الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(15) بَابٌ لَا يَصِحُّ الإِيمَانُ حَتَّى تَكُونَ مَحَبَّةُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم رَاجِحَةً عَلَى كُلِّ مَحبُوبٍ مِنَ الخَلقِ
[35]
عَن أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: لَا يُؤمِنُ عَبدٌ - وَفِي رِوَايَةٍ: الرَّجُلُ - حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيهِ مِن أَهلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجمَعِينَ.
ــ
(15)
وَمِن بَابِ: لَا يَصِحُّ الإِيمَانُ حَتَّى تَكُونَ مَحَبَّةُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم رَاجِحَةً عَلَى كُلِّ مَحبُوبٍ مِنَ الخَلقِ
(قوله: لَا يُؤمِنُ عَبدٌ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيهِ مِن أَهلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجمَعِينَ، هذا الحديثُ على إيجازِهِ يتضمَّنُ ذكرَ أصنافِ المَحَبَّةِ؛ فإنَّها ثلاثة: محبَّةُ إجلالٍ وإعظام؛ كمحبَّةِ الوالِدِ والعلماءِ والفضلاء. ومحبَّة رحمةٍ وإشفاق؛ كمحبَّة الولد. ومحبَّةُ مشاكلةٍ واستحسان؛ كمحبَّة غير مَن ذكرنا. وإنَّ محبَّةَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لا بدَّ أن تكون راجحةً على ذلك كلِّه.
وإنَّما كان ذلك؛ لأنَّ الله تعالى قد كمَّله على جميعِ جنسه، وفضَّله على سائر نوعه، بما جبله عليه مِنَ المحاسنِ الظاهرة والباطنة، وبما فضَّله مِنَ الأخلاقِ الحسنة والمناقبِ الجميلة؛ فهو أكملُ مَن وَطِئَ الثَّرى، وأفضلُ مَن رَكِبَ ومَشَى، وأكرمُ مَن وافى القيامة، وأعلاهُم منزلةً في دارِ الكرامة.
قال القاضي أبو الفضل: فلا يصحُّ الإيمانُ إلَاّ بتحقيق إنافةِ قَدرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ومنزلتِهِ، على كلِّ والدٍ وولد، ومُحسِنٍ ومُفضِل، ومن لم يعتقد هذا واعتقَدَ سواه، فليس بمؤمنٍ. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وظاهرُ هذا القول أنَّه صرَفَ محبَّةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى اعتقادِ تعظيمِهِ وإجلاله، ولا شكَّ في كُفرِ مَن لا يعتقدُ عليه. غيرَ أنَّ تنزيلَ هذا الحديثِ على ذلك المعنى غيرُ صحيح؛ لأنَّ اعتقادَ الأعظَمِيَّةِ ليس بالمحبَّةِ، ولا الأحبِّيَّة، ولا مستَلزِم لها؛ إذ قد يجدُ الإنسانُ من نفسه إعظامَ أمرٍ أو
وَفِي لَفظٍ آخَرَ: لَا يُؤمِنُ أَحَدُكُم حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيهِ مِن وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجمَعِينَ.
رواه أحمد (3/ 177 و 207 و 275)، والبخاري (15)، ومسلم (44)، والنسائي (8/ 114 - 115)، وابن ماجه (167).
ــ
شخصٍ، ولا يجدُ محبَّته، ولأنَّ عمر لَمَّا سمع قولَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: لَا يُؤمِنُ أَحَدُكُم حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيهِ مِن نَفسِهِ وَوَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجمَعِينَ، قَال عمر: يَا رَسُولَ اللهِ! أَنتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِن كُلِّ شَيءٍ إِلَاّ نَفسِي، فَقَالَ: وَمِن نَفسِكَ يَا عُمَرُ، قَالَ: وَمِن نَفسِي، فَقَالَ: الآنَ يَا عُمَرُ (1).
وهذا كلُّه تصريحٌ بأنَّ هذه المحبَّةَ ليست باعتقاد تعظيم، بل ميلٌ إلى المعتقَدِ وتعظيمُهُ وتعلُّقُ القلبِ به، فتأمَّل هذا الفرق؛ فإنَّه صحيحٌ، ومع ذلك فقد خَفِيَ على كثيرٍ من الناس. وعلى هذا المعنى الحديث - والله أعلم - أنَّ مَن لم يجد مِن نفسه ذلك الميلَ، وأرجحيَّتَهُ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم لم يَكمُل إيمانُهُ.
على أنِّي أقولُ: إنَّ كلَّ مَن صدَّق بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وآمَنَ به إيمانًا صحيحًا، لم يَخلُ عن وِجدَانِ شيء من تلك المحبَّة الراجحةِ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ غير أنّهم في ذلك متفاوتون؛ فمنهم: مَن أخذ تلك الأرجحيّةِ بالحظِّ الأوفى؛ كما قد اتَّفَقَ لعمر حتى قال: ومِن نَفسِي، ولهندٍ امرأةِ أبي سفيان حين قالت للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: لَقَد كَانَ وَجهُكَ أَبغَضَ الوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ، فَقَد أَصبَحَ وَجهُكَ أَحَبَّ الوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ. . الحديث، وكما قال عمرو بن العاص: لَقَد رَأَيتُنِي وَمَا أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، وَلَا أَجَلَّ فِي عَينِي مِنهُ، وَمَا كُنتُ أُطِيقُ أَن أَملَأَ عَينَيَّ مِنهُ إِجلَالاً لَهُ، وَلَو سُئِلتُ أَن أَصِفَهُ، مَا أَطَقتُ؛ لِأَنِّي لَم أَكُن أَملَأُ عَينَيَّ مِنهُ (2)، ولا شَكَّ في أنَّ حظَّ أصحابِهِ من
(1) رواه أحمد (4/ 336).
(2)
رواه مسلم (121).
[36]
عَن أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: لَا يُؤمِنُ أَحَدُكُم حَتَّى يُحِبَّ لِأخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفسِهِ.
رواه أحمد (3/ 176 و 272 و 278)، والبخاري (13)، ومسلم (45)، والنسائي (8/ 115)، والترمذي (2517)، وابن ماجه (66).
* * *
ــ
هذا المعنى أعظَمُ؛ لأنَّ معرفتهم لقدره أعظم؛ لأن المحبَّةُ ثمرةُ المعرفة، فتقوَى وتضعُفُ بِحَسَبها.
ومن المؤمنين: من يكونُ مستغرِقًا بالشهوات، محجوبًا بالغفلات عن ذلك المعنى في أكثرِ أوقاته؛ فهذا بأخسِّ الأحوال، لكنَّه إذا ذُكِّرَ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وبشيء من فضائله، اهتاجَ لذكرِهِ، واشتاقَ لرؤيته، بحيثُ يُؤثِرُ رؤيتَهُ، بل رؤيةَ قبرِهِ ومواضعِ آثاره، على أهلِهِ ومالِهِ وولدِهِ، ونفسِهِ والناسِ أجمعين، فيخطُرُ له هذا ويجدُهُ وِجدانًا لا شَكَّ فيه، غير أنَّه سريعُ الزوال والذَّهَاب؛ لغلبة الشَّهَوَاتِ، وتوالي الغَفَلَات؛ ويُخَافُ على مَن كان هذا حالُهُ ذَهَابُ أصلِ تلك المحبَّة، حتى لا يوجَدَ منها حَبَّة، فنسألُ اللهَ الكريم أن يَمُنَّ علينا بدوامها وكمالِها، ولا يَحجُبَنَا عنها.
و(قوله: لَا يُؤمِنُ أَحَدُكُم حَتَّى يُحِبَّ لِأخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفسِهِ) أي: لا يكمُلُ إيمانه؛ كما تقدَّم؛ إذ مَن يَغُشُّ المسلمَ ولا ينصحُهُ مرتكبٌ كبيرةً، ولا يكونُ كافرًا بذلك؛ كما بيَّنَّاه غير مرَّة.
وعلى هذا: فمعنى الحديث: أنَّ الموصوفَ بالإيمانِ الكامل: مَن كان في معاملته للناس ناصحًا لهم، مريدًا لهم ما يريده لنفسه، وكارهًا لهم ما يكرهه لنفسه، وتتضمَّنُ أن يفضِّلهم على نفسه؛ لأنَّ كلَّ أحد يُحِبُّ أن يكونَ أفضَلَ من غيره، فإذا أحَبَّ لغيره ما يحبُّ لنفسه، فقد أَحَبَّ أن يكونَ غيره أفضَلَ منه؛ وإلى هذا المعنى أشار الفُضَيلُ بنُ عِيَاض لمَّا قال لسفيانَ بنِ عُيَينة: إن كنتَ تريدُ أن يكون الناسُ مثلَكَ، فما أدَّيتَ للهِ الكريمِ النصيحة، فكيف وأنتَ تُوَدُّ أنَّهم دونك؟ !