الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رواه البخاري (1296)، ومسلم (104)، وأبو داود (3130)، والنسائي (4/ 20)، وابن ماجه (1586).
* * *
(34) بَابٌ مَن لَا يُكَلِّمُهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ وَلَا يَنظُرُ إِلَيهِ
[82]
عَن أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَومَ
ــ
الشيء، والبينونةُ منه؛ ومنه: البراءةُ من العُيُوبِ والدَّين. وَيَحتمل أن يريد به: أنَّه متبرِّئٌ من تصويبِ فِعلِهِم هذا، أو مِنَ العهدةِ اللازمةِ له في التبليغ. وحَلَقَ، أي: شَعرَهُ عند المصيبة. وسَلَقَ، أي: رفَعَ صوتَهُ بها، ويقال بالسين والصاد؛ ومنه قوله تعالى: سَلَقُوكُم بِأَلسِنَةٍ حِدَادٍ؛ ومنه قولهم: خَطِيبٌ سلَاق، وقال أبو زيد: السَّلقُ: الوَلوَلَةُ بصوتٍ شديد. وذُكِرَ عن ابن الأعرابي: أنَّه ضَربُ الوجه. والأوَّلُ: أصحُّ وأعرف (1).
(34)
وَمِن بَابِ: مَن لَا يُكَلِّمُهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ
(قوله: لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ) أي: بكلامِ مَن يرضى عنه. ويجوز: أن يكلِّمهم بما يكلِّمُ به مَن سَخِطَ عليه؛ كما جاء في كتاب البخاري: يَقُولُ اللهُ لِمَانِعِ المَاءِ: اليَومَ أَمنَعُكَ فَضلِي؛ كَمَا مَنَعتَ فَضلَ مَا لَم تَعمَل يَدَاكَ (2)، وقد حكى الله تعالى أنَّه يقولُ للكافرين: اخسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ. وقيل: معناه: لا يكلِّمهم بغير واسطة؛ استهانةً بهم. وقيل: معنى ذلك: الإعراضُ عنهم، والغضَبُ عليهم.
(1) ساقط من (ع).
(2)
رواه البخاري (2369) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
القِيَامَةِ، وَلَا يَنظُرُ إِلَيهِم، وَلَا يُزَكِّيهِم، وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ، قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثَلَاثَ مِرَارٍ، فقَالَ أبو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا! مَن هُم يَا رسولَ الله؟ قَالَ: المُسبِلُ، وَالمَنَّانُ، وَالمُنَفِّقُ سِلعَتَهُ بِالحَلِفِ الكَاذِبِ.
وفِي رِوَايَةٍ: المُسبِلُ إِزَارَهُ.
رواه مسلم (106)، وأبو داود (4087) و (4088)، والترمذي (1211)، والنسائي (7/ 245)، وابن ماجه (2208).
ــ
ونَظَرُ الله تعالى إلى عباده: رحمتُهُ لهم، وعطفُهُ عليهم، وإحسانُهُ إليهم، وهذا النظَرُ هو المنفيُّ في هذا الحديث.
و(قوله: وَلَا يُزَكِّيهِم) قال الزجَّاج: لا يُثنِي عليهم، ومن لم يُثنِ عليه عذَّبه، وقيل: لا يُطَهِّرهم مِن خُبثِ أعمالهم؛ لعظيمِ جُرمهم. والعذاب الأليم: الشديدُ الألمِ المُوجِعُ.
و(قوله: المُسبِلُ إِزَارَهُ) أي: الجارُّهُ خُيَلَاءَ؛ كما جاء في الحديث الآخر مقيَّدًا مفسَّرًا. والخُيَلَاء: الكِبرُ والعُجب. ويَدُلُّ هذا الحديثُ بمفهومه: على أنَّ مَن جَرَّ ثوبه على غير وجه الخيلاء، لم يَدخُل في هذا الوعيد؛ ولمَّا سَمِعَ أبو بكر هذا الحديثَ، قال: يا رسولَ الله، إنَّ جَانِبَ إزاري يسترخي، فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لَستَ مِنهُم يَا أَبَا بَكرٍ (1)؛ خرَّجه البخاري.
وحُكمُ الإزارِ والرداءِ والثوبِ في ذلك سواءٌ؛ وقد روى أبو داود مِن حديثِ ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: الإسبَالُ في الإِزَارِ وَالقَمِيصِ وَالعِمَامَةِ؛ فَمَن جَرَّ مِنهَا خُيَلَاءَ، لَم يَنظُرِ اللهُ إِلَيهِ يَومَ القِيَامَةِ (2)، وفي طريقٍ أخرى قال ابن عمر: ما قاله رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في الإزارِ، فهو في القَمِيصِ (3).
(1) رواه البخاري (6062) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(2)
رواه أبو داود (4094).
(3)
رواه أبو داود (4095).
[83]
وعَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ
ــ
قال المؤلف رحمه الله: وقد بيَّن النبيُّ صلى الله عليه وسلم الحدَّ الأحسَنَ والجائزَ في الإزار الذي لا يجوزُ تعدِّيه؛ فقال فيما رواه أبو داود، والنَّسَائي من حديثِ أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ: أُزرَةُ المُؤمِنِ إِلَى أَنصَافِ سَاقَيهِ، لَا جُنَاحَ عَلَيهِ فِيمَا بَينَهُ وَبَينَ الكَعبَينِ، مَا أَسفَلَ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ (1).
والمَنَّان: فَعَّالٌ من المَنِّ، وقد فسَّره في الحديث، فقال: هو الَّذِي لَا يُعطِي شَيئًا إِلَاّ منَّة؛ أي: إلا امتَنَّ به على المُعطَى له، ولا شَكَّ في أنَّ الامتنانَ بالعطاء، مبطلٌ لأجرِ الصدقةِ والعطاء، مُؤذٍ للمُعطَى له؛ ولذلك قال تعالى: لَا تُبطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالمَنِّ وَالأَذَى.
وإنَّما كان المَنُّ كذلك؛ لأنَّه لا يكونُ غالبًا إلا عن البُخلِ، والعُجبِ، والكِبر، ونسيانِ مِنَّةِ الله تعالى فيما أنعَمَ به عليه؛ فالبخيلُ: يعظِّمُ في نفسه العَطِيَّةَ، وإن كانت حقيرةً في نفسها، والعُجبُ: يحمله على النظرِ لنفسه بعين العَظَمة، وأنَّه مُنعِمٌ بمالِهِ على المعطَى له، ومتفضِّلٌ عليه، وإنَّ له عليه حَقًّا يجبُ عليه مراعاتُهُ، والكِبرُ: يحمله على أن يحتقر المُعطَى له، وإن كان في نفسه فاضلاً، ومُوجِبُ ذلك كلِّه الجهلُ، ونِسيانُ مِنَّةِ الله تعالى فيما أنعَمَ به عليه؛ إذ قد أنعَمَ عليه مما يُعطِي، ولم يَحرِمهُ ذلك، وجعله ممَّن يُعطِي، ولم يجعلهُ ممَّن يَسأَل، ولو نظَرَ ببصيرة (2) لعَلِمَ أنَّ المِنَّةَ للآخذ؛ لِمَا يُزِيلُ عن المعطي مِن إثمِ المنعِ وذَمِّ المانع، ومن الذنوب، ولِمَا يحصُلُ له من الأجرِ الجزيل، والثناءِ الجميل، ولبسط هذا موضعٌ آخر.
وقيل: المَنَّانُ في هذا الحديث: هو مِنَ المَنِّ الذي هو القَطع؛ كما قال الله تعالى: لَهُم أَجرٌ غَيرُ مَمنُونٍ أي: غَيرُ مقطوع؛ فيكونُ معناه: البخيلَ بقطعِهِ عطاءَ ما يجبُ عليه للمستَحِقِّ؛ كما قد جاء
(1) رواه أبو داود (4093)، والنسائي في السنن الكبرى (9715).
(2)
في (م) و (ط) و (ع): ببصره، والمثبت من (ل).
اللهُ يَومَ القِيَامَةِ، وَلا يُزَكِّيهِم، وَلا يَنظُرُ إِلَيهِم، وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُستَكبِرٌ.
رواه أحمد (2/ 433)، ومسلم (107)، والنسائى (6/ 86)، وابن ماجه (2208).
ــ
في حديثٍ آخر: البَخِيلُ المَنَّانُ (1)، فنَعَتَهُ به، والتأويلُ الأوَّل أظهر.
و(قوله: شَيخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُستَكبِرٌ) العائلُ: الفقير، والمُعِيلُ (2): الكثيرُ العِيَال؛ يقال: عال الرجلُ فهو عائلٌ: إذا افتقَرَ، والعَيلَةُ: الفقر، وأعالَ فهو مُعِيلٌ: إذا كَثُرَ عياله. وإنما غلَّظ العقابَ على هؤلاءِ الثلاثة؛ لأنَّ الحاملَ لهم على تلك المعاصي مَحضُ المعاندة، واستخفافُ أمرِ تلك المعاصي التي اقتحموها؛ إذ لم يَحمِلهم على ذلك حاملٌ حَاجِيٌّ، ولا دعتهم إليها ضرورةٌ كما يدعو مَن لم يكن مثلهم.
وبيانُ ذلك: أنَّ الشَّيخَ لا حاجةَ ولا داعية له تدعوه إلى الزنى؛ لضعفِ داعيةِ النكاحِ في حقِّه، ولكمالِ عَقلِه، ولقربِ أجله؛ إذ قد انتهى إلى طَرَفِ عمره. ونحو من ذلك المَلِكُ الكَذَّابُ؛ إذ لا حاجةَ له إلى الكذب؛ فإنه يمكنه أن يُمَشِّيَ أغراضَهُ بالصِّدق، فإن خاف من الصدق مفسدةً، وَرَّى.
وأما العَائِلُ المُستَكبِرُ: فاستحقَّ ذلك؛ لغلبة الكِبرِ على نفسه؛ إذ لا سببَ له مِن خارجٍ يحملُهُ على الكبر؛ فإنَّ الكِبرَ غالبًا إنما يكونُ بالمالِ والخَوَلِ (3) والجاه، وهو قد عَدِمَ ذلك كلَّه؛ فلا مُوجِبَ له إلا غلبةُ الكِبرِ على نفسه، وقِلَّةُ مبالاتِهِ بتحريمِهِ وتوعيدِ الشرعِ عليه، مع أنَّ اللائقَ به والمناسبَ لحالِهِ الرقة والتواضُعُ؛ لفقره وعجزه.
(1) رواه أحمد (5/ 151، 152، 176) من حديث أبي ذر رضي الله عنه.
(2)
ساقط من (ع).
(3)
"الخول": الخدم.
[84]
وَعَنهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ، وَلَا يَنظُرُ إِلَيهِم، وَلَا يُزَكِّيهِم، وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضلِ مَاءٍ بِالفَلَاةِ يَمنَعُهُ ابنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلاً سِلعَةً بَعدَ العَصرِ
ــ
و(قوله: ورَجُلٌ عَلَى فَضلِ مَاءٍ بِالفَلَاةِ يَمنَعُهُ مِنِ ابنِ السَّبِيلِ) يعني بفَضلِ المَاءِ: ما فضَلَ عن كفاية السابق للماءِ وأَخذِ حاجتِهِ منه؛ فمَن كان كذلك فمنَعَ ما زاد على ذلك تعلَّق به هذا الوعيد.
وابنُ السَّبِيل: هو المسافر، والسبيلُ: الطريق، وسمِّي المسافرُ بذلك؛ لأنَّ الطريقَ تُبرِزه وتُظهِره، فكأنَّها وَلَدَتهُ، وقيل: سمِّي بذلك؛ لملازمتِهِ إياه، كما يقالُ في الغراب: ابنُ دَأيَة؛ لملازمتِهِ دَأيَةَ البعيرِ الدَّبِرِ لِيَنقُرَهَا (1).
والفَلَاةُ: القَفر، وهذا هو الماءُ الذي قد نَهَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن منعه بقوله: لَا يُمنَعُ فَضلُ المَاءِ لِيُمنَعَ بِهِ الكَلَأُ (2)، وسيأتي الكلامُ عليه. وقد أجمَعَ المسلمون على تحريمِ ذلك؛ لأنَّه منَعَ ما لا حَقَّ له فيه مِن مستَحِقِّهِ، وربَّما أتلفَهُ أو أتلَفَ مالَهُ وبهائمه، فلو منعَهُ هذا الماءَ حتَّى مات عطشًا قِيدَ منه عند مالك؛ لأنَّه قتلَهُ، كما لو قتلَهُ بالجُوعِ أو بالسلاح.
و(قوله: وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلاً سِلعَةً) رويناه سِلعَةً بغير باء، ورويناه بالباء؛ فعلى الباء: بايَعَ بمعنى ساوَمَ؛ كما جاء في الرواية الأخرى: ساوَمَ، مكان بايَعَ، وتكونُ الباء بمعنى عن؛ كما قال الشاعر:
فَإِن تَسأَلُونِي بالنِّسَاءِ فَإِنَّنِي
…
بَصِيرٌ بِأَدوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ
(1)"البعير الدَّبِر": هو الذي تقرّحت دأيته. والدأية من البعير: هو الموضع الذي تقع عليه ظَلِفَةُ الرّحل فيعقره.
(2)
رواه البخاري (2353)، ومسلم (1566)، وأبو داود (3473)، والترمذي (1272)، وابن ماجه (2428) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
فَحَلَفَ لَهُ بِاللهِ، لَأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ، وهو عَلَى غَيرِ ذَلِكَ،
ــ
أي: عن النِّسَاء. وعلى إسقاطها: يكون معنى بايع: باع؛ فيتعدَّى بنفسه، وسِلعةً: مفعولٌ.
و(قوله: فَحَلَفَ لَهُ بِاللهِ، لَأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا) يعني: أنَّه كذَبَ فزاد في الثَّمَنِ الذي به اشتَرَى؛ فكَذَبَ واستخَفَّ باسمِ الله تعالى حين حَلَفَ به على الكذب، وأخَذَ مالَ غيرِهِ ظُلمًا؛ فقد جمع بين كبائر، فاستَحَقَّ هذا الوعيدَ الشديد. وتخصيصُهُ بما بَعدَ العَصر، يَدُلُّ على نَّ لهذا الوقتِ من الفضلِ والحُرمةِ ما ليس لغيره مِن ساعات اليوم.
قال المؤلف رحمه الله: ويظهرُ لي أن يقال: إنما كان ذلك؛ لأنَّه عَقِبَ الصلاةِ الوُسطَى - كما يأتي النصُّ عليه - ولمَّا كانت هذه الصلاةُ لها مِنَ الفضلِ وعظيمِ القَدرِ أكثَرُ مما لغيرها، فينبغي لمصلِّيها أن يَظهَرَ عليه عَقبهَا من التحفُّظِ على دينه، والتحرُّزِ على إيمانِهِ أكثَرُ مما ينبغي له عَقبَ غيرها؛ لأنَّ الصلاةَ حَقُّهَا أن تَنهَى عن الفحشاء والمنكر؛ كما قال الله تعالى: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنهَى عَنِ الفَحشَاءِ وَالمُنكَرِ، أي: تَحمِلُ على الامتناعِ عن ذلك، مما يحدُثُ في قلب المصلِّي بسببها من النُّورِ والانشراح، والخوفِ من الله تعالى والحياءِ منه؛ ولهذا أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: مَن لم تَنهَهُ صلاتُهُ عن الفحشاءِ والمُنكَرِ، لم يَزدَد مِنَ اللهِ إلا بُعدًا (1)، وإذا كان هذا في الصلواتِ كلِّها، كانتِ الوسطى بذلك أولَى، وحقُّها في ذلك أكثرَ وأوفَى؛ فمَنِ اجترَأَ بعدها على اليمينِ الغَمُوسِ التي يأكُلُ بها مالَ الغير، كان إثمُهُ أشدَّ وقلبُهُ أَفسَدَ، والله تعالى أعلم.
وهذا الذي ظهَرَ لي أَولَى مما قاله القاضي (2) أبو الفَضل؛ فإنَّه قال: إنَّما كان
(1) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (2/ 258): رواه الطبراني في الكبير -وفيه ليث بن أبي سليم وهو ثقة، ولكنه مدلس- من حديث ابن عباس. ورواه أيضًا من حديث ابن مسعود، ورجاله رجال الصحيح.
(2)
من (ع).
وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لا يُبَايِعُهُ إِلَاّ لِدُنيَا؛
ــ
ذلك لاجتماعِ ملائكةِ الليلِ وملائكةِ النهار في ذلك الوَقتِ؛ لوجهَين:
أحدهما: لأنَّ هذا المعنى موجودٌ في صلاة الفجر؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: يَتَعَاقَبُونَ فِيكُم مَلَائِكَةٌ بِاللَّيلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، ثُمَّ يَجتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ العَصرِ وَصَلَاةِ الفَجرِ (1)؛ وعلى هذا فتبطُلُ خصوصيَّةُ العصر؛ لمساواةِ الفجرِ لها في ذلك.
وثانيهما: أنَّ حضورَ الملائكةِ واجتماعَهُم إنما هو في حالِ فعل هاتَينِ الصلاتين لا بعدهما؛ كما قد نَصَّ عليه في الحديثِ حين قال: يَجتَمِعُونَ في صلاةِ الفَجرِ وصَلَاةِ العَصرِ (1)، وتقولِ الملائكةِ: أتيناهُم وهم يُصَلُّونَ (1)، وتَرَكنَاهُم وَهُم يُصَلُّونَ، وهذا يدلُّ دلالةً واضحةً على أنَّ هؤلاءِ الملائكةَ لا يشاهدون من أعمالِ العبادِ إلا الصلواتِ فَقَط، وبها يَشهَدون. فتدبَّر ما ذكرتُهُ؛ فإنَّه الأنسَب الأسلَمُ، والله أعلم.
و(قوله: وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَاّ لِدُنيَا) إنَّما استَحَقَّ هذا الوعيدَ الشديدَ؛ لأنَّه لم يَقُم لله تعالى بما وجَبَ عليه مِنَ البَيعةِ الدينيَّة، فإنَّها من العباداتِ التي تجبُ فيها النيَّةُ والإخلاص، فإذا فَعَلَهَا لغيرِ اللهِ تعالى مِن دنيا يَقصِدها، أو غَرَضٍ عاجلٍ يقصده، بَقِيَت عهدتُهَا عليه؛ لأنَّه منافقٌ مُرَاءٍ غَاشٌّ للإمامِ والمسلمين، غيرُ ناصحٍ في شيء من ذلك.
ومَن كان هذا حاله، كان مُثِيرًا للفتن بين المسلمين (2)؛ بحيثُ يَسفِكُ دماءَهُم، ويستبيحُ أموالهم، ويَهتِكُ بلادهم، ويَسعَى في إهلاكهم؛ لأنَّه إنما يكونُ مع مَن بلّغهُ إلى أغراضه، فيبايعُهُ لذلك ويَنصُرُهُ، ويغضَبُ له ويقاتلُ مخالفَهُ، فينشأ من ذلك تلك المفاسد.
وقد تكونُ هذه المخالفة في بعضِ أغراضه، فينكُثُ بيعتَه، ويطلُبُ هَلَكَتَه، كما هو حالُ أهل أكثر
(1) رواه البخاري (555)، ومسلم (632)، والنسائي (1/ 240 و 241).
(2)
في (ع): ومن كان هكذا يثير الفتن، وفي (ل) و (ط): ومن كان هكذا كان مثيرًا للفتن، والمثبت من (م).
فَإِن أَعطَاهُ مِنهَا وَفَى، وَإِن لَم يُعطِهِ مِنهَا لَم يَفِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: سَاوَمَ رَجُلاً بِسِلعَةٍ.
رواه أحمد (2/ 253)، والبخاري (2358)، ومسلم (108)، وأبو داود (3474) و (3475)، والنسائي (7/ 247).
* * *
ــ
هذه الأزمان، فإنَّهم قد عمَّهم الغَدرُ والخِذلَان.
و(قوله: فَإِن أَعطَاهُ مِنهَا وَفَى، وَإِن لَم يُعطِهِ مِنهَا لَم يَفِ) هكذا الرواية وَفَى بتخفيفَ الفاء، ويَفِ محذوفَ الواو والياءِ مخفَّفًا، وهو الصحيحُ هنا روايةً ومعنًى؛ لأنَّه يقال: وَفَى بعهده يَفِي وَفَاءً، والوفاءُ ممدودٌ ضِدُّ الغدر، ويقال: أوفَى، بمعنى: وَفَى، وأما وَفَّى المشدَّدُ الفاءِ، فهي بمعنى توفيةِ الحَقِّ وإعطائِهِ؛ يقال: وفَّاه حَقَّهُ يُوَفِّيهِ تَوفِيَةً؛ ومنه قوله تعالى: وَإِبرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى، أي: قام بما كُلِّفَهُ مِنَ الأعمالِ؛ كخِصَالِ الفطرة وغيرها؛ كما قال الله تعالى: فَأَتَمَّهُنَّ، وحكى الجوهريُّ: أوفاه حقَّه.
قال المؤلف رحمه الله: وعلى هذا وعلى ما تقدَّم، فيكونُ أَوفَى بمعنى الوفاء بالعهد، وتوفيةِ الحق. والأصلُ في أَوفَى: أَطَلَّ على الشيء، وأشرَفَ عليه.
و(قوله: والمُنَفِّقُ سِلعَتَهُ بِالحَلِفِ الكَاذِب) الروايةُ في المُنَفِّق: بفتح النون وكسر الفاء مشدَّدة، وهي مضاعَفُ: نَفَقَ البِيعُ يَنفُقُ نَفَاقًا: إذا خرَجَ ونفَدَ، وهو ضدُّ كَسَدَ، غيرَ أنَّ نَفَقَ المخفَّفَ لازمٌ، فإذا شُدِّد، عُدِّي إلى المفعول، ومفعولُهُ هنا سِلعة. وقد وصَفَ الحَلِف وهي مؤنَّثة، بالكاذب وهو وصفُ مذكَّرٍ، وكأنَّه ذهب بالحلفِ مذهبَ القَول فذكَّره، أو مذهَبَ المصدر، وهو مِثلُ قولهم: أتاني كِتَابُهُ فَمَزَّقتُهَا؛ ذهب بالكتابِ مذهَبَ الصَّحِيفة، والله تعالى أعلم.