاب "المفهم

- ‌(5) ترجمة المؤلف

- ‌1 - نسبُه ونشأته:

- ‌2 - عالم الإسكندرية:

- ‌3 - الفقيه المُحدِّث:

- ‌ مواقفه وآراؤه:

- ‌5 - شيوخه وتلاميذه:

- ‌6 - كتبه:

- ‌7 - وفاته:

- ‌صور النسخ المخطوطة

- ‌مقدمة كتاب المفهم

- ‌ مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم

- ‌(1) بابُ ما تضمَّنتهُ خُطبَةُ الكتابِ وصدرُهُ من المعاني والغريب

- ‌(2) بَابُ

- ‌(3) بَابُالنَّهيِ عَن أَن يُحَدِّثَ مُحَدِّثٌ بِكُلِّ مَا سَمِعَ

- ‌(4) بَابُالتَّحذِيرِ مِنَ الكَذَّابِينَ

- ‌(5) بَابالإِسنَادِ مِنَ الدِّينِ

- ‌(6) بَابُ الأَمرِ بِتَنزِيلِ النَّاسِ مَنَازِلَهُم وَوُجُوبِ الكَشفِ عَمَّن لَهُ عَيبٌ مِن رُوَاةِ الحَدِيثِ

- ‌(1) كِتَابُ الإِيمَانِ

- ‌(1) بَابُ مَعَانِي الإِيمَانِ وَالإِسلَامِ وَالإِحسَانِ شَرعًا

- ‌(2) بَابُ وُجُوبِ التِزَامِ شَرَائِعِ الإِسلَامِ

- ‌(3) بَابُ مَنِ اقتَصَرَ عَلَى فِعلِ مَا وَجَبَ عَلَيهِ وَانتَهَى عَمَّا حُرِّمَ عَلَيهِ دَخَلَ الجَنَّةَ

- ‌(4) بَابُ مَبَانِي الإِسلَامِ

- ‌(5) بَابُ إِطلَاقِ اسمِ الإِيمَانِ عَلَى مَا جَعَلَهُ فِي حَدِيثِ جِبرِيلَ إِسلَامًا

- ‌(6) بَابُ أَوَّلِ مَا يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِينَ

- ‌(7) بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ إِلَى أَن يُوَحِّدُوا الله وَيَلتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ

- ‌(8) بَابٌ فِي قَولِهِ تَعَالَى: إِنَّكَ لَا تَهدِي مَن أَحبَبتَ

- ‌(9) بَابُ مَن لَقِيَ اللهَ تَعَالَى عَالِمًا بِهِ، دَخَلَ الجَنَّةَ

- ‌(10) بَابُ حَقِّ الله تعالى عَلَى العِبَادِ

- ‌(11) بَابٌ لَا يَكفِي مُجَرَّدُ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَينِ، بَل لَا بُدَّ مِنِ استِيقَانِ القَلبِ

- ‌(12) بَابُ مَن يَذُوقُ طَعمَ الإِيمَانِ وَحَلَاوَتَهُ

- ‌(13) بَابٌ الإِيمَانُ شُعَبٌ، وَالحَيَاءُ شُعبَةٌ مِنهَا

- ‌(14) بَابُ الاِستِقَامَةِ فِي الإِسلَامِ، وَأَيُّ خِصَالِهِ خَيرٌ

- ‌(15) بَابٌ لَا يَصِحُّ الإِيمَانُ حَتَّى تَكُونَ مَحَبَّةُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم رَاجِحَةً عَلَى كُلِّ مَحبُوبٍ مِنَ الخَلقِ

- ‌(16) بَابٌ حُسنُ الجِوَارِ وَإِكرَامُ الضَّيفِ مِنَ الإِيمَانِ

- ‌(17) بَابٌ تَغيِيرُ المُنكَرِ مِنَ الإِيمَانِ

- ‌(18) بَابٌ الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالحِكمَةُ يَمَانِيَةٌ

- ‌(19) بَابٌ المَحَبَّةُ فِي اللهِ تَعَالَى وَالنُّصحُ مِنَ الإِيمَانِ

- ‌(20) بَابٌ لَا يَزنِي الزَّانِي حِينَ يَزنِي وهو كَامِلُ الإِيمَانِ

- ‌(21) بَابُ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ

- ‌(22) بَابُ إِثمِ مَن كَفَّرَ مُسلِمًا أو كَفَرَ حَقَّهُ

- ‌(23) بَابٌ نِسبَةُ الاِختِرَاعِ لِغَيرِ اللهِ حَقِيقَةً كُفرٌ

- ‌(24) بَابٌ حُبُّ عَلِيٍّ وَالأَنصَارِ آيَةُ الإيمَانِ، وَبُغضُهُم آيَةُ النِّفَاقِ

- ‌(25) بَابُ كُفرَانِ العَشِيرِ، وَكُفرٍ دُونَ كُفرٍ

- ‌(26) بَابُ تَركُ الصَّلَاةِ جَحدًا أو تَسفِيهًا لِلأَمرِ كُفرٌ

- ‌(27) بَابٌ الإِيمَانُ بِاللهِ أَفضَلُ الأَعمَالِ

- ‌(28) بَابٌ أيُّ الأَعمَالِ أَفضَلُ بَعدَ الإِيمَانِ

- ‌(29) بَابُ أَيُّ الذَّنبِ أَعظَمُ؟ وَذِكرِ الكَبَائِرِ

- ‌(30) بَابٌ لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ مَن فِي قَلبِهِ كِبرٌ

- ‌(31) بَابٌ رُكُوبُ الكَبَائِرِ غَيرُ مُخرِجٍ للمُؤمِنَ مِن إِيمَانِهِ

- ‌(32) بَابٌ يُكتَفَى بِظَاهِرِ الإِسلَامِ، وَلَا يُبقَّرُ عَمَّا فِي القُلُوبِ

- ‌(33) بَابٌ مَن تَبَرَّأَ مِنهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم

- ‌(34) بَابٌ مَن لَا يُكَلِّمُهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ وَلَا يَنظُرُ إِلَيهِ

- ‌(35) بَابٌ مَن قَتَلَ نَفسَهُ بِشَيءٍ عُذِّبَ بِهِ

- ‌(36) بَابُ لَا يُغتَرُّ بِعَمَلِ عَامِلٍ حَتَّى يُنظَرَ بِمَا يُختَمُ لَهُ

- ‌(37) بَابٌ قَتلُ الإِنسَانِ نَفسَهُ لَيسَ بِكُفرٍ

- ‌(38) بَابُ مَا يُخَافُ مِن سُرعَةِ سَلبِ الإِيمَانِ

- ‌(39) بَابٌ الإسلَامُ إِذَا حَسُنَ، هَدَمَ مَا قَبلَهُ مِنَ الآثَامِ، وَأَحرَزَ مَا قَبلَهُ مِنَ البِرِّ

- ‌(40) بَابُ ظُلمٍ دُونَ ظُلمٍ

- ‌(41) بَابٌ فِي قَولِهِ عز وجل: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرضِ إلَى آخِرِ السُّورَةِ

- ‌(42) بَابُ مَا يَهُمُّ بِهِ العَبدُ مِنَ الحَسَنَةِ وَالسَّيِّئَةِ

- ‌(43) بَابُ استِعظَامُ الوَسوَسَةِ وَالنُّفرَةُ مِنهَا خَالِصُ الإِيمَانِ وَالأَمرِ بِالاِستِعَاذَةِ عِندَ وُقُوعِهَا

- ‌(44) بَاب إِثمِ مَنِ اقتَطَعَ حَقَّ امرِئٍ بِيَمِينِهِ

- ‌(45) بَابُ مَن قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فهو شَهِيدٌ

- ‌(46) بَابُ مَنِ استُرعِيَ رَعِيَّةً، فَلَم يَجتَهِد، وَلَم يَنصَح لَهُم لَم يَدخُلِ الجَنَّةَ، وَمَن نَمَّ الحَدِيثَ لَم يَدخُلِ الجَنَّةَ

- ‌(47) بَابٌ فِي رَفعِ الأَمَانَةِ وَالإِيمَانِ مِنَ القُلُوبِ، وَعَرضِ الفِتَنِ عَلَيهَا

- ‌(48) باب كيف بدأ الإسلام وكيف يعود

- ‌(49) باب إعطاء من يخاف على إيمانه

- ‌(50) باب مضاعفة أجر الكتابي إذا آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وشدة عذابه إذا لم يؤمن

- ‌(51) باب ما جاء في نزول عيسى ابن مريم وما ينزل به

- ‌(52) باب في قوله تعالى: يَومَ يَأتِي بَعضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفسًا إِيمَانُهَا الآية

- ‌(53) باب كيف كان ابتداء الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وانتهاؤه

- ‌(54) باب في شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم في صغره واستخراج حظ الشيطان من قلبه

- ‌(55) باب في شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم ثانية، وتطهير قلبه، وحشوه حكمة وإيمانًا عند الإسراء

- ‌(56) باب ما خَصَّ الله به محمدًا نبينا صلى الله عليه وسلم من كرامة الإسراء

- ‌(57) باب رؤية النبي صلى الله عليه وسلم للأنبياء، ووصفه لهم وصلاتهم وذكر الدجال

- ‌(58) باب هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه

- ‌(59) باب ما جاء في رؤية الله تعالى في الدار الآخرة

- ‌(60) باب ما خُصَّ به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من الشفاعة العامة لأهل المحشر

- ‌(61) باب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لمن أدخل النار من الموحدين

- ‌(62) باب شفاعة الملائكة والنبيين والمؤمنين

- ‌(63) باب كيفية عذاب من يعذب من الموحدين وكيفية خروجهم من النار

- ‌(64) باب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر الأنبياء أتباعًا وأولهم تفتح له الجنة، وأولهم شفاعة، واختباء دعوته شفاعة لأمته

- ‌(65) باب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لعمه في التخفيف عنه

- ‌(66) باب من لم يؤمن لم ينفعه عمل صالح ولا قربة في الآخرة

- ‌(67) باب يدخل الجنة من أمة النبي صلى الله عليه وسلم سبعون ألفًا بغير حساب

- ‌(68) باب أمة محمد صلى الله عليه وسلم شطر أهل الجنة

- ‌(2) كتاب الطهارة

- ‌(1) باب فضل الطهارة وشرطها في الصلاة

- ‌(2) باب في صفة الوضوء

- ‌(3) باب فضل تحسين الوضوء والمحافظة على الصلوات

- ‌(4) باب ما يقال بعد الوضوء

- ‌(5) باب توعد من لم يُسبِغ، وغسله ما ترك، وإعادته الصلاة

- ‌(6) باب الغرة والتحجيل من الإسباغ وأين تبلغ الحلية وفضل الإسباغ على المكاره

- ‌(7) باب السواك عند كل صلاة والتيمن في الطهور

- ‌(8) باب خصال الفطرة والتوقيت فيها

- ‌(9) باب ما يُستَنجَى به والنهي عن الاستنجاء باليمين

- ‌(10) باب ما جاء في استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط والنهي عن التخلي في الطرق والظلال

- ‌(11) باب ما جاء في البول قائمًا

- ‌(12) باب المسح على الخفين والتوقيت فيه

- ‌(13) باب المسح على الناصية والعمامة والخمار

- ‌(14) باب فعل الصلوات بوضوء واحد، وغسل اليدين عند القيام من النوم، وأن النوم ليس بحدث

- ‌(15) باب إذا ولغ الكلب في الإناء أريق الماء، وغسل الإناء سبع مرات

- ‌(16) باب النهي أن يبال في الماء الراكد وصب الماء على البول في المسجد

- ‌(17) باب نضح بول الرضيع

- ‌(18) باب غَسلِ المَنِيّ مِنَ الثَّوبِ وغسلِ دَمِ الحَيضِ

- ‌(19) باب في الاستبراء من البول والتستر وما يقول إذا دخل الخلاء

- ‌(20) باب ما يحل من الحائض

- ‌(21) باب في الوضوء من المذي وغسل الذكر منه

- ‌(22) باب وضوء الجنب إذا أراد النوم أو معاودة أهله

- ‌(23) باب وجوب الغسل على المرأة إذا رأت في المنام مثل ما يرى الرجل

- ‌(24) باب الولد من ماء الرجل وماء المرأة

- ‌(25) باب في صفة غسله عليه الصلاة والسلام من الجنابة

- ‌(26) باب قدر الماء الذي يُغتَسَل به ويُتَوَضَّأُ به واغتسال الرجل وامرأته من إناء واحد، واغتساله بفضلها

- ‌(27) باب كم يُصَبُّ على الرأس، والتخفيف في ترك نقض الضفر

- ‌(28) باب صفة غسل المرأة من الحيض

- ‌(29) باب في الفرق بين دم الحيض والاستحاضة وغسل المستحاضة

- ‌(30) باب لا تقضي الحائض الصلاة

- ‌(31) باب سترة المغتسل والنهي عن النظر إلى العورة

- ‌(32) باب ما يستتر به لقضاء الحاجة

- ‌(33) باب ما جاء في الرجل يطأ ثم لا يُنزِلُ

- ‌(34) باب الأمر بالوضوء مما مست النار ونسخه

- ‌(35) باب الوضوء من لحوم الإبل والمضمضة من اللبن

- ‌(36) باب في الذي يخيل إليه أنه خرج منه حدث

- ‌(37) باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت

- ‌(38) باب ما جاء في التيمم

- ‌(39) باب تيمم الجنب والتيمم لرد السلام

- ‌(40) باب المؤمن لا ينجس، وذكر الله تعالى على كل حال، وما يتوضأ له

الفصل: ‌(34) باب من لا يكلمه الله يوم القيامة ولا ينظر إليه

رواه البخاري (1296)، ومسلم (104)، وأبو داود (3130)، والنسائي (4/ 20)، وابن ماجه (1586).

* * *

(34) بَابٌ مَن لَا يُكَلِّمُهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ وَلَا يَنظُرُ إِلَيهِ

[82]

عَن أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَومَ

ــ

الشيء، والبينونةُ منه؛ ومنه: البراءةُ من العُيُوبِ والدَّين. وَيَحتمل أن يريد به: أنَّه متبرِّئٌ من تصويبِ فِعلِهِم هذا، أو مِنَ العهدةِ اللازمةِ له في التبليغ. وحَلَقَ، أي: شَعرَهُ عند المصيبة. وسَلَقَ، أي: رفَعَ صوتَهُ بها، ويقال بالسين والصاد؛ ومنه قوله تعالى: سَلَقُوكُم بِأَلسِنَةٍ حِدَادٍ؛ ومنه قولهم: خَطِيبٌ سلَاق، وقال أبو زيد: السَّلقُ: الوَلوَلَةُ بصوتٍ شديد. وذُكِرَ عن ابن الأعرابي: أنَّه ضَربُ الوجه. والأوَّلُ: أصحُّ وأعرف (1).

(34)

وَمِن بَابِ: مَن لَا يُكَلِّمُهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ

(قوله: لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ) أي: بكلامِ مَن يرضى عنه. ويجوز: أن يكلِّمهم بما يكلِّمُ به مَن سَخِطَ عليه؛ كما جاء في كتاب البخاري: يَقُولُ اللهُ لِمَانِعِ المَاءِ: اليَومَ أَمنَعُكَ فَضلِي؛ كَمَا مَنَعتَ فَضلَ مَا لَم تَعمَل يَدَاكَ (2)، وقد حكى الله تعالى أنَّه يقولُ للكافرين: اخسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ. وقيل: معناه: لا يكلِّمهم بغير واسطة؛ استهانةً بهم. وقيل: معنى ذلك: الإعراضُ عنهم، والغضَبُ عليهم.

(1) ساقط من (ع).

(2)

رواه البخاري (2369) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

ص: 302

القِيَامَةِ، وَلَا يَنظُرُ إِلَيهِم، وَلَا يُزَكِّيهِم، وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ، قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثَلَاثَ مِرَارٍ، فقَالَ أبو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا! مَن هُم يَا رسولَ الله؟ قَالَ: المُسبِلُ، وَالمَنَّانُ، وَالمُنَفِّقُ سِلعَتَهُ بِالحَلِفِ الكَاذِبِ.

وفِي رِوَايَةٍ: المُسبِلُ إِزَارَهُ.

رواه مسلم (106)، وأبو داود (4087) و (4088)، والترمذي (1211)، والنسائي (7/ 245)، وابن ماجه (2208).

ــ

ونَظَرُ الله تعالى إلى عباده: رحمتُهُ لهم، وعطفُهُ عليهم، وإحسانُهُ إليهم، وهذا النظَرُ هو المنفيُّ في هذا الحديث.

و(قوله: وَلَا يُزَكِّيهِم) قال الزجَّاج: لا يُثنِي عليهم، ومن لم يُثنِ عليه عذَّبه، وقيل: لا يُطَهِّرهم مِن خُبثِ أعمالهم؛ لعظيمِ جُرمهم. والعذاب الأليم: الشديدُ الألمِ المُوجِعُ.

و(قوله: المُسبِلُ إِزَارَهُ) أي: الجارُّهُ خُيَلَاءَ؛ كما جاء في الحديث الآخر مقيَّدًا مفسَّرًا. والخُيَلَاء: الكِبرُ والعُجب. ويَدُلُّ هذا الحديثُ بمفهومه: على أنَّ مَن جَرَّ ثوبه على غير وجه الخيلاء، لم يَدخُل في هذا الوعيد؛ ولمَّا سَمِعَ أبو بكر هذا الحديثَ، قال: يا رسولَ الله، إنَّ جَانِبَ إزاري يسترخي، فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لَستَ مِنهُم يَا أَبَا بَكرٍ (1)؛ خرَّجه البخاري.

وحُكمُ الإزارِ والرداءِ والثوبِ في ذلك سواءٌ؛ وقد روى أبو داود مِن حديثِ ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: الإسبَالُ في الإِزَارِ وَالقَمِيصِ وَالعِمَامَةِ؛ فَمَن جَرَّ مِنهَا خُيَلَاءَ، لَم يَنظُرِ اللهُ إِلَيهِ يَومَ القِيَامَةِ (2)، وفي طريقٍ أخرى قال ابن عمر: ما قاله رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في الإزارِ، فهو في القَمِيصِ (3).

(1) رواه البخاري (6062) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

(2)

رواه أبو داود (4094).

(3)

رواه أبو داود (4095).

ص: 303

[83]

وعَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ

ــ

قال المؤلف رحمه الله: وقد بيَّن النبيُّ صلى الله عليه وسلم الحدَّ الأحسَنَ والجائزَ في الإزار الذي لا يجوزُ تعدِّيه؛ فقال فيما رواه أبو داود، والنَّسَائي من حديثِ أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ: أُزرَةُ المُؤمِنِ إِلَى أَنصَافِ سَاقَيهِ، لَا جُنَاحَ عَلَيهِ فِيمَا بَينَهُ وَبَينَ الكَعبَينِ، مَا أَسفَلَ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ (1).

والمَنَّان: فَعَّالٌ من المَنِّ، وقد فسَّره في الحديث، فقال: هو الَّذِي لَا يُعطِي شَيئًا إِلَاّ منَّة؛ أي: إلا امتَنَّ به على المُعطَى له، ولا شَكَّ في أنَّ الامتنانَ بالعطاء، مبطلٌ لأجرِ الصدقةِ والعطاء، مُؤذٍ للمُعطَى له؛ ولذلك قال تعالى: لَا تُبطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالمَنِّ وَالأَذَى.

وإنَّما كان المَنُّ كذلك؛ لأنَّه لا يكونُ غالبًا إلا عن البُخلِ، والعُجبِ، والكِبر، ونسيانِ مِنَّةِ الله تعالى فيما أنعَمَ به عليه؛ فالبخيلُ: يعظِّمُ في نفسه العَطِيَّةَ، وإن كانت حقيرةً في نفسها، والعُجبُ: يحمله على النظرِ لنفسه بعين العَظَمة، وأنَّه مُنعِمٌ بمالِهِ على المعطَى له، ومتفضِّلٌ عليه، وإنَّ له عليه حَقًّا يجبُ عليه مراعاتُهُ، والكِبرُ: يحمله على أن يحتقر المُعطَى له، وإن كان في نفسه فاضلاً، ومُوجِبُ ذلك كلِّه الجهلُ، ونِسيانُ مِنَّةِ الله تعالى فيما أنعَمَ به عليه؛ إذ قد أنعَمَ عليه مما يُعطِي، ولم يَحرِمهُ ذلك، وجعله ممَّن يُعطِي، ولم يجعلهُ ممَّن يَسأَل، ولو نظَرَ ببصيرة (2) لعَلِمَ أنَّ المِنَّةَ للآخذ؛ لِمَا يُزِيلُ عن المعطي مِن إثمِ المنعِ وذَمِّ المانع، ومن الذنوب، ولِمَا يحصُلُ له من الأجرِ الجزيل، والثناءِ الجميل، ولبسط هذا موضعٌ آخر.

وقيل: المَنَّانُ في هذا الحديث: هو مِنَ المَنِّ الذي هو القَطع؛ كما قال الله تعالى: لَهُم أَجرٌ غَيرُ مَمنُونٍ أي: غَيرُ مقطوع؛ فيكونُ معناه: البخيلَ بقطعِهِ عطاءَ ما يجبُ عليه للمستَحِقِّ؛ كما قد جاء

(1) رواه أبو داود (4093)، والنسائي في السنن الكبرى (9715).

(2)

في (م) و (ط) و (ع): ببصره، والمثبت من (ل).

ص: 304

اللهُ يَومَ القِيَامَةِ، وَلا يُزَكِّيهِم، وَلا يَنظُرُ إِلَيهِم، وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُستَكبِرٌ.

رواه أحمد (2/ 433)، ومسلم (107)، والنسائى (6/ 86)، وابن ماجه (2208).

ــ

في حديثٍ آخر: البَخِيلُ المَنَّانُ (1)، فنَعَتَهُ به، والتأويلُ الأوَّل أظهر.

و(قوله: شَيخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُستَكبِرٌ) العائلُ: الفقير، والمُعِيلُ (2): الكثيرُ العِيَال؛ يقال: عال الرجلُ فهو عائلٌ: إذا افتقَرَ، والعَيلَةُ: الفقر، وأعالَ فهو مُعِيلٌ: إذا كَثُرَ عياله. وإنما غلَّظ العقابَ على هؤلاءِ الثلاثة؛ لأنَّ الحاملَ لهم على تلك المعاصي مَحضُ المعاندة، واستخفافُ أمرِ تلك المعاصي التي اقتحموها؛ إذ لم يَحمِلهم على ذلك حاملٌ حَاجِيٌّ، ولا دعتهم إليها ضرورةٌ كما يدعو مَن لم يكن مثلهم.

وبيانُ ذلك: أنَّ الشَّيخَ لا حاجةَ ولا داعية له تدعوه إلى الزنى؛ لضعفِ داعيةِ النكاحِ في حقِّه، ولكمالِ عَقلِه، ولقربِ أجله؛ إذ قد انتهى إلى طَرَفِ عمره. ونحو من ذلك المَلِكُ الكَذَّابُ؛ إذ لا حاجةَ له إلى الكذب؛ فإنه يمكنه أن يُمَشِّيَ أغراضَهُ بالصِّدق، فإن خاف من الصدق مفسدةً، وَرَّى.

وأما العَائِلُ المُستَكبِرُ: فاستحقَّ ذلك؛ لغلبة الكِبرِ على نفسه؛ إذ لا سببَ له مِن خارجٍ يحملُهُ على الكبر؛ فإنَّ الكِبرَ غالبًا إنما يكونُ بالمالِ والخَوَلِ (3) والجاه، وهو قد عَدِمَ ذلك كلَّه؛ فلا مُوجِبَ له إلا غلبةُ الكِبرِ على نفسه، وقِلَّةُ مبالاتِهِ بتحريمِهِ وتوعيدِ الشرعِ عليه، مع أنَّ اللائقَ به والمناسبَ لحالِهِ الرقة والتواضُعُ؛ لفقره وعجزه.

(1) رواه أحمد (5/ 151، 152، 176) من حديث أبي ذر رضي الله عنه.

(2)

ساقط من (ع).

(3)

"الخول": الخدم.

ص: 305

[84]

وَعَنهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ، وَلَا يَنظُرُ إِلَيهِم، وَلَا يُزَكِّيهِم، وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضلِ مَاءٍ بِالفَلَاةِ يَمنَعُهُ ابنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلاً سِلعَةً بَعدَ العَصرِ

ــ

و(قوله: ورَجُلٌ عَلَى فَضلِ مَاءٍ بِالفَلَاةِ يَمنَعُهُ مِنِ ابنِ السَّبِيلِ) يعني بفَضلِ المَاءِ: ما فضَلَ عن كفاية السابق للماءِ وأَخذِ حاجتِهِ منه؛ فمَن كان كذلك فمنَعَ ما زاد على ذلك تعلَّق به هذا الوعيد.

وابنُ السَّبِيل: هو المسافر، والسبيلُ: الطريق، وسمِّي المسافرُ بذلك؛ لأنَّ الطريقَ تُبرِزه وتُظهِره، فكأنَّها وَلَدَتهُ، وقيل: سمِّي بذلك؛ لملازمتِهِ إياه، كما يقالُ في الغراب: ابنُ دَأيَة؛ لملازمتِهِ دَأيَةَ البعيرِ الدَّبِرِ لِيَنقُرَهَا (1).

والفَلَاةُ: القَفر، وهذا هو الماءُ الذي قد نَهَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن منعه بقوله: لَا يُمنَعُ فَضلُ المَاءِ لِيُمنَعَ بِهِ الكَلَأُ (2)، وسيأتي الكلامُ عليه. وقد أجمَعَ المسلمون على تحريمِ ذلك؛ لأنَّه منَعَ ما لا حَقَّ له فيه مِن مستَحِقِّهِ، وربَّما أتلفَهُ أو أتلَفَ مالَهُ وبهائمه، فلو منعَهُ هذا الماءَ حتَّى مات عطشًا قِيدَ منه عند مالك؛ لأنَّه قتلَهُ، كما لو قتلَهُ بالجُوعِ أو بالسلاح.

و(قوله: وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلاً سِلعَةً) رويناه سِلعَةً بغير باء، ورويناه بالباء؛ فعلى الباء: بايَعَ بمعنى ساوَمَ؛ كما جاء في الرواية الأخرى: ساوَمَ، مكان بايَعَ، وتكونُ الباء بمعنى عن؛ كما قال الشاعر:

فَإِن تَسأَلُونِي بالنِّسَاءِ فَإِنَّنِي

بَصِيرٌ بِأَدوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ

(1)"البعير الدَّبِر": هو الذي تقرّحت دأيته. والدأية من البعير: هو الموضع الذي تقع عليه ظَلِفَةُ الرّحل فيعقره.

(2)

رواه البخاري (2353)، ومسلم (1566)، وأبو داود (3473)، والترمذي (1272)، وابن ماجه (2428) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

ص: 306

فَحَلَفَ لَهُ بِاللهِ، لَأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ، وهو عَلَى غَيرِ ذَلِكَ،

ــ

أي: عن النِّسَاء. وعلى إسقاطها: يكون معنى بايع: باع؛ فيتعدَّى بنفسه، وسِلعةً: مفعولٌ.

و(قوله: فَحَلَفَ لَهُ بِاللهِ، لَأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا) يعني: أنَّه كذَبَ فزاد في الثَّمَنِ الذي به اشتَرَى؛ فكَذَبَ واستخَفَّ باسمِ الله تعالى حين حَلَفَ به على الكذب، وأخَذَ مالَ غيرِهِ ظُلمًا؛ فقد جمع بين كبائر، فاستَحَقَّ هذا الوعيدَ الشديد. وتخصيصُهُ بما بَعدَ العَصر، يَدُلُّ على نَّ لهذا الوقتِ من الفضلِ والحُرمةِ ما ليس لغيره مِن ساعات اليوم.

قال المؤلف رحمه الله: ويظهرُ لي أن يقال: إنما كان ذلك؛ لأنَّه عَقِبَ الصلاةِ الوُسطَى - كما يأتي النصُّ عليه - ولمَّا كانت هذه الصلاةُ لها مِنَ الفضلِ وعظيمِ القَدرِ أكثَرُ مما لغيرها، فينبغي لمصلِّيها أن يَظهَرَ عليه عَقبهَا من التحفُّظِ على دينه، والتحرُّزِ على إيمانِهِ أكثَرُ مما ينبغي له عَقبَ غيرها؛ لأنَّ الصلاةَ حَقُّهَا أن تَنهَى عن الفحشاء والمنكر؛ كما قال الله تعالى: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنهَى عَنِ الفَحشَاءِ وَالمُنكَرِ، أي: تَحمِلُ على الامتناعِ عن ذلك، مما يحدُثُ في قلب المصلِّي بسببها من النُّورِ والانشراح، والخوفِ من الله تعالى والحياءِ منه؛ ولهذا أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: مَن لم تَنهَهُ صلاتُهُ عن الفحشاءِ والمُنكَرِ، لم يَزدَد مِنَ اللهِ إلا بُعدًا (1)، وإذا كان هذا في الصلواتِ كلِّها، كانتِ الوسطى بذلك أولَى، وحقُّها في ذلك أكثرَ وأوفَى؛ فمَنِ اجترَأَ بعدها على اليمينِ الغَمُوسِ التي يأكُلُ بها مالَ الغير، كان إثمُهُ أشدَّ وقلبُهُ أَفسَدَ، والله تعالى أعلم.

وهذا الذي ظهَرَ لي أَولَى مما قاله القاضي (2) أبو الفَضل؛ فإنَّه قال: إنَّما كان

(1) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (2/ 258): رواه الطبراني في الكبير -وفيه ليث بن أبي سليم وهو ثقة، ولكنه مدلس- من حديث ابن عباس. ورواه أيضًا من حديث ابن مسعود، ورجاله رجال الصحيح.

(2)

من (ع).

ص: 307

وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لا يُبَايِعُهُ إِلَاّ لِدُنيَا؛

ــ

ذلك لاجتماعِ ملائكةِ الليلِ وملائكةِ النهار في ذلك الوَقتِ؛ لوجهَين:

أحدهما: لأنَّ هذا المعنى موجودٌ في صلاة الفجر؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: يَتَعَاقَبُونَ فِيكُم مَلَائِكَةٌ بِاللَّيلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، ثُمَّ يَجتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ العَصرِ وَصَلَاةِ الفَجرِ (1)؛ وعلى هذا فتبطُلُ خصوصيَّةُ العصر؛ لمساواةِ الفجرِ لها في ذلك.

وثانيهما: أنَّ حضورَ الملائكةِ واجتماعَهُم إنما هو في حالِ فعل هاتَينِ الصلاتين لا بعدهما؛ كما قد نَصَّ عليه في الحديثِ حين قال: يَجتَمِعُونَ في صلاةِ الفَجرِ وصَلَاةِ العَصرِ (1)، وتقولِ الملائكةِ: أتيناهُم وهم يُصَلُّونَ (1)، وتَرَكنَاهُم وَهُم يُصَلُّونَ، وهذا يدلُّ دلالةً واضحةً على أنَّ هؤلاءِ الملائكةَ لا يشاهدون من أعمالِ العبادِ إلا الصلواتِ فَقَط، وبها يَشهَدون. فتدبَّر ما ذكرتُهُ؛ فإنَّه الأنسَب الأسلَمُ، والله أعلم.

و(قوله: وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَاّ لِدُنيَا) إنَّما استَحَقَّ هذا الوعيدَ الشديدَ؛ لأنَّه لم يَقُم لله تعالى بما وجَبَ عليه مِنَ البَيعةِ الدينيَّة، فإنَّها من العباداتِ التي تجبُ فيها النيَّةُ والإخلاص، فإذا فَعَلَهَا لغيرِ اللهِ تعالى مِن دنيا يَقصِدها، أو غَرَضٍ عاجلٍ يقصده، بَقِيَت عهدتُهَا عليه؛ لأنَّه منافقٌ مُرَاءٍ غَاشٌّ للإمامِ والمسلمين، غيرُ ناصحٍ في شيء من ذلك.

ومَن كان هذا حاله، كان مُثِيرًا للفتن بين المسلمين (2)؛ بحيثُ يَسفِكُ دماءَهُم، ويستبيحُ أموالهم، ويَهتِكُ بلادهم، ويَسعَى في إهلاكهم؛ لأنَّه إنما يكونُ مع مَن بلّغهُ إلى أغراضه، فيبايعُهُ لذلك ويَنصُرُهُ، ويغضَبُ له ويقاتلُ مخالفَهُ، فينشأ من ذلك تلك المفاسد.

وقد تكونُ هذه المخالفة في بعضِ أغراضه، فينكُثُ بيعتَه، ويطلُبُ هَلَكَتَه، كما هو حالُ أهل أكثر

(1) رواه البخاري (555)، ومسلم (632)، والنسائي (1/ 240 و 241).

(2)

في (ع): ومن كان هكذا يثير الفتن، وفي (ل) و (ط): ومن كان هكذا كان مثيرًا للفتن، والمثبت من (م).

ص: 308

فَإِن أَعطَاهُ مِنهَا وَفَى، وَإِن لَم يُعطِهِ مِنهَا لَم يَفِ.

وَفِي رِوَايَةٍ: سَاوَمَ رَجُلاً بِسِلعَةٍ.

رواه أحمد (2/ 253)، والبخاري (2358)، ومسلم (108)، وأبو داود (3474) و (3475)، والنسائي (7/ 247).

* * *

ــ

هذه الأزمان، فإنَّهم قد عمَّهم الغَدرُ والخِذلَان.

و(قوله: فَإِن أَعطَاهُ مِنهَا وَفَى، وَإِن لَم يُعطِهِ مِنهَا لَم يَفِ) هكذا الرواية وَفَى بتخفيفَ الفاء، ويَفِ محذوفَ الواو والياءِ مخفَّفًا، وهو الصحيحُ هنا روايةً ومعنًى؛ لأنَّه يقال: وَفَى بعهده يَفِي وَفَاءً، والوفاءُ ممدودٌ ضِدُّ الغدر، ويقال: أوفَى، بمعنى: وَفَى، وأما وَفَّى المشدَّدُ الفاءِ، فهي بمعنى توفيةِ الحَقِّ وإعطائِهِ؛ يقال: وفَّاه حَقَّهُ يُوَفِّيهِ تَوفِيَةً؛ ومنه قوله تعالى: وَإِبرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى، أي: قام بما كُلِّفَهُ مِنَ الأعمالِ؛ كخِصَالِ الفطرة وغيرها؛ كما قال الله تعالى: فَأَتَمَّهُنَّ، وحكى الجوهريُّ: أوفاه حقَّه.

قال المؤلف رحمه الله: وعلى هذا وعلى ما تقدَّم، فيكونُ أَوفَى بمعنى الوفاء بالعهد، وتوفيةِ الحق. والأصلُ في أَوفَى: أَطَلَّ على الشيء، وأشرَفَ عليه.

و(قوله: والمُنَفِّقُ سِلعَتَهُ بِالحَلِفِ الكَاذِب) الروايةُ في المُنَفِّق: بفتح النون وكسر الفاء مشدَّدة، وهي مضاعَفُ: نَفَقَ البِيعُ يَنفُقُ نَفَاقًا: إذا خرَجَ ونفَدَ، وهو ضدُّ كَسَدَ، غيرَ أنَّ نَفَقَ المخفَّفَ لازمٌ، فإذا شُدِّد، عُدِّي إلى المفعول، ومفعولُهُ هنا سِلعة. وقد وصَفَ الحَلِف وهي مؤنَّثة، بالكاذب وهو وصفُ مذكَّرٍ، وكأنَّه ذهب بالحلفِ مذهبَ القَول فذكَّره، أو مذهَبَ المصدر، وهو مِثلُ قولهم: أتاني كِتَابُهُ فَمَزَّقتُهَا؛ ذهب بالكتابِ مذهَبَ الصَّحِيفة، والله تعالى أعلم.

ص: 309